أعلام

الفراهيدي .. العالِم بالعربية والزاهد بالدنيا

كان شغوفاً بالعربية، متتبعاً لعلومها، ومكتشفاً لأسرارها، وكان غاية في الدقة والشرح والتحليل

اسمه ونسبه:-

هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي، من قبيلة أزد، أول من سمي في الإسلام بأحمد، وأصله من الأزد من فراهيد.

مولده:-

ولد الخليل رحمه الله سنة مائة في قرية من قرى عمان، وانتقل إلى البصرة وقيل: إنه مولى الفراهيد، وأصله من الفرس.

نشأته:-

تربى في أحضان قرية فراهيد بعمان، مركز الإشعاع الفكري وموطن الثقافات والعلوم والمعارف الإسلامية، تلقى علومه هناك، وتصدر للدرس والتدريس حتى عرف بالعالم البصري.

عمان حيث ولد الفراهيدي
وصف عُمان قديماً

كانت البادية منبع علمه الغزير وعطائه الوفير، جالس الأعراب في البوادي والصحاري، في نجد وتهامة والحجاز، للتزود منهم باللغة الصحيحة.

شغف:-

كان الفراهيدي شغوفاً بالعربية، متتبعاً لعلومها، ومكتشفاً لأسرارها، وكان غاية في الدقة والشرح والتحليل، بل كان نحوياً بأتم معنى الكلمة.

كان له كل الفضل في ضم مفردات العربية بعرضه للأصل والفرع، والمستعمل والمهمل والدخيل والمعرب.

فالخليل إذا هو المؤسس الحقيقي لصَرح النحو العربي، بل هو المقيم لقواعده والمشيِّد لبنيانه وأركانه، وبحسب تلميذه سيبويه؛ فقد اعتمد الفراهيدي على مادتين أساسيتين في رفع هذا الصرح إلى عنان السماء، وهما القياس والعلل، فالقياس يتضح من خلال ضبطه القواعد واطرادها بحيث تُنفى الشواذ، وأما العلل؛ فمقدمات القياس التي تثبُت صحتها بما تطرحه من أدلة عقلية سديدة.

عزة النفس:-

كان فقيراً ميسور الحال، عفيف النفس لا يأخذ من أحد، لم يتكسب يوماً بعمله، لا طالما كان زاهداً وورعاً وتقياً، كريم الخلق، طيباً فطناً وذكياً.

قال ياقوت الحموي في “معجم البلدان”: كان الخليلُ أعلمُ الناسِ وأذكاهم وأفضل الناس وأتقاهم، وكانوا يقولون: لم يكُن في العَرَبِ بعد الصحابة؛ أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع، وكان الخليل أشد الناس تعفُفاً..”.

نأى الفراهيدي بنفسه عن بلاط الأمراء
نأى بنفسه عن بلاط الأمراء

لم يقبل أن يكون خادماً للملوك أو الأمراء، فقد وجه إليه أمير الأهواز وفارس “سليمان بن علي الهاشمي” دعوة يطلب صحبته، مغدقاً عليه بالهدايا والأموال، فلم يقبل ذلك وكان دوابه للرسول المبعوث هذه الأبيات:

أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ ..

وَفي غِنىً غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ

سَخّى بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَدًا ..

يَموتُ هَزلًا وَلا يَبقى عَلى حالِ

وَإِنَّ بَينَ الغِنى وَالفَقرِ مَنزِلَةً ..

مَخطومَةً بِجَديدٍ لَيسَ بِالبالي

الرِزقُ عَن قَدَرٍ لا الضَعفُ يَنقُصُهُ ..

وَلا يَزيدُكَ فيهِ حَولُ مُحتالِ

إِن كانَ ضَنُّ سُلَيمانَ بِنائِلِهِ ..

فَاللَهِ أَفضَلُ مَسؤولٍ لِسُؤالِ

وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ نَعرِفُهُ ..

وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ

وَالمالَ يَغشى أُناسًا لا خَلاقَ لَهُم ..

كَالسيلِ يَغشى أُصولَ الدَندَنِ البالي

كُلُّ امرِىءِ بِسَبيلِ المَوتِ مُرتَهِنٌ ..

فَاعمَل لِنَفسِكَ إِنّي شاغِلٌ بالي

من خلال هذه الأبيات نفهم بأن الخليل لم تغره ملذات الدنيا، فقد كان زاهداً وهمه الوحيد هو جمع العلم والتسلح باللغة.

منزلة:-

وللخليل منزلة عظيمة بين علماء عصره، فقد أشاد به أهل العلم، وكان يضرب به المثل في ذكائه الوقاد، وتفكيره الأخاذ، وشخصيته الفذة ومكانته الكبيرة في عالم اللغة والأدب، كان مفخرة للبصرة وأهلها وللذين يستفيدون من عمله.

ذكر أن الخليل بن أحمد اجتمع يوماً مع ابن المقفع فتذاكرا معاً، ولما انتهى لقاؤهما، سئل ابن المقفع عنه فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله.

ابن المقفَّع.. أحد أكبر الأدباء في التاريخ العربي الإسلامي يتحدث عن الفراهيدي
ابن المقفَّع.. أحد أكبر الأدباء في التاريخ العربي الإسلامي

مقولات الفراهيدي ومواقفه:-

  • قال الخليل: “كنتُ أخرجُ من منزلي فألقى رجلاً من أربعة: رجلاً أعلم مني فهو يؤم فائدتي، ورجلاً مثلي فهو يؤم مذاكرتي، وَرَجُلاً متعلِّماً مني فهو يؤم ثوابي، ورجُلاً دوني في الحقيقة، وهو يرى أنَّه فوقي ويحاول أن يتعلَّم منِّي وكأنه يعلمني، فذاك الذي لا أكلمه ولا أنظر إليه”.
  • وقال أيضاً: “الرجال أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالمٌ فاتبعوه، ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري فذاك غافلٌ فنبهوه، ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهلٌ فعلِّموه، ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائقٌ فاحذروه”.
  • قيل للخليل: ماَلَكَ تروي الشعرَ، ولا تقوله؟، قال: لأنِّي كالمِسنّ: أشْحَذُ ولا أقْطَع!.
  • جاء كيسان إلى الفراهيدي يسأله عن شيء؛ ففكَّر فيه الخليل ليجيبه، فلمَّا استفتَح الكلام، قال له: لا أدري ما تقول، فأنشأ الخليل يقول:

لو كُنتَ تعلم ما أقـــول عَذَرْتَنـي ..

أو كنتُ أجهـلُ ما تقولُ عَذَلتُكـا

لكــن جَهِلتَ مَقـــالتي فعَذَلتَنــي ..

وعلمـتُ أنَّــكَ جاهلٌ فعَذَرْتَكــا

شيوخ الفراهيدي:-

أخذ الخليل علمه عن شيوخ مكة والمدينة والكوفة والبصرة، وكان لا يتجمع إلا مع الفصحاء منهم، ومن بين هؤلاء:

  1. أيوب السختياني.
  2. أبو عمرو بن العلاء.
  3. عاصم الأحول.
  4. العوام بن حوشب.
  5. غالب القطان.

تلاميذ الفراهيدي:-

عرف عن تلاميذ الخليل علمهم الغزير في النحو واللغة، فهذا سيبويه شيخ النحاة وإمام البصريين وحجة النحويين، وذلك النضر بن شميل فصيح اللسان ومشافه الأعراب، وذاك المؤرخ السدوسي عالم العربية والحديث والأنساب، أما هذا فعلي بن ناصر الجهضمي، عالم اللغة ومسائلها.

مؤلفات الفراهيدي:-

ترك الخليل وراءه كتباً كثيرة لمن جاء بعده، فمن بين ما ألَّف هذه العناوين:

  1. كتاب العين: ويعتبر من أشهر مؤلفاته، مات ولم يتممه كتاب، ولا هذبه، ولكن العلماء يغرفون من بحره.
  2. كتاب النغم: وكان الخليل أول من ألف كتاباً تحت هذا العنوان.
  3. كتاب الإيقاع: لا يخفى أن الخليل كان له ميل إلى الأصوات والموسيقى.
  4. كتاب العروض: إذا كان الخليل هو أول من وضع هذا العلم والمصطلحات التي يقوم عليها فكيف لا يؤلف كتاباً يجمع فيه كل هذا؟ قال ابن خلكان: “كان إماماً في النحو، وهو الذي استنبط علم العروض وأخرجه إلى الوجود وحصر أقسامه في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحراً”.
  5. كتاب النقط والشكل:
  6. كتاب الشواهد: جمع فيه ما سمعه عن الأعراب.
  7. كتاب العوامل: خاص بالنحو.
  8. كتاب الجمل: فيه ما يعني بالجملة في اللغة العربية.
  9. كتاب المعمى: يحتوي على مجموعة من الألغاز.

إضافة إلى هذه المؤلفات هناك عناين أخرى لكنها ليست كاملة.

وفاة الفراهيدي:-

توفي الفراهيدي عام 175هـ، وكانت وفاته فاجعة لأهل البصرة، فقد فقدت سيد النحو والأدب وكانت عبارته الأخيرة قبل أن يموت هذه الكلمات: “لا تبكوا، فوالله ما فعلت فعلاً أخاف على نفسي منه، وما كان لي فضل صرفته إلى وجهة وددت بعد ذلك أني كنت صرفته إلى غيرها وما علمت أني كذبت متعمداً قط، وأرجو أن يغفر لي التأويل”.

وفاه الفراهيدي
البصرة التي كانت موئلاً لعلماء النحو واللغة

المصادر:-

  • نحو الخليل من خلال معجمه لهادي نهر.
  •  طبقات النحويين واللغويين، الزبيدي سعيد.
  • جمهرة اللغة، ابن دريد.
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي.
  • العصر العباسي الأول، شوقي ضيف.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه.
الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق