أعلام

العباس بن الأحنف .. شاعر الغزل الرقيق

صاحب غزل، رقيق الشعر، يُشبَّه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره

اسمه ونسبه:-

العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، أبو الفضل الحنفي اليمامي، من أشهر شعراء الغزل في العصر العباسي، أصله من اليمامة في نجد، وكان أهله في البصرة، وبها مات أبوه، ونشأ هو ببغداد، وهو خال الشاعر إبراهيم بن العباس الصولي.

مكانته الأدبية والشعرية:-

كان العباس بن الأحنف صاحب غزل، رقيق الشعر، يُشبَّه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره، ولم يكن يمدح ولا يهجو، إنما كان شعره كله في الغزل والوصف، ومن رقيق شعره قوله من جملة قصيدة:

غَضِبَ الحَبيبُ فَهاجَ لي اِستِعبارُ.. وَاللَهُ لـي مِـمّا أُحــاذِرُ جـــارُ

يـا أَيُّها الرَجُـــلُ المُعَــذِّبُ قَلبَـــهُ.. أَقصِر فَإِنَّ شِفاءَكَ الإِقصارُ

نَزَفَ البُكاءُ دُموعَ عَينِكَ فَاِستَعِر.. عَـيناً لِغَـيرِكَ دَمعُها مِـدرارُ

مَــن ذا يُعــيرُكَ عَــينَهُ تَبكـي بِـها.. أَرَأَيتَ عَـــيناً لِلبُكـــاءِ تُــعارُ

تميز شعره الغزلي بالرقة

ومن شعره في الغزل قوله:

أَبكـي الَّذينَ أَذاقـوني مَوَدَّتَهُـم .. حَتّـى إِذا أَيقَظوني لِلهَوى رَقَـدوا

وَاِستَنهَضوني فَلَمّا قُمتُ مُنتَصِباً.. بِثِقلِ ما حَمَّلوا مِـن وُدِّهِـم قَعَدوا

جاروا عَلَّيَ وَلَم يوفوا بِعَهدِهِمُ.. قَد كُنتُ أَحسَبُهُم يوَفونَ إِن عَهِدوا

لَأَخـرُجَـنَّ مِــنَ الدُنيـا وَحُبُّكُـمُ.. بَيـنَ الجَوانِـحِ لَـم يَشـعُر بِـهِ أَحَدُ

أَلفَـيتُ بَيني وَبَينَ الهَـمِّ مَعرِفَـةً.. لا تَنقَضي أَبَداً أَو يَنقَضي الأَبَــدُ

حَسبي بِأَن تَعلَموا أَن قَد أَحَبَّكُمُ.. قَلبي وَأَن تَسمَعوا صَوتَ الَّذي أَجِدُ

وله أيضاً:

تَعَبٌ يَطولُ لِذي الرَجاءِ مَعَ الهَوى.. خَيرٌ لَهُ مِـن راحَةٍ في الياسِ

لَـولا مَحَــبَّتُكُـــم لَـمـا عــاتَبتُكُـــم.. وَلَكُنتُمُ عِندي كَبَعضِ الناسِ

اشتهر العباس بأشعار الغزل
اشتهر العباس بأشعار الغزل

ومن جميل غزله قوله:

وَحَـدَّثتَني يا سَعدُ عَنها فَـزِدتَني.. جُنوناً فَزِدني مِن حَديثِكَ يا سَعدُ

وَما زِلتُ في حُبّـي ظُلَيـمَةَ صادِقاً.. أَهـيمُ بِها ما فَوقَ وَجدي بِها وَجدُ

هَواها هَوىً لَم يَعلَمِ القَلبُ غَيرَهُ.. فَلَيسَ لَـهُ قَـبلٌ وَلَيـسَ لَــهُ بَعـدُ

وله في الغياب عن الحبيب:

أَغـيبُ عَـنكِ بِـوُدٍّ لا يُغَـيِّرُهُ.. نَـأيُ المَحَلِّ وَلا صَرفٌ مِنَ الزَمَـنِ

فَإِن أَعِش فَلَعَلَّ الدَهرَ يَجمَعُنا.. وإِن أَمُت فَـقَــتيلُ الهَـمِّ وَالحَــزَنِ

قَد زَيَّنَ اللَهُ في عَينَيَّ ما صَنَعت.. حَتّى أَرى حَـسَناً ما لَيـسَ بِالحَسَـنِ

تَعـتَلُّ بِالشُّغلِ عَـنّا مـا تُكاتِبُنا.. والشُّغلُ لِلقَلبِ لَيسَ الشُّغلُ لِلبَدَنِ

وقال العباس بن الأحنف أيضاً:

إذا كُنْتَ لا يُسْليك عمَّن تُحبُّه.. تنــاءٍ ولا يَشفيكَ طولُ تلاقِ

فما أنتَ إلَّا مستعيرٌ حُشاشةً.. لُمهْجةِ نفْسٍ آذَنَتْ بِفِراقِ

وله أيضاً:

يَهيـمُ بحـرَّانِ الجَزِيـرَةِ قَـلبهُ.. وفيـها غزَالٌ فـاتِرُ الطَّرْفِ سَـاحِرُهْ

يُـؤَاَزِرُهُ قَلـبِي عليَّ وليـسَ لـي.. يَـدَانِ بِـمَنْ قَلْبِي عليَّ يُؤَازِرُهْ

نوادر العباس:-

يحكى أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة أم المعتصم هوى شديداً، فتغاضبا مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفرٌ البرمكيُّ العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئاً فعمل:

راجِع أَحَبَّتُكَ الَّذينَ هَجَرتَهُم.. إِنَّ المُـتَيَّمَ قَـلَّ مـا يَتَجَــنَّبُ

إِنَّ التَجـنُّبَ إِن تَمَكَّــنَ مِنكُـما.. دَبَّ السُلُوُّ لَهُ فَعَزَّ المَطلَبُ

وأمر إبراهيم الموصلي فغنى بهما، فلما سمعه الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وأمرت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.

وأنشد الرشيد يوماً قوله:

طـافَ الهَـوى بِعِـبادِ اللَهِ كُلِّهِـمُ .. حَتّى إِذا مَرَّ بي مِن بَينِهِم وَقَفا

قال له الرشيد: ما الذي رأى فيك حتى وقف عليك؟ قال: سألني عن وجود أمير المؤمنين فأخبرته، فاستحسن الرشيد جوابه ووصله.

العباس بن الأحنف تميز شعره بالتنوع وإن مال إلى الغزل
تميز شعره بالتنوع وإن مال إلى الغزل

وقيل: إن الرشيد عمل في الليل بيتاً ورام أن يَشفعه بآخر فامتنع القول عليه، فقال: عليَّ بالعباس، فلما طُرِقَ عليه ذُعِرَ وفزع أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: وجَّهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول عليَّ، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إليَّ نفسي فإني تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف؛ فانتظر هنيهة، ثم أنشده:

ظَلــومٌ قَـــد رَأَينــاهــا.. فَلَـم نَـرَ مِـثلَها بَشَـرا

يَزيدُكَ وَجـهُها حُـسناً.. إِذا مــا زِدتَـــهُ نَظَـــرا

إِذا ما اللَّيلُ سالَ عَلَيـ.. ـكِ بِالظَلماءِ وَاِعتَكَرا

وَدَجَّ فَلَـم يَكُــن قَمَــرٌ.. فَـأَبـرِزهـا تَكُــن قَمَـرا

فقال له الرشيد: قد ذعرناك وأفزعنا عيالك وأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

ما قيل فيه:-

قال ياقوت الحموي: “شاعر مجيد، رقيق الشعر، من شعراء الدولة العباسية، إلا أن كل شعره غزل، لا مديح فيه ولا هجاء ولا شيئاً من سائر ضروب الشعر … وشعره كله غاية في الجودة والانسجام والرقة، وله ديوان لطيف يتداوله الناس”.

يقول ابن تغري بردي عن العباس: إنه” حامل لواء الشعر في عصره، وكان معظم شعره في الغزل والمديح، وله أخبار مع الخلفاء، وكان حُلو المحاضرة مقبولاً عند الخاص والعام، وهو شاعر الرشيد”.

وقال فيه البحتري: “أغزل الناس”.

المبرد.. النحوي الكبير تناول العباس في كتاباته
المبرد.. النحوي الكبير تناول العباس في كتاباته

وقال الْمُبرِّد: “كان العباس من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاسقاً، وكان ظاهر النعمة ملوكي المذهب، شديد الترف، وذلك بيِّنٌ في شعره، وكان قَصَدَ الغزل وشَغَلَه النسيب، وكان حلواً مقبولاً غزلاً، غزير الفكر، واسع الكلام، كثير التصرف في الغزل وحده، ولم يكن هجَّاءً ولا مدَّاحاً”.

قال عنه ابن رشيق: إنه ” ممن أنِفَ عن المدح تظرُفاً، وقال فيه مصعب الزبيري: العباس عُمر العراق، يريد أنَّهُ لأهل العراق، كعُمر بن أبي ربيعة لأهل الحجاز، استرسالاً في الكلام، وأنفةً عن المدح والهجاء، واُشتُهِر بذلك، فلم يكُن يكلِّفه إيَّاه أحد من الملوك ولا الوزراء، وقد أخذ صلة الرشيد وغيره على حُسن التعزُّل ولطف المقاصد في التشبيب بالنساء”.

يروي الحصري عن أبي نواس قوله في وصف شعر العباس بأنَّهُ “أرقُّ من الوهم وأحسن من الفهم”.

لو كُنْتُ عاتبةً لسكَّن عَبْرتي.. أملي رضاكَ فزُرت غير مراقبِ

لكن مَلَلْتِ فلَم تَكُنْ لي حيلةٌ.. صَدُّ الملول خلافُ صدِّ العاتِبِ!

العباس بن الأحنف

وفاة العباس بن الأحنف:-

توفي العباس بن الأحنف ببغداد سنة 192هـ.

توفي العباس بن الأحنف في بغداد عام 207 هـ
بغداد في الثلث الأول من القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الأعلام (3/259).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (3/375).
  • سير أعلام النبلاء (9/98/رقم 32).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/430).
  • الشعر والشعراء (2/817/رقم 195).
  • طبقات الشعراء لابن المعتز (253).
  • معجم الأدباء (4/1481/رقم 627).
  • وفيات الأعيان (3/20/رقم 319).
  • موسوعة هارون الرشيد، الدكتور سعدي ضنَّاوي.
  • النجوم الزاهرة ج2 ص 128.
  • العمدة في صناعة الشعر ونقده ج 1 ص 52.
  • العقد الفريد.
  • أمالي المرتضى، غرر الفوائد ودرر القلائد.
Image by analogicus from Pixabay 
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق