معلومات تاريخية

كيف وصلت المفردات العربية للغات الأوروبية؟

الأندلس إلى جانب نشاط الترجمة التبادل التجاري والثقافي فضلاً عن الحملات الصليبية والاستعمار؛ عوامل ساهمت في دخول المفردات العربية إلى اللغات الأوروبية

تمهيد:-

تتمتعُ اللغة العربية بأبجديةٍ فريدةٍ، وتتميَّزُ بِسعةِ مُفرداتِها  وتراكيبِها، وقدْ تضافرت العديدُ من العواملِ التي جعلتْ منها مَنْهَلًا ومُلهِمًا بكثيرٍ من المصطلحات للعديدِ من اللغاتِ الأخرى ولاسِيَما اللغات الأوروبية، ولِعِظَمِ قوَّة أثرها الخالدِ؛ فقد ظلَّت تلك المصطلحات باقيةً كجزءٍ من تلك اللغات؛  لِتشهدَ على قرونٍ قد خَلَتْ كانت فيها الحضارةُ العربيةُ الإسلاميةُ في أَوْجِ إزدهارِها، وكانت اللغةُ العربيةُ هي منبعَ العلومِ والثقافاتِ.

الأسبابُ التي ساعدتْ على انتقالِ بعضِ المصطلحات العربية إلى اللغاتِ الأوروبيةِ:-

  • كان فلاسفةُ وعلماءُ الأندلسِ من العربِ ولمْ يكونوا من الأوروبيين أو الفرسِ، هؤلاء كان لهم كثيرُ الفضلِ في نقلِ الكثيرِ من المصطلحات والثقافاتِ العربية إلى اللغاتِ الأوروبيةِ، كَالفارابيِّ وابن سينا وغيرهم، ومن تَبِعهم كابن رُشد وابن زُهر وابن مَاجَه وغيرهم.
مؤلفات ابن رشد ترجمت من العربية إلى اللاتينية المفردات العربية
مؤلفات ابن رشد ترجمت من العربية إلى اللاتينية
  • كان لِحركاتِ الترجمةِ التي يقوم بها الأوروبيون عن الفلاسفةِ والعلماءِ العربِ الأثر الكبير في إنتقالِ وابلٍ من المصطلحاتِ العربيةِ إلى أوروبا، ومثالٌ على ذلك رايموند – أُسْقُفُ طليطلة – حينما أمرَ بترجمةِ مُؤلَّفاتِ العلَّامةِ ابن سينا إلى اللاتينيةِ وذلك قبلَ مُنتصفِ القرنِ الحادي عشر للميلاد.
  • تبادلُ التجارةِ بين البلدان العربيةِ والأوروبيةِ كان أحدَ العواملِ التي لم تنقُلْ البضائعَ  فحسب؛ بلْ أيضًا الكلماتِ والمصطلحاتِ والثقافاتِ العربيةِ عبرَ الأندلسِ إلى أوروبا مع حركاتِ التجارةِ المُتواليةِ؛ ولِهذا نجدُ أنَّ كثيرًا من الكلماتِ التي نُقلتْ مع هذه الحركاتِ تشملُ :
  1. الرُتبَ الإجتماعيةَ والعسكريةَ مثل: شيخ، قاضي، سلطان، أمير.
  2. الموادَ الإستهلاكيةَ مثل: السُّكر، القطن، القهوة، الكحول، الليمون.
  3. الكلماتِ التجارية مثل : الصَّك أو الشِّيك.
  4. أسماءَ الحيواناتِ والطيورِ كالزرافةِ والجملِ.
  • كانت المدنُ الأندلسيةُ – في عصرِ الأندلسِ الذهبيِّ – هي أعمرَ مدن القارةِ الأوروبيةِ قاطبةً علمًا وتطورًا، فقد كان في قرطبةَ وحدها دُكَّانَ نسخ واحد تعملُ به مائةٌ وسبعين جارية لنقل المُؤلفاتِ النادرةِ، وكان قصرُ الخليفةِ وحده به قُرابة أربعمائة ألف كِتاب، وقد كانت قرطبة وغرناطة وأشبيلية ومالقة ومرسية وغيرها هي مرجع الوفود الأوروبية للحصول على البضائع والأدوية والأدوات اللازمة، وقد قال في ذلك المؤرخ الإنجليزي ستانلي لاين بول : “إن حُكم عبد الرحمن الثالث الذي قارب خمسين سنة أدخل على أموال إسبانيا تجديدًا لا يلمْ الخيال – على أجمع ما يكون – بحقيقة فحواه”، وقد عاشت في الجزيرة الأندلسية طوائف عدة من النصارى والمسلمين، وأهل مصر والمغرب، وأهل الجزيرة والشام، وكذلك أهل الجزيرة العربية والشام وغيرهم، وبديهيٌّ أن هذا المزيج والتفاعل الحي قد أحدث تمازجًا ونقلًا للكثير من المصطلحاتِ العربيةِ عبرَ تلك الجزيرة التي كانت خيرَ معبر لسائرِ القارةِ الأوروبيةِ.
  • كانت إسبانيا مركزًا للحضارة العربية إبَّان حكم العربِ للأندلس على مدى سبعة قرون، وقد انتشرت مظاهر تلك الحضارة في كافةِ أنحاء أوروبا عن طريق التعليمِ والتجارةِ، كما أن الأوروبيين كانوا يقصدون إشبيلية وقُرطبة ومثيلاتهما لدراسةِ علوم العربِ الزَّاخرةِ التي كانت لهم نِعمَ المَنهل وغايةَ المُرادِ مثل : الكيمياء والطب والفلك والرياضيات والفلسفة والفيزياء وغيرها، فانصبَّ اهتمامُهم على دراسةِ اللغةِ العربيةِ أو الترجمةِ عنها، ومن هنا كان العلماءُ والرَّحالةُ هم المعبرَ لِانتقالِ مصطلحات اللغة العربية للدول الأوروبية.[1]
ابن حوقل يصف ما شاهده في الأندلس

تأثيرُ المصطلحات العربية على بعضِ اللّغاتِ الأوروبيّةِ:-

أولًا : تأثيرُ اللغة العربية في اللغةِ الأسبانية :-

أثَّرتْ اللغة العربية تأثيرًا كبيرًا في نظيرتها الأسبانيّةِ، وهي أكثرُ اللغاتِ الأوروبيَّةِ تأثُّرًا على الإطلاقِ، حيثُ كانتْ إسبانيا – كما أسلفنا – هي مركزُ الحضارةِ العربيَّةِ لِأكثرِ من سبعةِ قرونٍ في الأندلسِ، وما زالتْ تلك المصطلحات باقية كجزءٍ من اللغةِ الأسبانيَّةِ إلى عصرِنا هذا، وهذا إنْ دلّ فإنَّما يدلُّ على عمقِ تأثيرِ الحضارةِ العربيَّةِ الأندلسيَّةِ في شبهِ الجزيرةِ الأيْبيريَّةِ والتي كانت تُشكِّلُ إسبانيا الجزءَ الأكبرِ منها يليها البُرتغال، وقد أفادتْ التقديراتُ إلى أنَّ ربعَ مفرداتِ اللغةِ الأسبانيَّةِ هي منْ أصلٍ عربيٍّ[2]

آراء الكُتَّابِ والباحثين:-

  1. يقولُ الكاتبُ أنطونيو غالا : “إنَّ اللغةَ الأسبانيّةَ تنحدرُ من فرعين أولهما اللغة اللاتينيَّة وثانيهما اللغة العربيَّة، فإذا ما سُئلتُ ما هي الأندلس؟ لَقلتُ أنَّها عصيرٌ غازيٌّ يُساعدُ على هضمِ كل ما يُعطَى لها حتى ولو كان حجرًا؛ فقدْ جَرتْ منْ هنا مُختلَفُ الثقافاتِ بِكلِّ معارفها وعلومها؛ ولِهذا فإنَّ الثقافةَ الأندلسيَّةَ هي من أغنى الثقافاتِ تنوُّعًا وإشعاعًا”
  2. يقولُ الباحثُ المكسيكيُّ أنطونيو ألانوزي في كتابِه ألف سنة وسنة من تاريخ اللغة الأسبانيَّةِ : “إنّ هناك شهادةً، الفيضُ الهائلُ من الكلماتِ العربيَّة التي دخلتْ واستقرتْ في اللغةِ الأسبانيّةِ ليس قهرًا ولا قسْرًا، لقد تقبلها الناسُ طواعيةً واختيارًا”.

بعضُ الكلمات المُقتَبَسة من العربيّة :-

  • زيت                        Aceite
  • شراب                     Jarabe
  • البحيرة               Albuhera
  • السوق                    Alzoco
  • ديوان                       Divan
  • دينار                          Dinar
  • فقير                         Faquir
  • إملاء                         Imela
  • عالم                         Ulema
  • الياسمين               Jasmines
  • القاضي                    Alcalde
  • خزانة                      Alacena
  • البركة                      Alberca
  • السد                             Azud
  • سكر                          Azucar
  • جبر                          Álgebra
  • مَخزن                     Almacén
المصطلحات العربية
المسلمون مكثوا في الأندلس 8 قرون

ثانيًا : تأثيرُ اللغة العربية على الإنجليزية:-

لقدْ تأثَّرتْ اللغةُ الإنجليزيَّة هي الأخرى بالمُصطلحاتِ العربيَّة، وقد انتقلتْ إليها عن طريقِ إسبانيا والدولِ المجاورةِ، ومن أمثلتِها :

  • سكر                            Sugar
  • قطن                          Cotton
  • كيمياء                  chemistry
  • جبر                         Algebra

ثالثًا : تأثيرُ اللغة العربية على الفرنسيّةِ:-

كانت المُستعمراتُ الفرنسيَّةُ السابقةُ ببلادِ المغربِ العربيِّ أحدَ العواملِ التي أدَّتْ إلى إنتقالِ مصطلحات العربية والفرنسيَّةِ بين الطرفين، فَكما اكتسبتْ بلادُ المغربِ العربيِّ الكثيرَ من المفردات ِ الفرنسيةِ؛ فإنَّ كثيرًا من المصطلحات العربية استطاعتْ أن تعبرَ وتترسَّخَ في اللغةِ الفرنسيةِ إلى يومِنا هذا ومنها :

  • مِسكين                    Mesquin
  • شَرْبات                         Sorbet
  • الغَارة                       Algarade
  • حِصان.                         Alezan
أسطول عسكري فرنسي على السواحل الجزائرية ، حيث استقلت الجزائر عام 1962 م.

رابعًا : تأثيرُ اللغة العربية على الألمانيةِ:-

لقدْ كانَ وصولُ المصطلحات العربية مُتأخرًا إلى اللغةِ الألمانيةِ؛ لِعدمِ توافر الإتصال المباشر بين ألمانيا والدول الإسلامية إبّانَ الحكمِ العربىِّ الأندلسيِّ، لكنّ بعضها انتقلَ عبرَ الأسبانيّةِ  والفرنسيّةِ والإيطاليّةِ.

وقدْ تناولَ الباحثُ والكاتبُ الألمانيّ أندرياس أونجر – المُتخصص في علمِ مقارنة اللغاتِ – في كتابِه “من الجبرِ إلى السكر” العديدَ من الألفاظِ العربيَّةِ التي كان لها عمقُ الأثرِ في الدُّولِ الأوروبيَّةِ إبَّان فترةِ إزدهارِ الحكمِ العربيِّ الإسلاميِّ في الأندلسِ.[3]

يقول أونجر : “لقدْ انتقلتْ الكلماتُ العربيَّةُ إلى الألمانيَّةِ عبرَ الأسبانيَّةِ والفرنسيَّةِ والإيطاليَّةِ،  وهي لغاتُ شعوب البحرِ الأبيضِ المُتوسِّطِ التي كانت تتعاملُ عنْ قربٍ مع العربِ خصوصًا في الأندلس، أو أثناءَ الحروبِ الصليبيَّةِ أو خلال عمليات التبادل التجاريّ”.

بعضُ الكلماتِ الألمانيةِ المُقتبَسةِ :

  • الطاسة                            Tasse
  • سكر                              Zucker
  • عصير الليمون           Limonade
  • قهوة                                Kaffe

الخاتمة:-

وهكذا قد تجلَّى الأثرُ العميقُ والتاريخيُّ للغةِ العربيةِ على بعض المصطلحات الأوروبيةِ، وإنَّ في ذلك لآيةً تشهدُ على عظمةِ اللغة، وعلى أن الحضارة العربية كانت منبع جميع الحضارات في حِقبةِ ولَّتْ لم يكنْ العالم يعرف فيها ماهيّة الحضارة إلا عن طريقِ  العربِ والمسلمين.

المصادر:-

[1] عباس محمود العقاد: أثر العرب في الحضارة  الأوروبية. وكالة الصحافة العربية.

[2] فاطمة رضا: “تأثيرات اللغة العربية على اللغة الأسبانية.” 2019.

[3] أندرياس أونجر: من الجبر إلى السكر:الكلمات العربية في اللغة الألمانية. فيليب ريكلام يون, 2017.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى