أعلامانفوجرافيكس

المبرد .. إمام أهل النحو في زمانه

ابن مجاهد: "ما رأيت أحسن جواباً من الـمُبَرِّد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم"

اسمه ونشأته:-

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد الأَزْدي البصري، إمام أهل النحو في زمانه، وُلِدَ في البصرة، يوم الإثنين، غداة عيد الأضحى، سنة 210هـ، لُقِّب بالـمُبَرِّد؛ لأنه لما صنف المازني «كتاب الألف واللام»، سأله عن دقيقه وعويصه، فأجابه بأحسن جواب، فقال له المازني: قم فأنت الـمُبَرِّد؛ أي المثبت للحق.

تعرَّض جمال الدين القفطي لاسم المبرد ونشأته، قائلاً ” هو ” محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عُميرة بن حسَّان بن سليمان بن سعد بن عبد الله ابن زيد بن مالك بن الحارث بن عامر بن عبد الله بن بلال بن عوف بن أسلم (وهو ثُمالة) بن أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأسد بن الغوث”، ويضيف ” وعن أبي العباس يزعُم أن ثُمالة عوف بن أسلم”.

سبب تلقيبه بالمبرِّد:-

أمَّا عن سبب تسميته بالمبرِّد؛ فيذكر أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى في كتابه “المقتبس”: ” أن السبب في تلقيبه المبرد أن المبرِّد قال: كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة والمذاكرة، فكرهت ُالذهاب إليه، فدخلتُ على أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني، فجاء رسول الوالي يطلبني، فقال لي أبو حاتم: ادخل في هذا – يعني غِلاف مُزملة فارغ- فدخلتُ فيه، وغطَّى رأسه، ثُمَّ خرج إلى الرسول فقال: ليس هو عندي، فقال: أُخبرتُ أنه دخلَ إليك. قال: فادخل الدار وفتِّشها، فدخل وطاف في كل موضعٍ من الدَّار، ولم يفطن لغلاف المزمّلة، ثم خرج، فجعل أبو حاتم يصفِّق وينادي على المزمّلة: المبرِّد المبرِّد! وتسامع الناس بذلك فلهجوا به.

المبرد
منطقة العشَّار في البصرة – المصدر Baghdad Dar Al Salam على تويتر

مكانته العلمية:-

أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأخذ عنه أبو بكر الصُّولي، ونِفْطَوَيْه، وأبو علي الطُّوماري، وعاصر العالم أحمد بن يحيى الملقَّب بثعلب، وكان الـمُبَرِّد يحب الاجتماع في المناظرة بثعلب والاستكثار منه، وثعلب يكره ذلك ويمتنع منه؛ لأن الـمُبَرِّد حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وثعلب مذهبه مذهب المعلمين، فإذا اجتمعا في محفل، حكم للـمُبَرِّد على الظاهر إلى أن يعرف الباطن.

قرأ كتاب سيبويه على الجرمي، ثم لمَّا توفي الأخير، فابتدأ قراءته على المازني، وقيل: سمع أبو العباس “الكتاب” على الجرمي، وعمله على المازني.

 وتصدَّر للاشتغال ببغداد، وكان وسيماً، مليحَ الصورة، فصيحاً، مفوَّهاً، أخباريّاً، علّامةً، ثقةً فيما يرويه، فيه ظرافة ولباقة، وكان له شعر جيِّد كثير لا يدَّعيه ولا يفخر به؛ منه هذه الأبيات التي قالها عندما بلغه أن ثعلباً نال منه:

رُبَّ مَــــنْ يَــعْنِيــــهِ حـــالــــي .. وهُـــــــو لا يـجري ببـــــــالي

قلبُـــــــــهُ مــلآنُ مِنِّـــــي .. وفـــــــــؤادي مِنْــهُ خالي

سماته الشخصية والعلمية:-

كان المبرد غزير الأدب، كثير الحفظ، حسن الإشارة، فصيح اللسان، بارع البيان، ملوكي المجالسة، كريم العشرة، بليغ المكاتبة، حلو المخاطبة.

واتسم أيضاً بجودة الخط، وصحة القريحة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق، على ما ليس عليه أحد ممن تقدَّمه أو تأخر عنه.

لكن الـمُبَرِّد كان ممسكاً بخيلاً، يقول عن نفسه: “ما وزنتُ شيئاً بالدرهم إلا رجح الدرهم في نفسي”، هذا مع السِّعة التي كان فيها، وكان ثعلب أشد منه في الاستمساك، وكان المبرِّد يصرِّح بالطلب، وثعلب يُعرِضُ ويلوِّح.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال أبو بكر بن مجاهد: “ما رأيت أحسن جواباً من الـمُبَرِّد في معاني القرآن فيما ليس فيه قول لمتقدم”.
  • وقال نِفْطَوَيْه: “ما رأيت أحفظ للأخبار بغير أسانيد من الـمُبَرِّد وأبي العباس ابن الفرات”.
  • يقول عنه الأزهري في مقدمة معجمه “تهذيب اللغة”: “كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه”.
  • قال عنه ابن جنّي: “يُعدُّ جيلاً في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا البصريين، وهو الذي نقلها وقرَّرها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها”.
  • وقال عنه القِفْطي: “كان أبو العباس محمد بن يزيد من العلم، وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وبراعة البيان، وملوكية المجالسة، وكرم العِشْرة، وبلاغة المكاتبة، وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط، وصحة القريحة، وقرب الإفهام، ووضوح الشرح، وعذوبة المنطق؛ على ما ليس عليه أحد ممن تقدَّمه أو تأخَّر عنه”.
الوزير الأكرم جمال الدين القفطي (568هـ -646هـ)، كان القفطي صدراً محتشماً، جمَّاعا للكتب، لا يحب من الدنيا سواها، ولم يكن له دار ولا زوجة
الوزير الأكرم جمال الدين القفطي (568هـ -646هـ)، كان القفطي صدراً محتشماً، جمَّاعا للكتب، لا يحب من الدنيا سواها، ولم يكن له داراً ولا زوجة
  • قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: “لم يَرَ أبو العباس مِثل نفسهِ ممن كان قرينَه، ولا يُرى بعده مثله”.
  • وقال كل من سهل بن أبي البهزي وإبراهيم بن محمد المسمعي: ” رأينا محمد بن يزيد وهو حَدَث السَّن، متصدِّراً في حلقة أبي عثمان المازني، يقرأ عليه كتاب “سيبويه”؛ وأبو عثمان في تلك الحلقة كأحد من فيها”.
  • قال اليوسفي الكاتب: ” كنتُ يوماً عند أبي حاتم السجستاني، إذ أتاه شابٌ من أهل نيسابور، فقال: با أبا حاتم إني قدِمت بلدكم، وهو بلدُ العلم والعلماء، وأنتَ شيخُ هذه المدينة، وقد أحببتُ أن أقرأ عليك كتاب “سيبويه”. فقال: الدين النصيحة، إن أردتَ أن تنتفع بما تقرؤه فاقرأ على هذا الغلام، محمد بن يزيد، فتعجبتُ لذلك”.

مناظرة الـمُبَرِّد مع ثعلب:-

جرت بين المبرد وثعلب النحوي سلسلة مناظرات، نأتي على ذكر إحداها.

فقد اختلفا في حضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين، الذي كان يمضي جُلَّ وقته في البحث العلمي، وكان من بين الذين يهوون المناظرات، فكثر ما جمعَ لها بين علماء الفريقين: البصري والكوفي، في قول إمرئ القيس:

لــــــها متنتان خظاتــا كمــــا ..

أَكـــــــبَّ على سـاعديه النمِر

فقال ثعلب: إنه خظتا كما يقال: غزتا، إلا أنه رد الألف التي كانت ساقطة في الواحد لتاء التأنيث الساكنة لما تحرَّكت التاء لأجل ألف التثنية، ومسوِّغ ذلك ضرورة النظم.

فقال المبرد: إنه خظاتان فحذف نون المثنى للإضافة إلى “كما”.

إذا، فإن ثعلب يرى بأن أن الكلمة فعل وأن الألف الثانية فيها اسم، والمبرِّد يخالفه في الأمرين، فالكلمة اسم والألف الثانية حرف علامة المثنى.

أما الألف الأولى عندهما؛ فهي لام الكلمة سواء أكانت فعلاً كما يرى ثعلب أم اسماً كما يعتقد المبرد.

لازم المبرد ثعلب النحوي زماناً وأكثر من الأخذ عنه؛ حتى نسب إليه ولقب (غلام ثعلب)
ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو

ولمَّا طال جدالهما وتلاحيهما بحضرة الأمير؛ قال ثعلب للأمير: أيصحُ أن يقال: مررتُ بالزيدين ظريفي عمرو؟ فيضاف نعت الشيء إلى غيره، فقال: لا والله ما يقال هذا، ثم التفت إلى المبرٍّد فأمسك ولم يقُل شيئاً، ثم قام من المجلس وقد بدت عليه علامات القهر. وهنا علَّق القفطي قائلاً: ” قال البصريون والقول ما قاله المبرِّد، وإنما ترك الجواب أدباً مع محمد بن عبد الله بن طاهر، لما تعجَّل اليمين وحلف: لا يُقال هذا”.

نفس البيت الذي ينسب إلى امرئ القيس، كان من قبل محطةً للمناظرة ما بين الفراء والكسائي.

تلاميذ الـمُبَرِّد:-

  • ابن السرَّاج : والذي كان أحدث تلاميذ المبرِّد سنَّاً مع ذكائه الفائق وحدة ذهنه، والذي تحول إلى حلقات الزجَّاج بعد وفاة المبرِّد.
  • الزجَّاج : والذي يدين للمبرِّد بالفضل فيما وصل إليه، خصوصاً بعد أن أصبح مطلوباً لتنشئة أبناء الأمراء مقابل المال، لكن الزجَّاج كان يخالف جمهور البصريين في مسائل نحوية وصرفية كثيرة.
  • أحمد بن محمد أبو بكر الخياط: قدم بغداد ومات فيها وأخذ عن المبرِّد وله تصنيفٌ حَسَن، وكان يخلط بين المذهبين البصري والكوفي.
  • محمد بن أحمد بن كيسان أبو الحسن النحوي: كان يحفظ مذهب البصريين في النحو والكوفيين كذلك، ذلك لأنه أخذ عن المبرِّد وثعلب، ومزج النحويين، وأخذ من كل واحد منهما ما غلب على ظنِّه صحته.
  • محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر العسكري المشهور بمبرمان: أخذ عن المبرد وأكثر من بعده عن الزجَّاج، وكان قيماً بالنحو، وكان ضنيناً بالأخذ عنه، لا يُقرئ كتاب سيبويه إلا بمائة دينار.
  • أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح الصفَّار: كان ثقة عالماً بالنحو والغريب، أخذ عن المبرِّد وصحبه.
  • إبراهيم بن محمد الكِلابزي: كان متقدماً في النحو على مذهب البصريين واللغة، أخذ عن المازني والمبرِّد، وولي قضاء الشام.
أبو إسحاق الزَّجَّاج هو إبراهيم بن محمد بن السَّري بن سهل، وُلد بمدينة بغداد سنة241هـ، وتوفي فيها 311هـ، الزجاج عالم بالنحو واللغة، لزم المبرد وثعلب النحوي
الزجَّاج أحد أشهر تلاميذ المبرِّد

كتب المبرد:-

له الكثير من الكتب؛ منها:

  1. الكامل في اللغة والأدب.
  2. المقتضب، في النحو.
  3. الروضة.
  4. المدخل في كتاب سيبويه.
  5. الاشتقاق.
  6. المقصور والممدود.
  7. المذكر والمؤنث.
  8. معاني القرآن.
  9. الخط والهجاء.
  10. الأنواء والأزمنة.
  11. قواعد الشعر.
  12. إعراب القرآن.
  13. الحث على الأدب والصدق.

وفاة الـمُبَرِّد:-

توفي ببغداد سنة 286هـ، ليلة الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة، وله تسع وسبعون عاماً، وذلك في عهد خلافة المعتضد، وصلى عليه أبو محمد يوسف بن يعقوب القاضي، ودفن في مقابر الكوفة من الجانب الغربي بمدينة السلام، ورثاه ثعلب النحوي بهذه الأبيات:

ذهَبَ الـمُــبَرِّد وانقضَتْ أيَّامُه .. وليــذهــبنَّ إثرَ الـمُــبَرِّد ثعلـــبُ

بيتٌ مِـنَ الآدابِ أضحى نصفُــه .. خربـــاً وباقي النِّصفِ منه سيخربُ

فـابكـوا لـِمَّــا ســَلـبَ الـزَّمــانُ .. ووطِّنــوا للدَّهر أنفسَكُم على ما يسلبُ

قال عبد الله بن سعد القُطربلُّي في تاريخه: ” ماتَ أبو العباس المبرد يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين، وله تسعٌ وسبعون سنة، ودُفِنَ في مقابل باب الكوفة في دارٍ اُشتريت له”.

بغداد التي كانت موئلاً للعلماء

المصادر:

  • الأعلام (7/144).
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة (3/241/رقم 735).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/356).
  • طبقات النحويين واللغويين (101/رقم 36).
  • معجم الأدباء (6/2678/رقم 1135).
  • النحو النحاة، المدارس والخصائص، خضر موسى حمود.
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى