معلومات تاريخية

العمارة الإسلامية .. إبداع لم يعرف للحدود سبيلا

ترك العباسيون بصمتهم الدامغة على العمارة الإسلامية، وذلك عبر إدخال أساليب مميزة على تشكيل القبب والمآذن الإسلامية والأموية أيضاً

توطئة:-

لا تتجسد العمارة الإسلامية بمجموعة من المساجد والمباني القديمة التاريخية فحسب، بل هي تعتبر إحدى أشهر المدارس المعمارية وأكثرها تعقيداً، ففيها أساليب خاضت تطوراً استمر لمدة ألف وأربعمئة سنة تخللها تراكمات وخبرات مختلفة، ساهمت في إثراء هذه العمارة ذات الروعة الفائقة.

لا بد تمييز الأنواع المتباينة لأساليب العمارة الإسلامية تبعاً لاختلاف المناطق، الدول والثقافات المتعددة التي أثَّرت على أنماط هذه العمارة ومقدار انتشارها، وذلك كله في سبيل السعي لتقديم تبسيط لتعقيدات هذه العمارة المهيبة.

أهم نماذج العمارة الإسلامية المتفردة:

الطراز الإسلامي القديم:

تكمن عظمة الدين الإسلامي في تعاليمه، فهو مزيج بين البساطة والزهد مع الصرامة، كما أنه مفهوم تراه منعكساً بشكل كبير على نمط العمارة التي بدأت خطواتها الأولى في بدايات انتشار الدين الحنيف، وأبرز الأمثلة عليها هو مسجد قباء، وبالطبع المسجد النبوي في المدينة المنورة في شكله الأول قبل أن تجري عليه التعديلات الجديدة، فهو يظهر دون أي تكلف.. لكنه يعكس البساطة الإسلامية مع الشعور بالرهبة والهيبة والوقار في قلب ناظره.

المسجد النبوي يعكس العمارة الإسلامية
المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة

الطراز الأموي في العمارة الإسلامية:-

قبل حصول فترة الفتوحات الإسلامية؛ كانت المناطق الواقعة في محيط حوض البحر الأبيض المتوسط، تحديداً بلاد الشام؛ تعتبر جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، وكانت الديانة المنتشرة حينذاك هي المسيحية.

ومع انتقال مركز الخلافة الإسلامية إلى قلب بلاد الشام؛ نجد أن العمارة الإسلامية الأموية تأثرت بشكل كبير بالأنماط المسيحية القائمة في هذه البلاد، وهو ما يظهر بشكل جلي في عمارة المسجد الأموي الواقع في دمشق.

وصف ابن جبير للمسجد النبوي

الجدير بالذكر أنه خلال تلك الفترة من حياة الإسلام؛ تم إعادة بناء المسجد الأقصى بالإضافة إلى مسجد قبة الصخرة بطريقة متأثرة بنمط العمارة المسيحية، فقد تم إضافة القباب والمآذن بالإضافة إلى تزيينها بالبلاط والزخارف الإسلامية لتمزج بين الأسلوبين المسيحي والإسلامي بشكل غير مسبوق، وأبرز ما تم إضافته إلى هذا المزيج هو نقش وكتابة النصوص القرآنية.

ابن بطوطة يصف مسجد قبة الصخرة
ابن بطوطة يصف مسجد قبة الصخرة في مدينة القدس الشريف

طراز العمارة العباسية:

ترك العباسيون بصمتهم الدامغة على العمارة الإسلامية، وذلك عبر إدخال أساليب مميزة على تشكيل القبب والمآذن الإسلامية والأموية أيضاً، حيث يقوم الطراز العباسي على إضافة الأعمدة وتزيين القبب وجعلها كبيرة، بحجم تلك التي تجدها في المساجد الكبرى.

مسجد سامراء يدل على العمارة الإسلامية
مسجد سامراء كان بمثابة الأعجوبة

يمكن أن نعتبر أفضل أمثلة على الطراز العباسي في العمارة الإسلامية؛ مسجد سامراء، مسجد الرقة ومسجد أبو دلف في العراق، يضاف إليها مسجد ابن طولون في مصر وهذا المسجد الأخير تم بناءه في سنة (256 هـ الموافقة لـ 878م) وذلك خلال عهد أمير مصر العباسي أحمد بن طولون الذي قام بعد فترة من حكمه بإعلان قيام الدولة الطولونية.

العمارة الإسلامية - المسجد الطولوني
المسجد الطولوني في القاهرة

وصَفَ الرحَّالة ابن جبير الأندلسي (المتوفَّى عام 1217م)، مسجِد ابن طولون وذلك أثناءَ زيارتهِ لمصر.

وقال في كتابِ رِحلة ابن جبير: “وبين مصر والقاهرة المسجدُ الكبير المنسوبُ إلى أبي العباس أحمد بن طولون، وهوَ من الجوامِع العتيقة الأنيقة الصَنعة الواسِعةِ البُنيان، جعلهُ السُّلطانُ مأوىً للغرباءِ من المَغاربة يسكنونهُ ويُحلِّقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاقَ كُلَّ شهر، ومن أعجبِ ما حدَّثنا به أحد المُتخصصِّين منهم أن السُّلطانَ جَعَلَ أحكامهم إليهم ولم يجعل يداً لأحد عليهم..”.

الطراز المغربي والأندلسي في العمارة الإسلامية:

للوهلة الأولى؛ ستجد أن نمط العمارة المغربية والأندلسية تميل لتشبه نظيرتها في بلاد الشام وخاصة في دمشق، فهو طراز تأثر بها نوعاً ما وخاصة عقب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس وتناقل السلطة بين الأسر المهدية ثم الناصرية في المغرب ونقل العاصمة منها نحو الأندلس، حيث تم إضافة عناصر معمارية جديدة ساعدت على ازدهار كل من العمارة الأموية، المغربية، الأندلسية، إذ أفضى تمازجها إلى ظهور نمط بناء جديد كلياً.

العمارة الإسلامية
ابن بطوطة يصف مراكش وتميز معمارها

من أنماط العمارة المذكورة؛ تشكل لدينا توليفة معمارية ساحرة نجدها اليوم في العمارة الإسلامية القديمة في مدينة مراكش بالمغرب الأقصى، وذلك بالتناظر مع الطرف الآخر من حوض المتوسط في الأندلس، ولا شك بأن قصر الحمراء في قرطبة يعتبر أبرز الأمثلة على هذه العمارة.

قصر الحمراء - العمارة الإسلامية
قصر الحمراء.. الأعجوبة الحية

الطراز الفاطمي في العمارة الإسلامية “العبيدي”:-

تميزت العمارة في منطقة شمال إفريقيا خلال فترة حكم الفاطميين الأولى ببساطتها، وخاصة كونها تأثرت ببساطة عمارة الأمازيغ مقارنة مع نظيرتها المغربية والأندلسية المجاورة لها، ولعل أفضل مثال يذكر عنها هو مسجد المهدية الذي تم تشييده في عاصمة الدولة الفاطمية آنذاك ( في تونس حالياً).

ابن حوقل يتحدث عن المدينة المهدية - العمارة الإسلامية
الجغرافي والرحالة الشهير ابن حوقل يتحدث عن مدينة المهدية التي كانت مقراً للفاطميين

ومع توسع الدولة الفاطمية وانتقال عاصمتها إلى مصر والبدء في إنشاء عاصمتها القاهرة؛ أخذ أسلوب العمارة الفاطمي بالتطور والتغير بشكل جذري، حيث تلاشت البساطة الناتجة عن تأثير قبائل الأمازيغ عليها، ليظهر تأثير العمارة المصرية بتوسع ظاهر في حجم المساجد.

فنجد اليوم أن الفاطميين قد شيدوا أكبر مساجد مصر، وأول ما بنوه هو جامع الأزهر، مسجد الحاكم بأمر الله، وليس آخرها مسجد الصالح.

الجامع الأزهر في قلب القاهرة
الجامع الأزهر في قلب القاهرة

هذه المساجد التي ذكرناها؛ كانت مراكزا للصلاة، فضلا عن اعتبارها مقراً لحلقات العلم والاجتماع تعكس الجانب الإجتماعي للدولة الفاطمية والذي ما زال أثره ممتداً إلى اليوم.

الطراز الأيوبي في العمارة الإسلامية:-

يمكن لنا أن نستنتج اليوم بأن النمط الأيوبي في البناء كان قد تغلغلت فيه روح التحصين والتجهيز للحرب، فمعظم المنشآت التي تم تشييدها في حقبة الحكم الأيوبي الإسلامي كانت ذات حصون ودفاعات واضحة، فمن بناء القصور إلى القلاع المحصنة والأسوار الضخمة المحيطة بالمدن مع كل عمليات التأهيل والتجديد التي قاموا بها، ولا ننسى أن الطراز الأيوبي في البناء اُستُعمل في بناء الأضرحة، المساجد وحتى دور العلم التي لم يتردد الصليبيون أبداً في تدميرها.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

ويمكن الاستشهاد بالعمارة الأيوبية الباقية آثارها إلى اليوم، ومن ذلك قلعة حلب الشهباء وقلعة صلاح الدين في القاهرة، بالإضافة إلى قلعة الجبل وأبنية المدارس الدينية التي انتشرت في عصر دولتهم في مصر.

مسجد الشاه في مدينة أصفهان (أصبهان) الشهيرة بمعمارها
قلعة صلاح الدين في القاهرة

الطراز الصفوي في العمارة الإسلامية:

في الحقيقة؛ تعتبر العمارة الصفوية لوحات مليئة بالألوان والفخامة، فهو النمط الإسلامي الذي تأثر بالحضارتين الفارسية والمغولية وخاصة في طريقة بناء القبب والمآذن، والأهم من ذلك هو التزيين والزخارف.

مسجد الشاه في مدينة أصفهان (أصبهان) الشهيرة بمعمارها
مسجد الشاه في مدينة أصفهان (أصبهان) الشهيرة بمعمارها

يضاف لها الاهتمام بالديكورات الداخلية وبشكل أكثر خصوصية تزيين السقف والأعمدة الرخامية.

لا يمكن أن نفكر بمثال أكثر تجسيداً للعمارة الصفوية من مدرسة الشاه ومسجد الشاه المتجاورين في مدينة أصفهان الإيرانية.

روعة المعمار في مساجد ومعالم أصفهان
روعة المعمار في مساجد ومعالم أصفهان

طراز الباشتو الأفغاني في العمارة الإسلامية:

لا بد من الوقوف عند نمط الباشتو في العمارة، فهو مزيج واضح بين البساطة والموهبة الفطرية بالبناء التي منحها الله للأفغان، وعلى وجه الخصوص هبة البنائين من قبائل البشتون.

مزار الشريف.. التحف المعمارية الأيقونية

يتميز هذا النمط بالبراعة في إدخال فن الفسيفساء والمنمنمات إلى المساجد، ومن أشهر الأمثلة عن هذا النوع من العمارة هو المسجد الأزرق، وهو التحفة المعمارية لمدينة مزار شريف الأفغانية، ففيه نلاحظ لمسات من العمارة الصفوية من حيث رفع المآذن، كما أن شكل المداخل يوحي بفن العمارة الهندية المنغولية.

أفكار هندسية في بناء المسجد
أفكار هندسية خلافة في بناء المسجد (مدينة مزار شريف)

الطراز العثماني في العمارة الإسلامية:

من المرجح أن تكون المساجد العثمانية هي الأشهر في سحرها ، نظراً لأن نمط تشكيل القبب والمآذن متأثر بالسلالة السلجوقية وأساليب عمارتها، بالإضافة إلى تنوع مصادر وحي مشيديها من الحقبات الإسلامية التي سبقتها، ولكن نجد أن الفرق المميز للطراز العثماني في بناء المساجد يتمثل داخلها وليس في واجهاتها فقط.

مسجد السطان أحمد
مسجد السلطان أحمد في مدينة إسطنبول – العام 1880 م

هذا التميز نتج عن موضع مركز الحكم العثماني القريب من أوروبا، حيث تم محاكاة نمط الكنائس والكاتدرائيات الأوروبية المسيحية مهيب للمساجد، دون نسيان الإضافة العثمانية المتمكنة من فنون النجارة وتطويع المعادن.

وأفضل الأمثلة عن الطراز العثماني هو مسجد السلطان أحمد، وبالطبع مسجد السليمانية.

المصادر:-

https://www.ierek.com/news/index.php/2017/08/19/islamic-architecture-through-the– ages/

رحلة ابن جبير.

Image by Abdullah Shakoor from Pixabay 
Image by lapping from Pixabay 
Image by Khusen Rustamov from Pixabay 
الوسوم

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق