نوادر العرب

الفتى الشُّجاع

روى الفضل بن يزيد: نزَلَ علينا بنو ثعلب في بعضِ السِّنين وكُنتُ شغوفاً بأخبار العربِ أن أسمعها وأجمعها، وبينما أن أدورُ في بعض إحيائهم، إذ أنا بإمراة واقفةٍ في فِناء خبائها، وهي آخذة بيد غُلامٍ قلَّما رأيت مثله في حُسنه وجماله، له ذؤابتان كالسبج (الخَرَز) المنظوم، وهي تعاتبه بلسانٍ رطٍب، وكلامٍ عذب، تحِنُّ إليه الأســماع، وترتاحُ لهُ القُلوب.

وأكثرُ ما سمعتُ منها: أي بني، وهو يبتسم في وجهها، قد غَلَبَ عليه الحَياء والخَجَل، كأنه جارية بكر لا يردُّ جواباً.

فاستحسنتُ ما رأيت (الفضيل) واستحليتُ ما سمِعت، فدَنوتُ مِنه، وسلَّمتُ ، فردَّ عليَّ السَّلام، فوقفتُ أنظُرُ إليهِما.

فقالت: يا حضريّ ( من أهل المدينة) ما حاجتك، فقُلت: الاستكثار ممَّا أسمع، والاستمتاعُ بما أرى من هذا الغُلام.

فقالت: : يا حضري إن شئتَ سُقتُ إليّك مِن خَبَرِهِ ما هوَ أحسنُ من منظرهِ.

فقُلت: قد شِئتُ يرحمك الله.

المنذر بن امرئ القيس اللخمي ثالث المناذرة الذين ملكوا الحيرة بالفترة (528-554)، نسب إلى أمه ماوية بنت جشم الحسناء، فقيل: المنذر بن ماء السماء

فقالت: حملتهُ والرِّزقُ عُسر، والعيشُ نَكَد، حَملاً خفيفاً حتى مَضَت لهُ تسعةُ أشهر، وشاء الله عزَّ وجَل أن أضعهُ، فوضعتهُ خَلْقاً سويَّاً، فوربك ما هو إلَّا أن صَارَ ثالثُ أبويه، حتى أفضَلَ اللهُ عزَّ وجَل وأعطى، وأتى مِنَ الرِّزق بما كَفَى وأغنى، ثمَّ أرضعتهُ حوليّن كَامليّن، فلمَّا استتمَّ الرَّضاع؛ نقلتهَ من خرق المهد إلى فِراش أبيه كأنَّهُ شبلُ أسد، أقيه برد الشِّتاء، وحرَّ الهجير.

حتَّى إذا مضت لهُ خمس سنين، أسلمته إلى المؤدِّب فحفظَّه القرآن فتلاه، وعلَّمه الشِّعر فرواه، ورغِبَ في مفاخِر قــومه وآبائه وأجداده.

فلمَّا بلغ الحُلُم، واشتدَّ عظمه، وكمُلَ خلقُه؛ حملته على عِتاق الخيل فتفرَّس، وتمرَّس ولبسَ السِّلاح، ومشى بين بيوتات الحيِّ الخيلاء.

فأخَذَ في قِرى الضيف (إكرامه)، وإطعام الطَّعام، وأنا عليه وجِلة أشفق عليه من العيون أن تُصيبه.

وتسترسل الأم فتقول: فاتَّفَقَ أن نزلنا بمنهل من المناهِل بين أحياءِ العرب، فخرجَ فتيانُ الحي في طَلب ثأرٍ لهُم، وشاء الله أن أصابتهُ وعكةٌ شغلتهُ عن الخروج، حتى إذا أمعَنَ القوم ولم يبقَ في الحيِّ غيره، ونحنُ آمنون وادعون إلى أن أدبَرَ الليل، وأسفرَ الصَّباح؛ حتَّى طلعت علينا غُرر الجياد، وطلائع العدو، فما هو الَّا هنيهة (فترة قصيرة) حتى أحرزوا (سرقوا) الأموال دون أهلها، وهو يسألني عن الصّوت، وأنا أستُرُ الخبَرَ إشفاقاً عليه، وضنَّا به.

والحالُ كذلك، إذ علَت الأصوات وبرزت المخدرات، فرمى اليافِعُ دِثاره، وثارَ كَما يثور الأسد، وأمر بإسراج فَرَسِه، ولبِسَ لامة حربه، وأخَذَ رُمحهُ بيده ولحِقَ حُماةَ القوم، فطَعَنَ أدناهم منه فرمى به، ولحِق أبعدهم مِنه فقتله، فانصرَفت وجوهُ الفُرسان، فوجدوا صبياً صغيراً لا مدَدَ وراءه.

فحملوا عليه فأقبل يؤم البيت ونحن ندعو الله له بالسَّلامة، حتَّى إذ مدَّهم وراءه وامتدوا في أثره، عطَفَ عليهم، ففرَّق شملهم، وشَتَّتَ جمَعهم، وقلَّل كثرتهم، ومزَّقهم كلَّ مُمزَّق، ومَرَقَ كما يمرُق السَّهم، وناداهم: خلَّوا عن المال، فو الله لا رجعت إلَّا به، أو لأهلكَنَّ دونه.

فانصرفت إليه الأقران، وتمايلت نحوه الفُرسان، وتميَّزت له الفتيان، وحملوا عليه قد رفعوا الأسنة وعطفوا عليه بالأعِنَّة.

اشتهر عمرو بن كلثوم التغلبي بقوته وفروسيته فضلاً عن مكانته الشعرية

فوثب عليهم (تقولُ الأم) وهو يهدر كما يهدر الفَحل من وراءِ الإبل، وجعل لا يحمِل على ناحية إلَّا حطَّمها، ولا كتيبة إلَّا مزَّقها، حتى لم يبقَ من القوم إلَّا مَنْ نجا بهِ فرسه، ثمَّ ساق المال، وأقبل به، فكبَّر القوم عند رؤيته، وفرِح النَّاسُ بسلامته، فو الله ما رأينا قطّ يوماً كان أسمح صباحاً وأحسن رواحاً ( مساءً) من ذلكَ اليوم. وتقول الأم: ولقَد سمعتهُ يقول في وجوهِ فتياتِ الحيِّ هذهِ الأبيات:

تأمَّلْن فِعلـــي هل رأيتُـــنَّ مثلَــــــــهُ .. إذا حشرجت نفسُ الجبانِ من الكربِ

وضاقَت عليهِ الأرضُ حتَّـــى كأنَّـــــهُ .. من الخَوفِ مَسلوبُ العزيمةِ والقلبِ

ألم أعطِ كـــــلاً حقَّهُ وصيبَـــــــــــهُ .. من السَّمهريِّ اللدِن والمرهفِ العَضْبِ

أنا ابنُ هِندِ بن قيسِ بــن مالــــــــكٍ .. سليلُ المعــالي والمكارمِ والسيبِ

أبى لي أن أُعطيَ الظلامةً مرهفٌ .. وطرفٌ قويُّ الظَّهرِ والجوفِ والجَنبِ

وعزمٌ صحيحٌ لو ضرَبْتُ بحدِّه الجِبال .. الرَّواسي لانحَطَطْنَ إلى التربِ

وعــرضٌ نقيٌ أتَّقـــي أن أعيبَــــــــهُ .. وبيتٌ شريفٌ في ذَرى ثعلب الغلبِ

فإن لم أُقاتِل دونَكَنَّ واحتمـــــــــي .. لكــن وأحميكُنَّ بالطَّعنِ والضربِ

فلا صَدَقَ اللاتي مَشَيـــْنَ إلى أبي .. يهنينـَّــهُ بالفارِسِ البَطلِ النَّدبِ

المصدر:-

 المستطرف في كُل فنٍ مستظرف، تأليف شهاب الدِّين الأبشيهي.

*السمهوري: نوع من أنواع السيوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى