انفوجرافيكسعلماء وفلاسفة

الفارابي .. الفيلسوف الزاهد بمتاع الدنيا

كانت الحياة العلمية للفارابي طاغية حتى في نظرته للحياة التي احتقر ملذاتها

لم يكن الفيلسوف الإسلامي أبو نصر الفارابي شخصية عادية مغمورة في زمنه، بيد أن ذلك لم يدفعه نحو البحث عن مواقع قيادية في بلاط الملوك والسلاطين الذين سعوا لكسب ودِّه وخصوصاً سيف الدولة الحمداني في حلب والشَّام، كما كان مترفِّعاً عن اللهث خلف المال الذي أدى بكثير من الشعراء والحكماء المقرَّبين من الحُكَّام للانتقال من حياة الفقر إلى الثراء.

بل أنَّ الفارابي نأى بنفسه عن ممارسة الحياة الاعتيادية الطبيعية لسائر بني البشر من حيث الرغبة في الزواج والإنجاب، مفضلاً أن ينكب على التأليف وتحصيل العلوم التي رفعت من قدره وجعلته صاحب لقب “الُمعلِّم الثاني” بين الفلاسفة، على اعتبار أن “المعلم الأول” هو بلا جدال، الإغريقي الكبير أرسطو.

على أن الفارابي؛ كان شديد الحرص على اجتماع الناس، فالاجتماعُ بنظره ما هو إلا وليد حاجة البشر ونقص الطبيعة الإنسانية عن أن تستقل في تدبير عيشها ووسائل حياتها والوصول إلى أعلى كمالاتها المنشودة، وأن تُحقِّق خير أهدافها الإنسانية.

النشأة والبيئة:-

وُلِدَ الفيلسوف الإسلامي أبو نصر الفارابي في عام 260 هجري (874 م)، في فاراب وهي منطقة من نواحي تركستان في خراسان، فهو من جذور تركية وأخرى فارسية، ما جعله يجيد لغتي هاتين القوميتين، فضلاً عن العربية التي كانت لغة العلم والمعرفة في عصره.

كما ساعده هذا التنوع الثقافي والحضاري في فهم الفلسفات التي تسير وفقها مختلف المجتمعات التي تمتلك كل منها أفكارها الخاصة المتأثرة بالبيئة التي تتواجد فيها، وهو ما عزَّز من قدراته على بناء تصورات فلسفية ذات سمات رحبة تأخذ بعين الاعتبار الألوان المتعددة لقطع الفسيفساء التي تشكِّل في النهاية لوحة تعبر عن الحضارة الإسلامية في القرن الثالث الهجري.

حياة الفارابي الأولى:-

ككل علماء عصره، فقد كان الفارابي موسوعياً، تعلّم منذ صغره العلوم الإسلامية، ثم نبغ في اللغات والترجمة، ثم في الطب، والفلسفة، والمنطق، وغيرها من العلوم.

ثم انتقل من منطقته فاراب إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، وقد تتلمذ في دار السلام على أفذاذ علماء عصره من قبيل النحوي الشهير ابن السراج، فضلاً عن كل من أبي بشر متى بن يونس، ويوحنا بن جيلان.

ومن العاصمة العباسية، قصد دمشق ومكث فيها مدة، ثم إلى مصر، ثم رجع مرة أخرى إلى بغداد، فدمشق التي توفي فيها سنة 950 م.

سخر الفارابي حياته للعلم.
الفارابي سخّر حياته للقراءة والتأليف

هذا التطوّاف الذي نجده في معظم سيّر الأولين من العلماء المسلمين أثر في فكره كثيراً؛ بل إنه أثر في حياته الشخصية، ولعلها هي تلك الحياة من جعلت الفارابي شارداً دائماً للذهن غير متوافق مع محيطه.

الشخصية:-

وقد ساهمت جملة عوامل في بناء هذه الشخصية العبقرية التي وصفت بالتواضع والزُّهد، مع رغبةٍ في الإنزواء عن العامَّة.

  • فقد كان الفارابي كثير التأمُل، ينظر في الموجودات، يسعى للمقاربة والمقارنة بين النظريات الفلسفية والواقع، كما سعى أحياناً للتوفيق بين طروحات أفلاطون وأرسطو، وكذلك ما بين الطرح العقدي والفلسفة، وهو ما تطلب منه وقتاً طويلاً في التأمُّلِ والتفكير.
  • سعى الفارابي لتعليم وتثقيف نفسه بنفسه، متطلِّعاً لتقويم نفسه وأخلاقه، وإعادة شحنها بالطاقات اللازمة لهدايا البشر.
  • كان متقشفاً يحب الطبيعة والمكوث بقربها، فبالرغم من مساعي السلاطين الذين عمل لديهم لإغداق الأموال عليه، إلا أنه كان يحب الفقر، والتقشف، والزهد في الحياة الدنيا، ولم يرضَ من الحياة إلا بمجموعة الكتب التي يقرأها، والكتب التي ألَّفها وأخرجها على الناس.
  • هذا التفرغ والانزواء والتأمل ساعده على خوض غمار التأليف في عدة علوم (الفلسفة، علم الاجتماع، الطب، الموسيقى، الميتا فيزيقيا)، الأمر الذي مكنه من تأليف أكثر من مئة كتاب من بين أهمها “إحصاء العلوم” و”السياسات المدنية” و”آراء أهل المدينة الفاضلة” و”كتاب الموسيقى الكبير” ورسالة “فصوص الحكم” ورسالة “قوانين صياغة الشعر.
  • ميله تجاه الموسيقى وابتكاره لأداة القانون الموسيقية جعله يستغرق كثيراً من وقته في أحضان الطبيعة مستغرقاً في التأمل بها فلسفياً وموسيقياً.

اُشتُهِرَ الفارابي بمحاضراته عن الموسيقى، والقانون ، وهي آلة موسيقية اخترعها بنفسه ليهدِّئ بها الخَوَاطِر كُلَّما أثارتها معارك النِّقاش الحامية الوطيس، ويُنعشها كلَّما دبَّ فيها التعب والمَلَل.. إن اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النَّغَمَ والإيقاع قد قرَّبهُ قابَ قوسين أو أدنى من عِلم اللوغاريتم الذي يكمُن بصورةٍ مصغَّرَةٍ في كتابهِ “عناصر فن الموسيقى”.

— زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب.

تأثير الفارابي:-

فلسفة الفارابي، والتي تعتبر من أهم نظريات الفلسفة في العصور الوسطى، كانت بحق هي الملهمة لما جاء بعده، خاصة ابن سينا، وابن رشد، ثم بعد ذلك فلاسفة أوروبا إبان عصر النهضة.

الفارابي هو أكبر فلاسفة المسلمين، ولم يكُن فيهم من بَلَغَ رتبته في فنونه، والرَّئيس ابن سينا بكتبه تخرَّج وبكلامه انتفَعَ في تصانيفه.

— ابن خلكان صاحب ” وفيات الأعيان “.

وهناك الفيلسوف الفارسي ميرداماد ، صاحب كتاب “قبسات” الذي تأثر بدوره بالفارابي وبفلسفته ووصفه بأنَّه “شريكُنا في التعليم”، وينقل عنه عدة موضوعات.

وقد جاء الفارابي بنظرية الفيض، وحاصلها أنه يقسِّم العالم إلى قسمين، علوي وسُفلي، فاللهُ سبحانه وتعالى باعتباره عقلاً مُطلقاً، هو يتعقَّل بذاته، ويتعقَّل ما يجب به، وعن هذا العقل المطلق، فاض العقل الأول المُفارق، وهو ما يطلق عليه الفارابي اسم الوجود الثاني.

لقد أسس الفارابي العديد من النظريات الملهمة مثل:-

  • النظرية الفلسفية المعرفية، حيث جعل على خلاف العلماء في عصره العلم فوق كل شيء، حتى في سير الكواكب والنجوم، حيث وضع نظرية عدم تحكم الأجرام السماوية في أقدار البشر، فلا يصح مثلاً أن تكون النجوم متحكمّة في أمور السعادة والحزن للبشرية، وأكد أن خلاف ذلك ما هو إلا منطق فاسد.
  • جعل معرفة الإنسان تبدأ منذ الميلاد، فليس صحيحاً أن المعرفة مكتسبة؛ بل أن جزءاً منها فطرية تولد مع ولادة الإنسان ذاته، وكانت هذه الفلسفة الخاصة طفرة بالفعل في عصره، اثبتها فلاسفة وعلماء العصر الحديث.
  • أعظم الأفكار الفلسفية للفارابي هي آراء أهل المدينة الفاضلة، والتي جمع فيها فلسفته، ونظرياته، وفرضياته في علم السياسة، وفلسفتها الخاصة، والأخلاق وفقاً للأحكام الإلهية، لقد كانت تلك الافكار بالفعل جزءًا من نظرته الخاصة للحياة، والحلم الكبير عند أبي نصر هو أن تنضوي القرية تحت لواء المدينة، والمدينةُ تحتَ لواء الأُمَّة، والأُمَّةُ تحت لواء المعمورة، فتتألف دولة عظيمة تشمل الأرض كلها، وفي هذا ما يدل على أنه كان يرجو وصول الإنسان إلى مرتبة من الحضارة تمكِّنه من إيجاد التعاون الوثيق بين الأمم والشُّعوب تحقيقاً لخير الإنسانية وصالحها.

الخُلاصة:-

يبدو أن الفارابي أوغلَ في طرح الأفكار الأخلاقية والمثالية لدرجة جعلته ينأى بنفسه عن الاختلاط بعموم الناس، فلم يقدم على الزَّواج، و لم يُعر للمال أي اعتبار، وهو ما ينسحب على ملذَّات الدُّنيا الأخرى، وهو سلوك تكرر مع عدد كبير من أعلام الفلسفة والمنطق الذين سبقوه أو تبعوه ممن وجدوا أن هناك تبايناً بين ما يطرحون من نظريات ومثاليات، وبين ما هو سائد في مجتمعاتهم والتي كان بعضهم غير قادرٍ على التكيف مع قضاياها أو مع ما تطرحه العامة من موضوعات يترفع الفيلسوف عن الانخراط والخوض فيها.
وهنا يتحدَّث الفارابي في كتابه “تحصيل السعادة” عن مواصفات الفيلسوف الصادق غير الباطل، حيث يتضح مقدار إعلائه من شأن الأخلاق وكبح الشهوات التي تساعد الفيلسوف على أن يكون صادقاً، والتي لربما تدفعه أيضاً –بشكل غير مباشر- نحو اجتناب حياة العامة التي يكسوها طابع ادعاء الفضيلة من دون تطبيقها.
فيقول: “فإنَّ الذي سبيله أن يشرع في النَّظَر ينبغي أن يكون له بالفطرة استعداد للعلوم النظرية؛ وهي الشرائطُ التي ذكرها أفلاطن في كتابه السياسة، وهو أن يكونَ جيد الفهم والتصوُّر للشيء والشيء الذَّاتي، ثمَّ أن يكون حفوظاً وصبوراً على الكدِّ الذي يناله بالتَّعلُّم، وأن يكون بالطَّبعِ مُحبَّاً للصدق وأهله والعدل وأهله، غير جموحٍ ولا لجوجٍ فيما يهواه، وأن يكونَ غير شره على المأكول والمشروب، تهونُ عليه بالطَّبع الشهوات والدِّرهم والدينار وما جانس ذلك، وأن يكون كبير النَّفْسِ عمَّا يشين عند الناس، وأن يكونَ ورِعاً سهل الانقياد للخير والعدل، عَسِر الانقياد للشر والجُور، وأن يكونَ قوي العزيمة على الشيء الصَّواب..، فإن الحدث إذا كان هكذا، ثمَّ شَرَعَ في أن يتعلَّم الفلسفة فتعلَّمَها، أمكن أن لا يصير فيلسوف زُور ولا بَهْرجٍ ولا باطل”.

لكنه ورغم زهده وانزوائه؛ فقد كان يردد طرحه المتمثل بأن الاجتماع ضرورة بشرية لا يمكن الاستغناء عنها، فيقول: ” كلُّ واحدٍ من النَّاس مفطورٌ على أنه محتاجٌ في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته إلى أشياءٍ كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قومٍ يقومُ له كلُّ واحِدٍ منهم بشيءٍ مما يُحتاج إليه”.

اقرأ ايضا ابن ملكا البغدادي .. الطبيب والفيسلوف الأوحد في زمانه

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى