أعلام

العز بن عبد السلام .. الخطيب وسلطان العلماء

تميز بعلمه الغزير واطلاعه الواسع، وإيمانه القوي، وحجته البالغة، وزهده، وحبه للحق

اسمه ونسبه :-

العز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن المھذب السُلمي، الشافعي، “المغربي أصلاً، الدمشقي مولداً، المصري داراً ووفاة”.

كنيته ولقبه:-

أبو محمد، ويلقب بعز الدين وهو لقب جرى على عادة الناس في عصره الذي انتشرت فيه هذه الألقاب المنسوبة إلى الدين لسُّلطان الدين في نفوس الناس، حيث لقب به عدد من الملوك والأمراء والعلماء، مثل صلاح الدين يوسف، وركن الدين الظاهر بيبرس، وتاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز.

سُّلطان العلماء:-

كما لقبه تلميذه ابن دقيق العيد بسُّلطان العلماء، ووجه هذا اللقب أنه رفع ذكر العلماء في عصره، من خلال مواقفه مع الملوك والسلاطين، وذلك بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومقارعتهم بالحجة والبرهان، حتى غلبهم، فكان على رأس العلماء في هذا المسلك.

أو” لعلمه الغزير واطلاعه الواسع، وإيمانه القوي، وحجته البالغة، وزهده، وحبه للحق”.

مولده:-

اختلف في سنة ولادته، فهذب بعضهم إلى أنه ولد عام (577 هـ)، والبعض الآخر ذهب (578هـ)، والاختلاف في تحديد سنة مولده ليس له كبير فائدة.

موطنه:-

كان في أول أمره بدمشق، ثم لما سلم الملك الصالح إسماعيل مدينة صيدا وقلعة الشقيف للفرنج سنة 638 هـ، خرج منها متوجهاً إلى مصر سنة 639هـ، حيث استقبله الملك الصالح بن الكامل استقبالاً عظيماً، وبقي بها إلى أن توفي.

طلبه للعلم:-

ابتدأ العز بن عبد السلام العلم في سن متأخرة، على يد مشايخ دمشق كالحافظ أبي محمد القاسم بن عساكر وبركات الخشوعي وغيرهم، واجتاز العلوم بمدة يسيرة، وقال “مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حتى أمر أبواب الأحكام على خاطري”.

رحلات العز:-

لم يكتفِ الشيخ العز بطلب العلم في بلده، بل سافر إلى حاضرة الإسلام وبلاد العلم والعلماء ببغداد سنة 597، وأخذ عن مشايخها كأبي حفص طبرزد وحنبل بن عبد الله الرصافي.

ما احتَجْتُ في علمٍ من العلوم إلى أن أكمله على الشَّيْخ الذي أقرأ عليه، وما توسطتهُ على شيخٍ من المشايخ الذين كُنتُ أقرأُ عليهم إلَّا وقال لي الشَّيْخ: قد استغنيتُ عني فاشتغل مع نفسِك، ولم أُقنِع بذلك، بل لا أبرَحُ حتى أُكْمِل الكِتاب الذي أقروه في ذلك العلم.

العز بن عبد السلام: حياته وآثاره ومنهجه في التفسير، الوهيبي.

شيوخ العز:-

لقد تلقَّى العز العلم على عدد من علماء عصره، وسأقتصر على ذكر أشهرهم:

  1. عبد اللطيف بن إسماعيل بن شيخ الشيوخ، كان عالماً صالحاً ثقة، وقد أخذ عنه العز الحديث، وتوفي بدمشق سنة 596هـ.
  2. أبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، كان حافظاً واعياً، توفي سنة 598 هـ وقد أخذ عنه العز الحديث أيضاً.
  3. القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن عساكر، كان محدثاً كبيراً ناصراً للسنة محارباً للبدعة، حدث كثيراً، وسمع منه خلق كثير، وقد سمع عنه العز الحديث أيضأً.
  4. حنبل بن عبد الله الرصافي، سمع مسند الإمام أحمد من ابن الحصين، وهو آخر من وراه عنه، توفي في بغداد سنة 604 هـ، وقد أخذ عنه العز الحديث أيضأً.
  5. أبو حفص عمر بن محمد بن يحيى، المعروف بابن طبرزد الدارفزي المسند المحدث الكبير، مات سنة 607 هـ، وقد أخذ عنه العز الحديث أيضاً.
  6. القاضي جمال الدين أبو القاسم، محمد بن علي بن عبد الواحد ابن الحرستاني، أحد العلماء البارزين في المذهب الشافعي ، توفي سنة 614 هـ، أخذ عنه العز الفقه، وتأثر به كثيراً حتى قال إنه لم يفارقه، وعليه كان ابتداء اشتغاله.
  7. فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، المعروف بابن عساكر، كان إماماً صالحاً ورعاً، حدث بمكة ودمشق والقدس، توفي سنة 620 هـن وقد أخذ العز عنه علم الفقه.
  8. سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم، المعروف بسيف الدين الآمدي، المتكلم الأشعري صاحب التصانيف العقلية، برع في الأصول والفقه، وله مصنفات عديدة، توفي سنة 631 هـ، وقد أخذ عنه العز الأصول، واستفاد منه كثيراً، وقال عنه: ما تعلمنا قواعد البحث إلا من سيف الدين الآمدي.
مولد العز بن عبد السلام

تلاميذ العز:-

  1. شهاب الدين أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، برع في فنون العلم، وقيل: بلغ رتبة الاجتهاد، وله تصانيف عدة توفي سنة 665 هـ.
  2. تاج الدين ابن بنت الأعز عبد الوهاب بن خلف بن بدر العلامي، ولي القضاء بتعيين عز الدين بن عبد السلام، وولي الوزارة، والتدريس، واتفق الناس على عدله وخيره، توفي سنة 665هـ.
  3. أحمد بن محمد بن منصور الجذامي، ناصر الدين ابن المنير الإسكندراني، قال العز بن عبد السلام: “ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابن المنير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص”. توفي سنة 683هـ.
  4. أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي، شهاب الدين المعروف بالقرافي المالكين درس بالمدرسة الصالحية بعد شرف الدين السبكي، وبمدرسة طيبرس، وبجامع مصر، وصنف في الفقه وأصوله الكتب المفيدة، منها: الذخيرة في الفقه المالكي، والمحصول في أصول الفقه، لازم القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وتوفي سنة 683 هـ.
  5. تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء، أبو الحسن المعروف بابن الفركاح، فقيه أهل الشام، انتهت إليه رئاسة المذهب، له عدة مصنفات، منها شرح الورقات، توفي سنة 690 هـ.
  6. عبد اللطيف بن عبد العز بن عبد السلام، تفقه على والده، وطلب الحديث، وتميز في الفقه والأصول، توفي سنة 695 هـ.
  7. أبو محمد هبة الله بن عبد الله بن سيد الكل، برع في الفقه والنحو والفرائض، له تصانيف كثيرة، كان إماماً عالماً عاملاً، توفي سنة 697 هـ.
  8. ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري، صاحب التصانيفن كان من أذكياء زمانه، تفقه على العز، وكان أكثر التلاميذ به اتصالاً، وهو الذي لقبه بسُّلطان العلماء، توفي سنة 702 هـ.
  9. الحافظ شرف الدين أبو محمد، عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، كان حافظاً فقيهاً أصولياً، توفي سنة 705هـ.

أعمال العز:-

قام العز بن عبد السلام بعدة أعمال في دمشق ومصر، وهي كالتالي:

أولاً في دمشق:-

  • التدريس:-
    تولى العز بن عبد السلام التدريس في عدة مدارس مشهورة آنذاك، وهي كالتالي:
    أ‌. المدرسة العزيزية:
    كان للعز بن عبد السلام مجلس للتدريس بهذه المدرسة، وكان يدرس بها شيخه سيف الدين الآمدي أيضاً.
    ب‌. الزاوية الغزالية:
    وهي مكان صغير تقام فيه العبادة والأذكار والتدريس، وهي الزاوية الغربية للجامع الأموي، ونسبت إلى الغزالي، لكثرة اعتكافه فيها وتدريسه.
    وقد قام بالتدريس فيها كبار علماء هذا العصر، وتولى العز التدريس فيها من قبل الملك الكامل بعد وفاة الشيخ جمال الدين الدولعي.
  • الإفتاء:
    كان العز بن عبد السلام يفتي بدمشق فترة بقائه بها، وكان يدعى بمفتي الشام.
    وهذا خطيب الموصل يأتي العز فيستفتيه في تسعين سؤالاً، ويفتيه فيها العز، ويؤلف كتاب الفتاوى الموصلية فيها.
  • الخطابة:
    ولي خطابة جامع دمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل بعد الدولعي، قال أبو شامة في تراجم رجال القرنين: في العشر الأواخر من ربيع تولى الخطابة بدمشق أحق الناس يومئذٍ بالإمامة الشيخ الفقيه عز الدين.

وقد أزالَ العِزُّ كثيراً من البِدَعِ التي كان يفعلها الخُطَباء من دقِّ السيفِ على المنبر، ولبس السَّواد، والسجع المتكلِّف، والثناء على الملوك، بل كان يدعو لهُم، ومنع من صلاة الرغائب، وصلاة النصف من شعبان به لأنهما بدعة.

ثانياً: أعمال العز في مصر:-

  1. التدريس:
    درس بالمدرسة الصالحية التي أمر ببنائها السُّلطان نجم الدين سنة 639 هـ، ثم بعد عزله من القضاء تفرغ للتدريس كلية، وألقى التفسير دروساً.
  2. الإفتاء:
    كان صيت العز قد انتشر، وبلغ الآفاق، ولذلك لما وصل إلى مصر سنة 640 هـ امتنع الحافظ المنذري من الفتيا، وقال: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه.
    وله كتاب الفتاوى المصرية.
  3. الخطابة:
    لما وصل العز إلى مصر ولاه الملك الصالح نجم الدين الخطابة بجامع عمرو بن العاص، وهو أكبر جامع في ذلك الوقت.
  4. القضاء:
    ولي العز رئاسة القضاء بمصر والوجه القبلي، ولم تأخذه في الله لومة لائم، ثم في سنة 640 هـ عزل نفسه منه.

ومع الجبروت والهيبة والاستبداد الذي كان عليه نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل حاكم مصر؛ غير أن العزَّ لم يتردد في إنكار سكوت الحاكم على وجود حَانةً تبيعُ الخُمُور، وكان هذا الإنكارُ على مشهدٍ من الناس، حيثُ كانَ السُّلطانُ يحتفلُ بيوم العيد في القلعة، والعساكِرُ مصطفةٌ من حوله، والأُمراءُ بين يديه، فناداه العِزُّ باسمه المجرَّد بقوله: “يا أيوب، ما حُجَّتِكَ عندَ اللهِ إذا قال لكَ: ألم أبوئ لَكَ مُلكَ مِصْرَ ثم تُبيحُ الخُمور؟، فقال: هل جَرَى هذا؟، فقال: نعم الحانةُ الفُلانية يُباعُ فيها الخُمورُ وغيرِها من المُنْكَرَات، وأنتَ تتقلَّبُ في نعمةِ هذه المملَكَة، يُناديهِ كذلكِ بأعلى صوتهِ والعساكر واقفون، فقال: يا سيدي هذا أنا ما عملته، هذا من زمانِ أبي، فقال: أنتَ من الذين يقولون (إنَّا وَجَدْنَا آباءنا على أُمَّة..)؟، فَرَسَمَ السُّلطان بإبطالِ تلكَ الحانة.

— طبقات الشافعية، للسبكي.

مؤلفات العز وما نسب إليه:-

أولاً: في التفسير وعلوم القرآن:-

  1. اختصار تفسير الماوردي.
  2. تفسير القرآن العظيم.
  3. أمالي عز الدين بن عبد السلام.
  4. فوائد في مشكل القرآن.
  5. الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز.
  6. نبذ من مقاصد الكتاب العزيز

ثانياً: الحديث النبوي وشروحه:-

  1. شرح حديث لا ضرر ولا ضرار.
  2. شرح حديث أم زرع.
  3. مختصر صحيح مسلم.

ثالثاً: العقيدة:-

  1. رسالة في علم التوحيد.
  2. وصية الشيخ عز الدين.
  3. نبذة مفيدة في الرد على القائل بخلق القرآن.
  4. الفرق بين الإسلام والإيمان.
  5. بيان أحوال الناس يوم القيامة.
  6. ملحة الاعتقاد.
  7. وصية الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى ربه الملك العلام.

والشَّرْع ميزانٌ يوزَنْ بهِ الرِّجال، وبه يتيقن الرِّبْح من الخُسران، فمَن رَجَحَ في ميزان الشَّرْع كان من أولياءَ اللهِ، وتختلفُ مراتب الرُّجْحَان، ومن نقَصَ في ميزان الشَّرْع فأولئك أهلُ الخُسران، وتتفاوت خفتهم في الميزان، وأخسُّها مراتب الكُفَّار، ولا تزَالُ المَراتِب تتناقض حتى تنتهي إلى منزلةِ مرتكِب أصغر الصغائر، فإذا رأيتَ إنساناً يطيرُ في الهواء ويمشي على الماء، أو يخبرُ بالمغيبات، ويُخالِفُ الشَّرْعَ بارتكَابِ المُحَرَّمَاتِ بغير سبب مُحَلَّل، أو يترُك الواجِبَات بغير سببٍ مجوز؛ فاعلَم أنه شيطان نصبه الله فتنة للجهلة، وليسَ ذلك ببعيد من الأسبابِ التي وضعها الله للضَّلال، فإنَّ الدَّجَّال يُحيي ويُميتُ فتنةً لأهلِ الضَّلال…

العز بن عبد السلام: حياته وآثاره ومنهجه في التفسير، الوهيبي.

رابعاً: الفقه وأصوله:-

  1. قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
  2. القواعد الصغرى.
  3. الإمام في بيان أدلة الأحكام.
  4. مقاصد الصلاة.
  5. الترغيب عن صلاة الرغائب وما فيها من مخالفة السنن المشروعة.
  6. مقاصد الصوم.
  7. مناسك الحج.
  8. أحكام الجهاد.
  9. الغاية في اختصار نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني.
  10. الجمع بين الحاوي والنهاية.
  11. شرح منتهى السول والأمل في عملي الأصول والجدل.
  12. قاعدة الواسطة.

خامساً: الفتاوى:-

  1. الفتاوى الموصلية.
  2. الفتاوى المصرية.

سادساً: التصوف:-

  1. شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال.
  2. الفتن والبلايا والمحن والرزايا.
  3. رسالة في القطب والأبدال الأربعين.
  4. مقاصد الرعاية لحقوق الله.
  5. مسائل الطريقة في علم الحقيقة.

والمعارف والأحوال غيرُ الكَرَامَات وخَرْقِ العَادَاتِ، لتعلق المعارف بالله تعالى، وتعلُّق الكَرَامَات بخرق العاداتِ في بعض المخلوقات. وفرقٌ فيما تعلَّق بربِّ الأرض والسموات، وفيما يتعلَّق بفكِّ اطرادِ العادات..

العز بن عبد السلام.

سابعاً: السيرة:-

  1. بداية السول في تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
  2. قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثامناً: علوم أخرى:-

  1. مجلس في ذم الحشيشة.
  2. نهاية الرغبة في أدب الصحبة.
  3. ثلاثة وثلاثون شعراً في مدح الكعبة.
  4. ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام.
  5. رسالة في الزهد.

ومما يدُلُّ على صرامته في الحقِّ وعَدْلِه؛ أنَّهُ تداعى إليه خصمان، وجاءَ أحدُهُما بكتاب الملك العادل إلى القاضي يوصيه عليه، فلم يفتَحْهُ، وَظَهَرَ الحقُّ لخصمِ حامل الكِتاب، فقضى لهُ عليه، ثم فَتَحَ الكِتاب، وقرأهُ ورمى به إلى حاملهِ، وقال: كتابُ الله قد حَكَمَ على هذا الكِتاب. فبلغَ العادِل قوله، فقال: صَدَقَ، كتابُ الله أولى من كِتابي.

طبقات الشافعية، للسبكي.

وفاة العز:-

توفي الشيخ العز الدين بن عبد السلام في يوم السبت، تاسع جمادى الأولى، سنة ستين وستمائة من الهجرة النبوية الشريفة بمصر، ودُفِنَ بسفح المقطم بالقرافى، في يوم الأحد عاشر جمادى الأولى، وشهِد جنازته خلقٌ كثير لا يحصون، السُّلطان فمن دونه.

تميز الإمام شرف الدين البوصيري بالزهد في الشطر الثاني من حياته

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى