أعلام

الطغرائي .. الشاعر والكيميائي والوزير

كان غزير الفضل لطيف الطبع، وكان ينعت بالأستاذ، آية في الكتابة والشعر وحسن المعرفة باللغة والأدب

اسمه ونشأته:

الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد، مؤيد الدين، أبو إسماعيل الأصبهاني، لقبه ” الطغرائي ” ، شاعر من الوزراء الكُتَّاب، وُلِدَ بأصبهان سنة 453هـ.

والطُّغْرَائي نسبة إلى من يكتب الطُّغْرَى، وهي الطرة التي تُكتب في أعلى الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ، ومضمونها اسم الملك الذي صدر الكتاب عنه، وألقابه، وهي لفظة أعجمية.

مكانته العلمية ومناصبه:

كان غزير الفضل لطيف الطبع، وكان ينعت بالأستاذ، آية في الكتابة والشعر وحسن المعرفة باللغة والأدب والنظم والنثر، أقوم أهل عصره بصنعة الأدب.

وكان محترماً، كبير الشأن، جليل القدر، خبيراً بصناعة الكيمياء، له فيها تصانيف أضاع الناس بمزاولتها أموالاً لا تحصى، وخدم السلطان ملك شاه بن أَلْب أرسلان، وكان منشىء السلطان محمد مدة ملكه متولي ديوان الطُّغْراء وصاحب ديوان الإنشاء، تشرفت به الدولة السلجوقية، وتشوّفت إليه المملكة الأيوبية، وتنقل في المناصب والمراتب، وتولى الاستيفاء، وولاه السلطان مسعود بن محمد السلجوقي وزارته، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية من يماثله في الإنشاء سوى أمين الملك أبي نصر العتبي، وله في العربية والعلوم قدر راسخ، وله البلاغة المعجزة في النظم والنثر.

ورد بغداد وأقام بها مدة طويلة، وكان يسافر مع العسكر إلى الجبال والري وأصبهان إلى أن شرف بفضله وكماله.

الطغرائي

شعره:

له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم، وكان قد نظمها ببغداد في سنة 505هـ، يصف حاله ويشكو زمانه، ومما قال فيها:

فيمَ الإقامُــــــــــــة بالزوراءِ لا سَكَني … بها ولا نــــاقتي فيها ولا جَملي

نَاءٍ عن الأهــلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ … كالسيـــفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ

فلا صديقَ إليه مشتكَى حــــــــــزَنِي … ولا أنيسَ إليــــــه منتَهى جذلي

طــــــــالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي … ورحُلهــــــــــا وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ

وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لمــــا … يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي

أُريدُ بسطـــــــــــــــةَ كَفٍ أستعينُ بها … على قضــــــــــــاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي

والدهرُ يعكِــــــــسُ آمالِي ويُقْنعُني … من الغنيمــــــــــــةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ

ومن رقيق شعره قوله:

يَا قَلْبُ مَالَكَ وَالهَوَى مِنْ بَعْدِ مَــــــا … طَـــابَ السُّلُوُّ وَأَقْصَرَ العُشَّاقُ

أَوَ مَـــــــا بَدَا لَكَ فِي الإِفَاقَةِ وَالأُلَى … نَازَعْتَهُم كَـــــأْسَ الغَرَامِ أَفَاقُوا

مَرِضَ النَّسِيْمُ وَصَحَّ وَالدَّاءُ الَّذِي … تَشْكُــــــــــــوهُ لاَ يُرْجَى لَهُ إِفْرَاقُ

وَهَــــــــذَا خُفُوْقُ البَرْق وَالقَلْبُ الَّذِي … تُطْوَى عَلَيْهِ أَضَــــــــــالِعِي خَفَّاقُ

وله أيضاً:

أجِمَّا البُكا يـــا مقلتَيَّ فإننَّـــــــــــــــا … على موعدٍ للبينِ لا شكَّ واقعِ

إِذا جمعَ العشاقَ موقفُهمْ غــــــداً … فواخجلتَا إنْ لم تُعِنِّي مــــدامعي

وقال أيضاً:

سأحجُبُ عنِّي أُسرَتي عِندَ عُسرَتي .. وأبرزُ فيهِـــــم إِنْ أصبتُ ثَــــراءَ

ولِيَ أُســـوةٌ بالبَدْرِ يُنفِقُ نـــــــورَهُ .. فيخفَى إِلى أن يستَجِدَّ ضيــــاءَ

وله أيضاً في أعدائه قوله:

مَن خَصَّ بالشُّـكرِ الصَّديقَ فإننَي .. أحبــــو بخالِص شُكري الأعداءَ

جعلوا التنافُسَ في المعالي شِيمتي .. حتى امتطيتُ بنعليَ الجـــــــــــوزاءَ

ونَعَــــوا عليَّ معايبي فحَذِرتُهــــا … ونفيتُ عن أخــــــلاقيَ الأقذاءَ

ولربمــــا انتفَعَ الفتَى بــــــعدوِّهِ .. والسُّــــــمُ أحيــــانـاً يكونُ دواءَ

براعة الطغرائي في الكيمياء:

كشف الطغرائي بذكائه سرَّ الكيمياء، وفك رموزها، واستخرج كنوزها، وله فيها تصانيف؛ منها:

  1. جامع الأسرار.
  2. تراكيب الأنوار.
  3. حقائق الاستشهادات.
  4. ذات الفوائد.
  5. الرد على ابن سينا في إبطال الكيمياء.
  6. مصابيح الحكمة.
  7. مفاتيح الرحمة.

وفاة الطغرائي:

كان الطغرائي وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وقد اقتتل السلطان مسعود وأخ له اسمه السلطان محمود، فظفر محمود وقبض على رجال مسعود، وفي جملتهم الطُّغْرَائي، فأراد قتله ثم خاف عاقبة النقمة عليه؛ لما كان الطغرائي مشهوراً به من العلم والفضل، فأوعز إلى من أشاع اتهامه بالإلحاد والزندقة فتناقل الناس ذلك، فاتخذه السلطان محمود حجة، فقتله ظلماً سنة 515هـ، وقيل: سنة 514هـ، وقيل: سنة 513هـ.

من كتابه “تراكيب الانوار”

وروي أنه لما عزم السلطان محمود على قتل الطغرائي أمر به أن يشدَّ إلى شجرة، وأن يقف تجاهه جماعة بالسهام، وأن يقف إنسان خلف الشجرة يكتب ما يقول، وقال لأصحاب السهام: لا ترموه حتى أشير إليكم، فوقفوا والسهام مفوّقة لرميه، فأنشد الطغرائي في تلك الحالة:

ولقد أقولُ لمن يســـــــــــــدِّدُ سهمَهُ … نحوي وأطــرافُ المَنِيَّةِ شُرَّعُ

والموتُ في لحظاتِ أخزرَ طرفُهُ … دوني وقلبــــــي دونَهُ يتقطَّعُ

باللّهِ فتِّشْ عن فــــــــــــــــؤاديَ أوّلاً … هَل فيه للسَّهمِ المُسَدَّدِ موضِــعُ ؟

أهوِنْ بهِ لو لم يكنْ في طَيِّــــــــــــــــهِ … عهــــدُ الحبيبِ وسرُّه المستودَعُ

فرقّ له وأمر بإطلاقه.

ثمَّ قال الشهاب أسعد وقد كان طغرائياً آنذاك نيابة عن النصر- أخي كمال الدين- : “هذا الرجل مُلحِد”، فقال الوزير: من يكُن ملحِداً يستحق أن يُقتَل”، وقد أقام أقواها فشهدوا عند السُّلطان محمود أن الطغرائي زنديق، وأنَّهُ لا يتديَّن بدين الإسلام، فقال السُّلطان” قد ثُبُت عندي فساد دينه واعتقاده”، فأمَرَ بقتله، فقُتِل بين يديه صَبراً في ربيع الأول من عام 515 هجرية، وكانت وزارته 13 شهراً، وقد جاوز السِّتين.

الطغرائي
ابن جبير يصف مآثر الموصل التي توفي فيها الطُّغْرَائي

المصادر:-

  • الأعلام (2/246).
  • ديوان الطغرائي ، علي جواد الطاهر، ويحيى الجبوري.
  • سير أعلام النبلاء (19/454/رقم 262).
  • معجم الأدباء (3/1106).
  • وفيات الأعيان (2/185).
  • مكتبة قطر الوطنية.
  • المكتبة الرقمية العالمية.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى