أعلام

العرجي .. شاعر الغزل والفارس الجواد

أَضَاعُوْنِي وَأَيُّ فَتَىً أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيْهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ

العرجي .. اسمه ونسبه:

عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، أبو عمر العرجي الأموي القرشي، من أعيان شعراء الغزل، وُلِد في مكة المكرمة سنة 40هـ، والعَرْجي نسبة إلى قرية العَرْج الواقعة في وادٍ من نواحي الطائف، وهي أول تِهامة، وقد نزل بها فنُسِب إليها.

كان العرجي أشقر أزرق جميل الوجه، ويبدو أن ملامحه هذه موروثة عن أسرته، فقد عُرِفَت بجمال المُحيَّا، ولُقِّب عمَّه بالمطرف وابن عمه محمد بالديباج لفرط جمالهما، وكان أولو الشَّرف والرئاسة من قريش يتصاهرون مع آل عمرو (قبيلة الشاعر) لما عُرِفَ من جمال أبنائهم وبناتهم.

مكانته الشعرية:

كان شاعراً مجيداً، من الفرسان المعدودين، جواداً شجاعاً سخيّاً مجاهداً ظريفاً، صاحب فتوَّة وفروسية، وكان يعد من الفرسان.

اشتُهِر بالغزل، ونحا فيه نَحْو عمر بن أبي ربيعة وتشبَّه به فأجاد، وكان مشغوفاً باللهو والصيد، وكان أشقر جميل الوجه.

العرجي كان شغوفاً باللهو والصيد

حبسه محمد بن هشام المخزومي، وكان قد شبَّبَ بأمِّه جَيداء، وكان مما أنشد فيها:

إِلى جَيـداءَ قَد بَعَثُــوا رَسُــولاً .. لِيُخبِـرَها فَلا صُحِبَ الرَّسُولُ

كَــأَنَّ العــامَ لَيـسَ بِعــامِ حَــجٍّ .. تَغَيَّــرَتِ المَواسِمُ وَالشُّكُولُ

ومعناه أنَّه بعث الرسول إليها ليخبرَها بسلامة ابنها، وإنَّما شبَّب بأمِّه ليفضحه، فكان محمد بن هشام يقول لأمِّه: أنتِ غَضَضْتِ منِّي، وحطَطْتِ من منزلتي، ولو كانت أمي من قُريش لَمَا وَلِيَ الخلافة غيري.

وشبَّب العَرْجيُّ بزوجة محمد بن هشام المخزومي أيضاً -واسمها جَبْرَة- فقال:

عُــوجــي عَلَـــيَّ وَسَـلِّمــي جَـبْــــرُ .. فِـيــمَ الصُّدُودُ وَأَنتُمُ سَفْرُ

مـــــا نَلتَـقـــي إلَّا ثَــلاثَ منـــــىً .. حـتَّـــى يُفَرِّقَ بيننا الدَّهْرُ

الحَـــــوْلُ بعـدَ الحَــــوْلِ يتبعُــــهُ .. مــــا الدَّهرُ إلَّا العامُ والشَّهْرُ

الحرم المكي الشريف عام 1900 م

ولم يزل ذلك في قلب محمد بن هشام حتَّى ولَّاه هشام بن عبد الملك مكة، وكتب إليه أن يحجَّ بالناس، فهجاه العَرْجيُّ وقال:

ألا قُلْ لِمَـنْ أَمْسَى بمكَّــةَ قــاطنـــاً .. ومَـنْ جاءَ مِنْ عَمقٍ ونَقْبِ الْمُشَلَّلِ

دَعُوا الحــجَّ لا تَستَهلِكُــوا نَفقـاتِكُــمْ .. فمــا حَجُّ هذا العام بالْمُتَقَبَّلِ

وكيــفَ يُزَكَّــى حــجُّ مَنْ لــم يَكُــنْ لَـهُ .. إمـــامٌ لدى تجهيزِهِ غَيرُ دُلْدُلِ

يظَـــل يُرائــي بالصِّيـــامِ نهــــارَهُ … ويلبـــسُ في الظَّلماءِ سِمْطَي قَرَنْفُلِ

وبلغ محمداً فقال: هذا الفاسق شبَّبَ بِحُرَمِنا، وفَضَحَ نساءَنا، وهجانا من غير سابقةٍ سبقت منَّا إليه، فأخذه فضربه ضرباً مبرِّحاً، وقيَّده، وألبسَه الصوف، وعذَّبه عذاباً أليماً، وحلفَ لا يُخرجُه من الحبس ما دام له سلطان، فأقام تسع سنين حتَّى مات في حبسه.

العرجي .. الشاعر البليغ

وقال العرجي في سجنه مستنصراً بالخليفة:

سينصــرُنــي الخليفـــةُ بعـدَ رَبِّــي .. ويغضـبُ حين يُخبَرُ عن مَسَاقي

علـــيَّ عَبَــــاءةٌ بــرقـــــاءُ ليـسَــتْ .. مَــعَ البلوى تُغَيِّبُ نصفَ ساقي

وتغضبُ لــي بأجمعِهــا قُصَـــيٌّ .. قَطِيــنُ البيتِ والدُّمْثِ الدِّقاقِ

فكــم من كـــاعبٍ حـــوراءَ بِكْــرٍ .. أَلُــوفِ السِّتْرِ واضحةِ التَّراقي

بكَتْ جَزَعاً وقد سُمِرت كُبُولي … وجامعةٌ يُشَدُّ بها وَثاقي

فلما لم يُغَث قال:

أَضَـاعُوْنِي وَأَيُّ فَتَــىً أَضَــاعُـــوا .. لِـيَـــوْمِ كَرِيْهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ

وَخَـلَّـــــوْنِي بِمُعْتَــــرَكِ الْمَنَــايَــــا .. وَقَــدْ شُرِعَتْ أَسِنَّتُهَا لِنَحْرِي

كَــأَنِّــي لَــمْ أَكُـــنْ فِيْهِــم وَسِـيـطـــاً .. وَلَــمْ تَكُ نِسْبَتِي فِي آلِ عَمْرِو

ويقال: إن الوليد بن يزيد اقتصَّ للعَرْجي من محمد بن هشام المخزومي حين صارت الخلافة إليه، إذ لم يرع حرمة قرشيته ونسبه في بني أمية.

ومن شعره قوله:

باتـا بِأَنـعَــــمِ لَيـلَــةٍ حَـتّــى بَـــدا .. صُبـــحٌ تَلَوَّحَ كَالأَغَرِّ الأَشقَرِ

فَتَــلازَمــا عِنـدَ الفِــراقِ صَبـــابَــةً .. أَخــذَ الغَرِيمِ بِفَضلِ ثَوبِ المُعسِرِ

ومن شعره المستجاد قوله:

سَمَّيـتنــي خَــلَقــاً لِخُــلَّــةٍ قَــدُمَــتْ .. وَلا جَديدَ إِذا لم يُلبَسِ الخَلَقُ

يَا أَيُّهَـــا الْمُتَحَلِّــي غَيْــرَ شِيمَـتِــهِ .. وَمِــنْ خَلاَئِقِهِ الْإِقْصَارُ وَالْمَلَقُ

ارجِــع إِلى خُـلْقِــكَ المعـروفِ دَيْدَنُـهُ .. إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ

وَلا يُــواتِيـــكَ فيمـــا نابَ مِن حَـدَثٍ .. إِلَّا أَخو ثِقَةٍ فَاِنظُر بِمَن تَثِقُ

وقال العرجي أيضاً:

أَهَاجَـكَ رَبْــعٌ عَفَـا مُخْلِـقُ؟ .. نَعَمْ ! ففـؤادُكَ مُسْتَغلِـقُ

لِــذِكْــــــرِكَ مَـنْ قَـدْ نَـــأتْ دَارُهُ .. وَقَلْـبُـــكَ في إِثرِهِ مُوثَـقُ

يُذَكِّـــرُنِـي الـدَّهْـــرَ مَـا قَـدْ مَضَــى .. مِـنَ العَيْشِ فَالعَيْنُ تَغْرَورقُ

لَيَـالِـــيَ أَهْـــلِــي وَأَهْــــلُ التي .. دُمُــوعِـــي لِذِكْرَتِـها تَسْبِقُ

خَلِيطَـــــانِ مَحْضَــــرُنَـا وَاحِــدٌ .. وَحَبْــلُ المَوَدَّةِ لا يَخْـلُـقُ

لَنَــا وَلِـهِـنْـــدٍ بِبَطْـــنِ العَقِـيــــقِ .. مُبْــدىً وَمَنْزِلُـهُ مُونِـقُ

فــانْ يَــكُ ذَاكَ الزَّمَــــانُ انْقَضَــى .. وَحَـبْلُـكَ مِنْ حَبْلِهـا مُطْلَقُ

فَقَـدْ عِشْتُ فِيـمَـــا مَضَـى خِـدْنَهَــا .. لَيَالـــي الوِصَــالُ بِهَــا يَعْنـقُ

وقال أيضاً:

وما أنسَ مِ الأشيـــاءِ لا أنسَ موقِفَــاً .. لنــــا ولهــا بالسَّفْحِ دون ثَبِيرِ

ولا قولها وهَــناً وقد سَمَــحتْ لنــا .. ســوابــقُ دمْـعٍ لا تجِف غَــزِيرِ:

أأنتَ الـذي خـبّــرتُ أنَّـــكَ باكِـــــر .. غـــداةَ غـدٍ أو رائحٍ بهَجِيرِ

أبو عمر العرجي وجهاده:

صحب العرجي مَسْلَمَة بن عبد الملك في وقائعه بأرض الروم، وأبلى معه البلاء الحسن، إذ كان من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم.

 وغزا القسطنطينية في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك، فقلَّت النفقةُ على الناس، فقال: يا معاشر التُّجَّار، من احتاجَ من الغُزاة إلى مال، فأعطُوه وأنا ضامنٌ له. فأعطَوْهم عشرين ألفَ دينار، فلما وَلِيَ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال: بيتُ مالِ المسلمين أوسعُ من بيت مال العَرْجيِّ. فقَضَى عمر رضي الله عنه التجَّار من بيت المال.

عمر بن عبد العزيز أوسع من بيت مال العرجي

وفاته:

مات العرجي في السجن سنة 120هـ، وقد عاش ثمانين سنة.

المصادر:

  • الأعلام (4/109).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (2/357).
  • سير أعلام النبلاء (5/268/رقم 130).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/17).
  • ديوان العرجي، تحقيق الطَّائي والعبيدي.
  • الشعر والشعراء (2/560/رقم 102).
  • مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (11/25).
  • معجم البلدان (4/98).
  • الوافي بالوفيات (17/208).
  • معالم مكة التأريخية والأثرية، عاتق البلادي.
Image by Bronisław Dróżka from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى