اختراعاتمعلومات تاريخية

العصر العباسي يشهد بدء انفصال علم الصيدلة عن الطب

أول صيدلية افتُتِحت في التاريخ كانت في المدرسة المستنصرية في بغداد

بزغ نجم علم الصيدلة في العصر العباسي، وتطور سريعاً في عهد الخليفة هارون الرشيد ونجله المأمون؛ وهذا عائد إلى التوسع الهائل في ترجمة العلوم اليونانية والهندية إلى اللغة العربية وذلك ضمن مؤسسة بيت الحكمة.

وقد مرَّ علم الصيدلة في العصر العباسي بعدة مراحل متتالية؛ بدأت بمرحلة الترجمة التي تم من خلالها نقل متون الكتب القديمة المتخصصة في هذا المضمار؛ كمؤلفات أبقراط وجالينوس اليونانييّن إلى جانب الكتب الفارسية والهندية، ثم مرحلة التلخيص والشرح، وصولاً إلى مرحلة الكشف والابتكار.

 كتاب ديسقوريدس - علم الصيدلة في العصر العباسي
كتاب ديسقوريدس في موادّ العلاج

وكان الصيادلة في بغداد – عاصمة الخلافة – ومحيطها؛ يقدمون أسماء النباتات الطبية باللغة العربية وما يقابلها من اللغات المتداولة في ذلك الحين، كما أن قوائم الصيادلة الطبية كانت تتضمن نصوصاً تستعرض الحالات المرضية وما يتطلبه علاجها من أدوية، كما أنها تضمنت شروحات حول طرق تحضير الأدوية.

وكما كان العراق في العهد الإسلامي هو الموضع الأبرز الذي تكفَّل بإحداث طفرة نوعية على صعيد علم الصيدلة وبالتالي نيله هويته الخاصة؛ فإن هذه البلاد كانت أيضاً أول من شرع تاريخياً في ابتكار هذا العلم بشكل يسبق حضارات الصين والهند واليونان وحتى مصر.

فقد عُثِرَ على لوحة صلصالية سومرية تعود للعام 2000 قبل الميلاد، اعتُبِرت من قبل الباحثين والمختصين بمثابة أول وثيقة مكتوبة أو سِجل رسمي لاستعمال الأدوية، وذلك من خلال تضمينها 12 وصفة طبية، ثم تطورت هذه المهنة على المستوى العالمي، حيث عُثِرَ في مصر على قرطاس يعود للعام 1500 قبل الميلاد ويحتوي على زُهاء 700 وصفة علاجية، قبل أن تنطلق هذه الصناعة صوب آفاق أرحب وذلك مع تدشين الرومان لأول صيدلية مثَّلت نواة الفلسفة التي تقوم عليها الصيدليات في وقتنا المعاصر.

أعلام بارزة:-

واشتُهِرَ الكثير من علماء الصيدلة في العصر العباسي؛ ومن هؤلاء ماسويه المارديني (ت 406هـ / 1015 م) المتخصص في الطب والصيدلة والنباتات الطبية، وكان كتابه “في العقاقير” وكتابه “كتاب المادة الطبية” من أوائل المؤلفات التي ترجمت إلى اللاتينية، وقد ذكر المؤرِّخ الأوروبي إدوارد ثيودور ولنكتون في كتابه “تاريخ الطب منذ العصور القديمة” أن كتاب “العقاقير” هو أقدم دستور للأدوية.

الصيغة الطبية لأمين الدولة أبو الحسن هبة الله بن صاعد المعروف باسم ابن التلميذ

ومن الصيادلة البارزين في العصر العباسي؛ سابور بن سهل الكوسج، (ت 255هـ)، والذي ألَّف كتاب “الأقرباذين” وذكر فيه الأدوية مرتبة حسب أشكالها الصيدلانية؛ وهي: الأقراص، والحبوب، والأشربة، والمراهم، والحقن، وأدوية الرعاف، وما يدر العرق وما يحبسه، وغير ذلك، ومن هؤلاء أيضاً الفيلسوف الموسوعي أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 260 هجرية) والذي يعد أحد أشهر مفكري العصر العباسي، وهو الذي ألَّف كتاب “الغذاء والدواء المهلك” وكتاب “الأدوية الشافية من الروائح المؤذية” و”الأدوية المركبة”، وغيرها الكثير.

استقلالية علم الصيدلة:-

كان العصر العباسي بمثابة النواة التي شهدت بدء عصر انفصال علم الصيدلة عن الطب، واستقلاله ليكون علماً مستقلاً قائماً بذاته، ومنذ ذلك الحين؛ أخذ علم الصيدلة بالتطور بفضل حشد الخبرات وجمع وتدوين المعلومات وتطويرها، وأول صيدلية افتُتِحت آنذاك كانت في حرم المدرسة المستنصرية في بغداد، حيث أُفرِدَت حجرة في المدرسة للأدوية، وكان الطبيب يكتب الدواء على الورق ويقوم الكيميائيون بتجهيز مكوناته.

 وأوَّل من لُقِّب بالصيدلاني في ذلك الحين هو أبو قريش عيسى، والذي كان صيدلياً في إحدى المستشفيات العسكرية زمن المنصور والمهدي، وقد برع أبو قريش في إعداد الأدوية، وكان الصيادلة يخضعون للامتحان والاختبار قبل مزاولة هذه المهنة، وأول اختبار للصيادلة أُجرِيَ في عهد المأمون سنة 218هـ، وأُجريت اختبارات أخرى زمن المعتصم، وكانت الدولة تعاقب الغشاشين والمحتالين الذي يتلاعبون بمكونات الأدوية.

وفي عهد الخليفة المعتصم (توفي سنة 227 هجرية / 875 ميلادية)؛ أصبح الحصول على شهادةٍ معترف بها من قبل الدولة، شرطاً لمزاولة الصيدلاني مهنته، وهو الأمر الذي انتقل إلى أوروبا بعد ذلك بنحو أربعة قرون، حيث اقتبس فريدريك الثاني (توفي 648 هجرية/1250 ميلادية) هذه الفكرة التي أصبحت بعد ذلك عُرفاً راسِخاً من شأنه تنظيم المهنة في القارة الأوروبية.

دراسة حول نوعين من البادزهر ، “حجر الثيران” و “حجر التيس”واستخداماتهما الطبية المأخوذة من كتاب الصيدنة لأبي ريحان البيروني

الكيمياء تخدم الصيدلة:-

وقد ساهم التقدم الذي أحرزه المسلمون في مجال الكيمياء على يد الرائد جابر بن حيان (توفي بالكوفة عام 813 م) ومن بعده الرازي (المتوفى سنة 923 م)؛ في منح صناعة الأدوية والعقاقير دفعة هائلة للإمام.

العالم برمته يقر بمساهمات جابر بن حيَّان

وكان المسلمون أول من نشر تركيب الأدوية والمستحضرات المعدنية وتنقية المعادن، وذلك بفضل تعرُّفهم على أسرار علم الكيمياء، خصوصاً بعد اكتشافهم الكحول، والبوتاس، وروح النشادر، والزرنيخ، والإثمد، والقلويات، هذا فضلاً عن كلوريد الزئبق وأكسيد الزئبق وكبريتيد الحديد وسواها.

مؤلفات ضمن الحضارة الإسلامية في مجال الصيدلة:-

  • منافع الأغذية لأبي بكر الرازي.
  • صيدلية الطب للرازي.
  • “الحاوي في التداوي” للرازي.
  • “الصيدلية في الطب” للبيروني
  • “الملكي” لعلي بن العباس المجوسي، والذي خصَّص جزأه الثاني على الصيدلة وجعله في ثلاثين باباً.
  • “التصريف لمن عجز عن التأليف”، وقد خَصَّصَ أبو القاسم الزهراوي فيه باباً للعقاقير.
  • “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية” لابن البيطار.
  • “تذكرة أولي الأرباب والجامع للعجب العُجاب” لداود الأنطاكي.
  • “منهج الدُكَّان ودستور الأعيان” لكوهين العطَّار.
  • “الجامع في الأشربة والمعجونات” لابن زهر الأندلسي.
  • “جامع الأدوية المفردات” لأحمد بن محمد الغافقي.
  • “فردوس الحكمة” في الصيدلة للطبري.
  • “الجامع لصفات أشتات النباتات وضروب أنواع المفردات من الأشجار والأثمار والأصول والأزهار”، لأبي عبد الله محمد الإدريسي.

شهادات لمستشرقين:-

تقول المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه (توفيت عام 1999 م): “لقد فصل العرب حقل محضر الدواء، عن حقل واصفه، وأوجدوا مهنة الصيدلاني الذي ارتفع إلى مركز عالي بفضل علومه ومسؤوليته الخاصة”.

وتزيد المستشرقة الألمانية في كتابها “شمس الله على الغرب”، “.. والتاريخ يشهد بأن فن استعمال الإسفنجة المخدِّرة فن عربي بحت لم يُعرَف من قِبَلهم، وكانت توضع الإسفنجة المخدرة في عصير الحشيشة والأفيون والزوان وست الحُسن، ثم تُجفَّف في الشمس، ولدى الاستعمال؛ تُرطَّب ثانية وتوضع في أنف المريض، فتمتص الأنسجة المخاطية المواد المنبعثة منها، فيرقد المريض بنوم عميق يحرره من أوجاع العملية الجراحية”.

علم الصيدلة من ضمن مساهمات المسلمين العلمية والحضارية التي تجد من ينصفها

وتذكر دائرة المعارف البريطانية: قسم الطب ” أن العرب أول من أنشأ حوانيت العطارة، وفي زمانهم؛ ظهرت ولأول مرة الصيدليات”.

ويقول الفليسلوف والمفكِّر ول ديورانت في كتابه “قصة الحضارة”: “وكان المسلمون أول من أنشأ مخازن الأدوية”، ويضيف “إن الفضل يعود للعرب في تأسيس أول مدرسة للصيدلة، ووضع التآليف الممتعة في هذا الموضوع”.

أما لويس سيديو، وهو المستشرق الفرنسي المتوفى عام 1875 م؛ فيرى أن تأصُّل علم الصيدلة عند العرب، مرتبط بطبيعة بلادهم وعلاقاتها التجارية الخارجية، فضلاً عن نوعية الأشجار والأعشاب التي تنمو في أوطانهم.

ويقول في هذا الصدد: ” العرب كانوا يقيمون في بلدٍ ذي جوٍ صالحٍ لغرس النخيل..، وفي تلك المنطقة حيث تنبت الأشجار الحمضية بقوَّة عجيبة، تبصر النبات يخرج الأفاويه والرُّب البلسمي، والمواد التي تنفع الإنسان وتضره، فنجم عن ذلك منذ وقت باكر، أن استوقف نظر أولئك القوم ما تنبته أراضيهم وما تصدره شواطئ ملبار وسيلان وإفريقيا الشرقية التي كانت لهم صلات تجارية بها.. فكان أن يُميز من المحاصيل ما هو نافع للطب والصناعة”.

الخلاصة:-

صحيح أن التطور الذي أصاب علم الصيدلة في العصر العباسي كان مرتبطاً بنشاط ترجمة المراجع العلمية المختصة من اللغات والحضارات الأخرى، غير أن المسلمين آنذاك أضافوا إضافات هائلة على هذا العلم مع حفاظهم على الأمانة العلمية بإحالة بعض أصول المهنة إلى منشأها الإغريقي أو الهندي أو الصيني.

ويتضح جلياً أن تقدم علمٍ ما هو شأن مرتبط بالإرادة السياسية لتحقيق ذلك من جهة، وبمنح العلماء البيئة الخصبة الكفيلة بإطلاق العنان لقدراتهم وطاقاتهم من جهة ثانية، فقد مُنِح المترجم مكافآت مالية مجزية، فيما حظي العلماء بمخصصات مالية ثابتة وذلك في النصف الأول من العهد العباسي الذي وفَّر خلفاؤه أيضاً المختبرات ومراكز البحث التي لم تقتصر على العلوم الصيدلانية فحسب.

المصادر:

جامعة الأندلس – تطور الصيدلة في العصر العباسي (84 وما بعدها).

معجم العلماء العرب، باقر أمين الورد.

ماذا قدَّم المسلمون للعالم؟، راغب السرجاني.

قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية، راغب السرجاني.

مجلة الفيصل، العدد 150، ص 38.

مكتبة قطر الوطنية – الموارد الرقمية.

http://www.khaleafa.com/khaleafacom/history-of-medicine-in-the-islamic-civilization

https://www.qdl.qa/العربية/archive/81055/vdc_100023482522.0x00000d

https://www.qdl.qa/العربية/archive/81055/vdc_100023512696.0x000015

www.freepik.com

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى