أعلام

الطرماح بن حكيم .. شاعر الخوارج

كان الفخر والهجاء هما الغرضين الطاغيين والأساسيين في ديوانه

بَرَز الطرماح بن حكيم من بين شعراء العصر الأمويّ، ونشأ في خِضّم ما اشتعل في ظلّ الخلافة الأموية من الفتن، والصراعات، والعصبيّة القبليّة، فتجلّت مواقفه السياسية والعَقَديّة بين طيّات أشعاره.

الطرماح بن حكيم – نبذة تعريفية:-

هو الحكم بن حكيم بن نفر بن قيس بن جحدر ابن ثعلبة، ينتمي إلى قبيلة طيء إحدى قبائل قحطان اليمانيّة، التي سكنت شمال نجد بين جبلي أجأ وسلمى، وهو أحد فُحول الشعراء الإسلاميين، وُلد في الشام، و أقام في الكوفة وتُوفي بها، كُنيته أبو نفر، أو أبو ضبية.

 لقبه الطرماح طغى على اسمه الأصلي، واشتهر به بين الناس، والطرماح هو الرجل الذي يرفع رأسه في شموخ زهوًا، أو طويل القامة، وكانت نشأته في بيت عز وشرف في قومه، وتزوج في مُقتَبَل عمره من امرأة تُدعى سُليْمة، أنجب منها ولدين.

كان جنديًا في صفوف الجيش، وكان ذلك سبيله إلى كسب عَيْشه، فكَثُر تجواله بين البلدان، تاركًا زوجه وأولاده، راحلًا إلى كرمان ثم قزوين، باحثًا عما يَسد عجزه الماديّ، وقلة ذات يده، وبالرغم من كثرة شكواه وتَملْمله من اضطراب أوضاعه المادية، إلا أن شخصيته لمْ تَخل من أَنَفَة الكِبر ونَبرة الاستعلاء، فتراه يقول:

أنا الشمسُ لما أن تغيَّب ليلُهــا .. وغــارت فما تبدو لعينٍ نجومها

أجرُّ خطاي في مَعَدٍّ وطيّء .. وأَغشمها، فَلْيَنهَ نفساً حليمُها

كما روى الجاحظ أنه عمل مؤدبًا للصبيان في الكوفة، فكان يأخذ بِلُبّ الحاضرين وكأنهم يُجالسون كبار العلماء، ومما أَغدق عليه الكثير من الأموال والعطايا، مدحه للولاة والملوك، فقد اتصل بالقائد الأموي يزيد بن المهلب الأزدي، وأطال مدحه لِيُغدق عليه العطايا والأموال، وكذلك مدح خالد بن عبد الله القسريّ والي هشام بن عبد الملك على العراق آنذاك، فأجزل له العطايا والهِبات.

مذهب الطرماح بن حكيم :-

دلّت كثير من أشعار الطرماح بن حكيم على أنه كان على مذهب الخوارج، وذلك بإجماع روايات المؤرخين، لكنه لم يكن زاهدًا لمتاع الحياة مثلهم، بينما اختلفت الروايات حول الفرقة التي ينتمي إليها تحديدًا، فقِيل الصفرية وقِيل أيضًا الأزارقة، وقد جمعت أواصر الصداقة المتينة بينه وبين الشاعر الكميت، على اختلافهما المَذهَبيّ والقَبَليّ؛ فكانت صداقتهما موضع دهشة كثير من الناس، حتى قِيل للكميت: “لا شيء أعجب من صفاء ما بينك و بين الطرمّاح على بعد ما بينكما من النَّسَب و المذهب و البلاد؛ هو شاميّ قحطانيّ خارجيّ و أنت كوفيّ نزاريّ شيعيّ”.

شعر الطرماح بن حكيم وديوانه:-

كان الفخر والهجاء هما الغرضين الطاغيين والأساسيين في ديوان الطرماح بن حكيم ، وكان شعره ولاسيما الهجاء يتّسم بروعةالأساليب، وأصالة التراكيب، وبدوية التعبير، شأنه شأن كثير من الشعراء الذين تجلّت النزعة البدوية في أشعارهم، مثل كعب بن زهير، وذي الرمة، والبحتري، ومن بديع فخره بنفسه وخَيْلائه قوله:

لقـد زادنــي حبــا لنفســـي أننــي .. بغيــض إلى كل امرىء غير طائل

مـلأت عليــه الأرض حتــى كأنهــــا .. مـن الضيق في عينيه كفة حابل

وإنــي شقـي باللئــــام ولاتــرى .. شقيـــا بهم إلا كريم الشمائل

وقد اشتهر الطرماح بهجائه المُقذع وعصبيته القَبليّة، وأكثر من هجاء القبائل المُعادية، وبخاصة قبيلة تميم التي كان لها نصيب الأسد من هجائه، وشاعرها الفرزدق الذي طاله أيضًا هذا الهجاء، ومن أشهر أبياته في ذلك، والذي اعتبره البعض أفحش ما قِيل في الهجاء قوله:

أرى الليــل يَجلــوه النهــار ولا أرى .. خـلال المخازي عن تميم تجلتِ

أقرّتْ تميم لابن دحمــة حكمــه.. وكــانت إذا سيمت هوانًا أقرتِ

تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطـــا.. ولــو سَلكت سبل المكارم ضلتِ

ولو أن برغوثًــا علــى ظهـر قملــة .. يكــرّ على صفيّ تميم لولتِ

ولم يَخل ديوانه من شعر المدح المُفعم بالحمية والحماسة، وبديع شعره في وصف البادية وما تَحفل به من مناظر ومشاهد، وأطلال، كما كَثُر في ديوانه الغزل التقليدي، وله مُقطّعات في شكوى الفاقّة والحاجة، والزهد والحكمة.

الطرماح بن حكيم عاش بين الشام والعراق

اهتمام واسع من قبل النقاد :-

ونظرًا لمتانة شعر الطرماح بن حكيم وفصاحته، فقد اهتم النقاد القدامي بدراسته، فاعتبره الأصفهاني من فحول شعراء الإسلام، وشهد له الشاعر ذو الرّمة بجودة شعره، وحظي شعره باهتمام علماء اللغة والنَحويين؛ لما تمتع به من فصاحة اللفظ ومتانة النّسج.

شعره السياسيّ :-

انخرط الطرماح بن حكيم في مُعتَرَك التيارات السياسية المُتطاحِنة في ساحة الحكم الأمويّ، فسخّر مَلَكَته الشعريّة لمهاجمة نظام الحكم لدوافعه السياسية والعَقَديّة، فصبّ على خصومه وابلًا من الهجاء المقذع، وعلى رأس هؤلاء الخصوم معاوية بن أبي سفيان، الذي توالتْ عليه حملات الطرماح الهجائية، ومنها أبياته التي يقول فيها:

أَبلِغ أَبا سُفيـــانَ وَالنَفــسُ تَنطَوي .. عَلى عُقَدٍ بَينَ الحَشا وَالجَوانِحِ

بِأَدنى مِنَ القَــولِ الّذي بُحتَ مُعلِنًــا .. بهِ لِامرِئٍ بِعَيبِكُم غيرَ بائِحِ

تُصَدِّقُ سيما هــاكَ جَرفَــكَ وِاِشتَــرِ .. بهِ مِنكَ بَيعًا بِعتَهُ غَيرَ رابِحِ

نُسَيـرَةُ ذو الوَجهَينِ لــو كــان يَتَّقي .. مِـنَ الذَمِّ يَومًا باقِياتِ الفَضائِحِ

ولكـنَّــــهُ عَبــدٌ تَقَعَّـــدَ رَأيَــــــهُ .. لِئـــــامُ الفُحولِ وارتِخاصُ النَواكِحِ

فُخُــذ مــا صَفـــا لا تَطلُــبِ الرَنــقَ إِنَّهُ .. يُكَـدِّرُهُ حَفرُ الأَكُفِّ المَواتِحِ

وما كُنتُ أَخشى بَعدَ وُدِّكَ أَن أَرى.. بِكَفَّي عَدُوّ بَينَنا زَندَ قادِحِ

وقَد يَستَحيلُ الرَحــلُ وَالرَحــلُ فائِتٌ .. إِذا طالَ بِالرَحلِ اِختِلافُ النَواضِحِ

متى ما يَسُوء ظَنُّ امرِئٍ بِصَديقِهِ.. وَلِلظَنِّ أَسبابٌ عِراضُ المَسارِحِ

يُصَــدِّقُ أَمـــورًا لَم يَجِئـهُ يَقينُهــا .. علَيـــهِ ويَعشَق سَمعُهُ كُلَّ كاشِحِ

وفاته:-

تُوفي الطرماح بن حكيم بعدما أَسَنّ، واختلفت الروايات حول تحديد سنة وفاته، فقيل: إنه توفي سنة 102 ھ وقيل أيضاً سنة 125ھـ.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت،1972.
  • ابن قتيبة،الشعر والشعراء، طبعة دار الثقافة، بيروت، 1980.
  • ابن النديم، الفهرست.
  • الجاحظ، البيان والتبيين.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى