نوادر العرب

العنقاء .. الأسطورة التي تسللت للتراث العربي

يقولون في الأمثال :"طارت بهم العنقاء"، "حلقت بهم العنقاء المغرب" كناية عن ما يئس منه

العنقاء نسج الخيال منها طائرًا أسطوريًا، وتغنت به الشعراء، وأصبح مضرب الأمثال، فتُرى ما هي؟ وما قصتها مع سيدنا النبي سليمان عليه السلام؟ وما صحة تلك القصة؟

ما هو طائر العنقاء؟

كما وردت في المعجم:

جاء في لسان العرب لابن منظور( توفي سنة 133م)، أن العنقاء طائر ضخم ليس بالعقاب، وقيل: بل هي العقاب، وقيل هي طائر لم يبقَ في أيدي الناس من صفتها غير اسمها، وتأنيث كلمة عنقاء للفظ.

العنقاء المُغْرِب:-

يرى البعض أنه لا أصل لكلمة عنقاء مُغرب، وقيل بل لها أصل، فهي طائر عظيم لا يرى إلا في الدهور، ولذا سموا الداهية عنقاء مغرب أو مغربة، ومن ذلك قول الشاعر :

ولولا سليمان الخليفة، حلقت ..

به من يد الحجاج عنقاء مغرب

وقال النحوي الكبير أبو إسحاق الزجَّاج ( توفي سنة 923 م): العنقاء المغرب طائر لم يره أحد، وقيل في قوله تعالى:”طيرًا أبابيل” هي عنقاء مغربة.

أبو إسحاق الزَّجَّاج هو إبراهيم بن محمد بن السَّري بن سهل، وُلد بمدينة بغداد سنة241هـ، وتوفي فيها 311هـ، الزجاج عالم بالنحو واللغة، لزم الـمبرد وثعلب النحوي
الزجَّاج.. النحوي الكبير

وقيل سُميت بالمغرب؛ لأنها إذا أخذت شيئًا غربت به.

وقيل لأنها تطلع من مغرب الشمس.

في الأمثال:-

يقولون في الأمثال :”طارت بهم العنقاء”، “حلقت بهم العنقاء المغرب” كناية عن ما يئس منه.

أساطير العنقاء:-

كثيرة هي القصص والأساطير التي كانت العنقاء إحدى أبطالها، أو إحدى الشخصيات الرئيسية فيها، وسنذكر اليوم أهم أساطير منها:

مع خالد بن سنان العبسي:-

شكلها كما ورد في تلك الأسطورة:

طائر خلقه الله في الزمان الأول من أحسن الطير، وجمع فيه وجوه الحسن، فجعل وجهه على مثل وجوه الناس، وأجنحته كل لون حسن من الريش، وخلق له أربع أجنحة من كل جانب، وخلق له يدين فيها مخالب، ومنقار مثل منقار العقاب.

العنقاء - الرواية التاريخية ذات طابع أسطوري
الرواية التاريخية ذات طابع أسطوري

قطع نسل العنقاء:-

أوحى الله إلى موسى عليه السلام أنه خلق طائرًا عجيبًا وآنس به موسى عليه السلام ليكون مما تفضل به على بني إسرائيل.

وتناسلت العنقاء حتى كثر نسلها، فلما أدخل الله موسى وقومه في التيه، ومكثوا فيه أربعين سنة، ومات موسى وهارون فيه، حتى أخرجهم الله من التيه مع يوشع بن نون تلميذ موسى، فانتقل ذلك الطائر فوقع بنجد والحجاز، وظل هناك يأكل الصبيان والوحوش، فلما ضاقت الناس ذرعًا اشتكوا إلى نبي لهم اسمه خالد بن سنان، فدعا الله أن يقطع نسلها، فقطعه، وبقيت حكايتها تتناقلها الأجيال.

الرواية في ميزان النقد:-

تعد هذه الرواية من أقدم الروايات، فهي مروية عن ابن عباس والذي يرفعها لخالد بن سنان.

وإذا تأملنا الأسماء والأعلام المذكورة  والتفاصيل، سنجد أن هذه الرواية ذات أصول إسرائيلية.

مع حنظلة بن صفوان:-

يرى القصاص المسلمون أن حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرس الوارد ذكره في القرآن الكريم، وأن العنقاء كانت في زمانه، وكانت من أعظم الطيور، وسموها كذلك لطول عنقها، وكانت تعيش أعلى جبل، وتأكل الطير، وذات مرة جاعت فلم تجد ما تأكله فانقضت على صبي، وغربت به، لذا سموها عنقاء مغرب، ثم لما جاعت مرة أخرى أخذت جارية.

فشكوا إلى نبيهم فدعا الله أن يقطع نسلها، فاستجاب الله له فلم تُرَ.

وهناك خلاف حول موضع أصحاب الرس (البئر)، فالبعض ينسبهم إلى أهل مدين والبعض الآخر إلى قوم ثمود، كانوا يعبدون شجرة الصنوبر.

القصة مع النبي سليمان:-

بينما كانت الطيور في مجلس سليمان عليه السلام، تكلمت عن القدر، وأن الإنسان لا يستطيع الفرار من قضاء الله، ولكن العنقاء خالفتهم الرأي، وقالت إنها تستطيع تغيير القدر!

فقال لها سليمان :”أفلا أخبرك بشيء عجيب، إنه الليلة يولد غلام بالمغرب وجارية بالمشرق من أبناء الملوك يجتمعان في أمنع المواضع على جزيرة فيتزوجان، فسألت العنقاء عن اسمهما ومكانهما، وقالت إنها ستفرق بينهما، وأشهد عليها سليمان عليه السلام الطيور وكفلتها البومة”.

أسطورة مخلوق العنقاء لم تقتصر على العرب لوحدهم
أسطورة لم تقتصر على العرب لوحدهم

ثم خطفت العنقاء الفتاة، وصارت تعتني بها وتحضر لها صنوف الطعام والشراب، ولما كبر الفتى وصار في عمر الرجال، وكان ولعًا بالصيد، طلب من أبيه أن يذهب في رحلة للصيد في البحر، لأنه مليء بالعجائب والكنوز، فجهز له سفينة، لينطلق في رحلته.

 فتحطمت سفينته عند مكان الفتاة، فلما رآه قرر الزواج منها، وأخبرته أنها لا تعرف سوى أمها العنقاء، وأن أمها تذهب في الصباح لسليمان عليه السلام.

فبلغ سليمان من الريح أنهما تزوجا، فبينما العنقاء في مجلسه إذ سألها عن الفتاة والفتى، فقالت له إنها منعتهما من الاجتماع والفتاة في مكان ما.

فأذهب معها الطير ليتحققوا من كلامها، فوجدوا أن الفتى مع الفتاة، وأن العنقاء لم تستطع الوفاء بما قالت.

 فطارت نحو المغرب، وقالت: إنها لن ترجع استحياء من أن يراها الطير.

وأما البومة؛ فلم تخرج بالنهار حتى لا توبخها الطيور، على تكفلها بالعنقاء.

قطعة ذهبية مرسوم عليها العنقاء
قطعة ذهبية مرسوم عليها العنقاء تعود للقرن السابع الميلادي من آسيا الوسطى – متحف الميتروبوليتان

القصة في ميزان النقد:-

وهذا القصة مروية عن أبي محمد عبد الله بن حامد بإسناده لمحمد بن جعفر الصادق، ولا يمكن الجزم بصحتها، ومهما يكن فإن هذه القصة ألهمت الكُتاب والقصاص لقرون، ووجدوا فيها مادة أدبية غزيرة، صاغوا بها مختلف القصص.

ولا تزال العنقاء إلى يومنا هذا موجودة في قصص الأطفال مثل السندباد، وفي الأساطير، وغيرها من الحكايات.

العنقاء ضمن التراث الصيني
ضمن التراث الصيني – الميتروبوليتانبين القرنين العاشر والثاني عشر الميلادي

الفراهيدي يتناول الاسم وأفعاله في “العين”:-

تناولَ الخليل بن أحمد الفراهيدي مُفردة العنقاء في كتابه الجليل “العين”.

وقال الفراهيدي : وهي طائرٌ لم يبقَ في أيدي الناس من صِفتها غير اسمها، ويقال: بل سُمِّيت لبياضٍ في عنقها كالطَّوق وقال:

إذا ما ابنُ عبد الله خلَّى مكانه.. فقد حلَّقت بالجُودِ عنقاء مُغرِبُ

كما قال الفراهيدي : والعنقاءُ: الداهيةُ و هي أيضاً اسم مَلَكٍ، قال :

وَلَدنا بني العَنقاء وابنى مُحرَّقٍ.. فأكرِم بنا خالاً وأكرِم بنا أبنَما

 كما يقال: واعتنَقَت الدابَّةُ: إذا وقَعَت في الوَحّلِ، فأخرَجَت أعناقها.

والأعنَقُ: الطَويل العُنُق، والأعنَق: الكَلبُ الذي في عُنقِه بياضٌ كالطَّوق.

الفراهيدي.. مؤسس علم العروض
الفراهيدي.. مؤسس علم العروض

وُصِف الفراهيديُ (100- 174 هجري) بـ(الزاهد) لتقشُّفه وتواضعه، اشتهر بكونه واضع علم العَروض، حيث أن تبحُّره بالشعر والموسيقى هو من ساعده بإحداث هذا العلم.

المصادر:-

  • لسان العرب لابن منظور، الجزء العاشر، ص 305، طبعة دار صادر بيروت
  • موسوعة أساطير العرب، عن الجاهلية ودلالاتها الجزء الأول، ص 336 : 339 ، دار الفارابي، الطبعة الأولى.
  • قصص الأنبياء (عرائس المجالس) ص 236:239 .
  • كتاب العين للفراهيدي.
  • متحف الميتروبوليتان.
Image by Mystic Art Design from Pixabay 

https://medium.com/thethursdaythought/the-phoenix-must-first-burn-to-emerge-phoenix-businesses-phoenix-life-963493b33d83

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى