أعلام

ابن مالك .. النحوي اللغوي الكبير صاحب الألفية

صرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين

اسمه ولقبه:-

هو: جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني بفتح الجيم نسبة إلى جيان بلد في الأندلس، حين كان بالمغرب الأندلسي، والشافعي حين انتقل إلى المشرق، النحوي اللغوي المشهور نزيل دمشق.

وقد عاش بين عامي 600 و 672 هجري.

ولادته:-

تشير أكثر الروايات إلى أن ابن مالك ولد في الأندلس، سنة 600 أو 601 هجرية، واقتصر الصفدي و ابن تغري بردي على أنه ولد سنة إحدى وستمائة، واقتصر ابن شاكر الكتبي والفيروز آبادي والسيوطي وابن كثير على سنة ستمائة هـ، وسمع من جماعة،

وأخذ العربية من غير واحد، وجالس بحلب ابن عمرون وغيره، وتصدر لإقراء العربية، ثم انتقل على دمشق وأقام بها يشغل ويصنف ويقرئ، وخالف المغاربة في حسن الخلق والسخاء والمذهب، فإنه كان شافعي المذهب وكان ابن مالك يكنى بأبي عبد الله، ويلقب بجمال الدين.

علمه وعمله:-

يعرف الإنسان من خلال أعماله، وإقبال الناس عليها، أو من أقوال العلماء ومن يعمل في المجال نفسه، وهذا بعض ما قيل عن علم ابن مالك:

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع يتحدث عن ابن مالك
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

قال عنه الذهبي: “صرف همته إلى إتقان لسان العرب، حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين، وكان إماماً في القراءات وعللها، وصنف فيها قصيدة دالية مرموزة في  مقدار الشاطبية، وأما في اللغة: فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل غريبها والاطلاع على وحشيها، وأما في النحو والتصريف: فكان فيه بحراً، لا يجارى حبراً لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو: فكان الأئمة الأعلام يتحيرون منه ويتعجبون من أين يأتي بها، وكان نظم الشعر سهلاً عليه، هذا مع ما عليه من الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل، وحسن السمت ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة وروى عنه النووي وغيره”.

أخلاقه وتدينه:-

كان ديناً عابداً صادق اللهجة، كثير النوافل، حسن السمت كامل العقل، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يصنف أو يقرئ قال الصلاح الصفدي “كان أمة في الاطلاع على الحديث، فكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن لم يكن فيه شاهد، عدل إلى الحديث، فإن لم يكن به شاهد، عدل إلى أشعار العرب” وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع يقول: “إن ابن مالم ما خلى للنحو حرمة”.

إنَّ الإمــــامَ جَـمـــالَ الدِّينِ فَضَّلَـهُ .. إلاهُــه ولنَشْرِ العِلمِ أهَّلَهُ

أملى كِــتاباً لهُ يُسَمَّــى الفَـــوائـدَ لَـمْ .. يَــزَلْ مُفيداً لذِي لبّ تأمَّلَهُ

فكُــلُّ مســألــةٍ في النَّحْــوِ يجمَعهـــا .. إنَّ الفوائدَ جمعٌ لا نَظِيرَ لهُ

سعد الدين بن محيي بن عربي (توفي 1258 م).

رحلاته وتصدره للتدريس والإفتاء:-

رحل ابن مالك من الأندلس إلى الشرق ونزل في القاهرة ثم رحل إلى الحجاز، ثم قدم دمشق، ثم توجه إل حلب، فنزل بها ثم بحماة، ثم قدم دمشق مستوطناً وكان قد تصدر بحلب لإقراء العربية وأم بالسلطانية، المسماة: بالظاهرية وهي مدرسة بحلب أسسها الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة ثلاث عشرة وستمائة هـ، ثم انتقل ابن مالك إلى دمشق يصنف ويشغل بالتدريس بالجامع وبالتربة العادلية، والعادلية: مدرسة سميت بهذا الاسم نسبة إلى الملك العادل أخي سلطان صلاح الدين الأيوبي المتوفى سنة خمس عشرة وستمائة هـ، وتولى ابن مالك مشيخة العادلية الكبرى التي من شرطها القراءات العربية.

شيوخ ابن مالك:-

شاع عند كثير من أهل العربية أن ابن مالك لا يعرف له شيخ في العربية ولا القراءات فقال ابن حبان فيه: “ولقد طال فحصي وتنقيري عمن قرأ عليه واستند في العلم عليه، فلم أجد من يذكر لي شيئاً من ذلك” ولقد جرى يوماً مع صاحبنا تلميذه علم الدين سليمان بن أبي حرب الفارقي الحنفي فقال: “ذكر لنا أنه قرأ على ثابت بن حيان من أهل بلده جيان وأنه جلس في حلقة الأستاذ أبي علي السلوبين نحو ثلاثة عشر يوماً وثابت بن حيان من أهل الجلالة والشهرة في هذا الشأن.

وإنما جلالته في إقراء القرآن وعلى كل حال، فقد أخذ عن أبي المظفر، وقيل: أبي الحسن ثابت بن محمد بن حيان، المعروف: بابن الطيلسان وعن الكلاعي من أهل لبلة وأخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوار، وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله بن مالك المرشاني، وله شيخ جليل هو ابن يعيش الحلبي.

الإدريسي يصف دمشف التي توفي فيها ابن مالك
صفحة من القرآن العظيم مكتوبة بالخط الأندلسي

وتلميذه: ابن عمرون وغيرهما بحلب، وتصدر بها لإقراء العربية، وأخذ بدمشق عن مكرم وأبي صادق الحسن بن صباح وأبي الحسن ابن السخاوي، وسمع منه ومن أبي الفضل مكرم بن محمد بن أبي الصقر وغيرهم.

تلاميذ ابن مالك:-

ومن تلاميذه: بهاء الدين النحاس، والشيخ النووي، والعلم الفارقي، والشمس البعلي وغيرهم كثيرون وناصر الدين بن شافع، وشمس الدين بن جعوان وعلم الدين البرزالي وغيرهم.

وروى عنه: ابنه الإمام (بدر الدين، والشمس بن أبي الفتح البعلي) والبدر بن جماعة والعلاء بن العطار، وخلق كثير.

تثليثُ با إصبَعٍ مَـعْ شكْل همزتِــهِ .. بغيــرِ قَيْدٍ معَ الأصبوعِ قد نُقِلَا

وأعْـطِ أنملـةً مَـــا نالَ الأصبـعُ إلَّا .. المـدَّ فالمدُّ للبا وحـدَها بُذِلَا

أُرْزٌ أرُزٌّ أُرُزٌّ صَــــــحَّ مَـــــعْ أرُزٍ … والـــــرُّزّ والرُّنْزُ قَـلَّ ما شِئْتَ لا عَذَلَا

لـدُنْ بتثليـثِ دالٍ لَـدْنِ لُـدْنِ لُـدُنْ .. ولَــدْ ولُدْ لَدْ لُدُنْ أولِيَتْ فَعِلا

ابن مالك.

أولاده:-

أنجب ابن مالك ولدين، الأول: بدر الدين محمد، وكان إماماً ذكياً، نحوياً عارفاً شافعياً يعلم النحو والبيان والعروض والأصول والمنطق، جيد المشاركة في الفقه والأصول حاد الخاطر، ومن تصانيفه: شرح ألفية والده وسماها: (شرح ابن الناظم) وشرح كافيته ولاميته وتكملة شرح التسهيل والمصباح في اختصار المفتاح في المعاني وروض الأذهان فيه.

وشرح الملحة وشرح الحاجية ومقدمة في العروض ومقدمة في المنطق، مات بالولنج كهلاً بدمشق يوم الأحد ثامن المحرم سنة ست وثمانين وستمائة هـ (686هـ) وتأسف عليه الناس.

وأما ولده الثاني هو: (تقي الدين محمد بن محمد المعروف بالأسد) صنف له والده المقدمة التي دعاها باسمه: (المقدمة الأسدية) ولم يحذق في النحو، كان طيب الصورة، يقرأ بالظاهرية، وغالب الظن أن وفاته كانت في حياة والده في حدود سنة تسع وخمسين وستمائة (659هـ).

تصانيف ابن مالك ومؤلفاته:-

لقد كان ابن مالك غزير الإنتاج له موهبة عظيمة ومقدرة فذة على التأليف، فكتب في النحو واللغة والعروض والقراءات والحديث، واستعمل النثر في التأليف، كما استخدم الشعر في بعض مؤلفاته، ومن أشهر كتبه في النحو: (الكافية الشافية) وهي أرجوزة طويلة في قواعد النحو والصرف.

وقد حاز ابن مالك قصب السبق في جميع الفنون المتقدمة، ومؤلفاته في هذه الفنون خير شاهد على ما ذكره أولئك الأعلام من وفرة علمه وسعة اطلاعه.

ومن هذه المصنفات والمؤلفات:-

  1. ألفية ابن مالك، التي اشتهرت في البلاد العربية وغيرها وهي المكونة من ألف بيت وقد كثر شراحها، وسماها (بالخلاصة) وعددها بالضبط بيتان وألف.
  2. تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، هو مختصر كتاب له اسمه: (كتاب الفوائد).
  3. لامية الأفعال أو كتاب المفتاح في أبنية الأفعال.
  4. الكافية الشافية: أرجوزة في النحو: سبعة وخمسون وألفان وسبعمائة (2757). بيت، وقيل: تقع في حوالي ثلاثة آلاف بيت من بحر الرجز.
  5. عدة الحافظ وعمدة اللافظ في النحو _أيضاً_ في باريس.
  6. سبك المنظوم وفك المختوم في النحو.
  7. إيجاز التعريف في علم التصريف.
  8. شواهد التوضيح وتصحيح مشكلات جامع الصحيح.
  9. كتاب العروض في الأسكوريال.
  10. تحفة المودود في المقصور والممدود، قصيدة همزية، فيها الألفاظ التي آخرها ألف.
  11. الألفاظ المختلفة: مجموع مترادفات في برلين.
  12. الاعتقاد في الفرق بين الصاد والضاد، قصيدة.
  13. الإعلام بمثلث الكلام: أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت.

وله في الحديث كتاب (شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح) وهو شروح نحوية لنحو مائة حديث من صحيح البخاري.

وله في اللغة: (لاميات الأفعال) و( الاعتضاد في الظاء والضاد).

فلعَلَّكَ لا تجدُ مؤلِّفَاً – مِمْن صنَّفوا في قواعِدِ العربية- قَد نالَ حُظْوَةً عِند النَّاسِ، والإقبال على تصانيفِهِ: قراءةً، وإقراءً، وشَرْحَاً، وتعليقَاً، مثل أبي عبد الله محمد بن جمال الدين بن عبد الله بن مالك، صاحِبِ التآليفِ المُفيدة، والتَّصنيفاتِ المُمْتِعَة، وأفْضَلِ مِنْ كَتَبَ في عُلومِ العَرَبيَّةِ من أهلِ طبقته عِلْمَاً، وأوسَعُهُم اطَّلاعاً، وأقدرهُم على الاستشهادِ لِمَا يَرَى من الآراء بِكَلامِ العَرَب، مَعْ تَصَوُّن، وعِفَّة، ودِين، وَكَمَالِ خُلُق.

— محمد محيي الدين عبد الحميد (1900-1972 م).

وفاة ابن مالك:-

كان ابن مالك إماماً، زاهداً، ورعاً، حريصاً على العلم وحفظه، حتى إنه حفظ يوم وفاته ثمانية أبيات من الشعر، واشتهر بأنه كثير المطالعة سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه، حتى يراجعه في مواضعه من الكتب، وكان لا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو القرآن الكريم، أو يصنف أو يقرئ القرآن، وظل على هذه الحالة حتى توفي في 12 من شعبان 672هـ، 21 من فبراير 1274م (الثاني عشر في شعبان، سنة اثنتين وسبعين وستمائة هجرية في دمشق) وصلي عليه بالجامع الأموي، ودُفِنَ بسفح قاسيون بالروضة قرب الموفق).

الإدريسي يصف دمشف التي توفي فيها ابن مالك
الإدريسي يصف دمشف التي توفي فيها ابن مالك

سَقَى اللهُ ربُّ العَْرْشِ قبرَ ابن مالكٍ .. سحــائبَ غُفْرَانٍ تغاديهِ هُطَّلا

فقد ضَمَّ شمْــلَ النَّحْـوَ من بعدِ شتِّـهِ .. وبيَّــن أقوالَ النُّحَـاةِ وفَصَّلَا

بألفيَّةٍ تُسمَى الخُلاصـةَ قد حَوَتْ .. خُـــلاصــةَ عِلْمُ النَّحْوِ والصَّرْفِ مُكَمَلَا

وكـــافيةٍ مشــروحــةٍ أصْبَحَتْ تَفِي .. لَعَمْـــرِي بالعلْمين فيها تسهّلَا

ومُختَصــرٍ سمَّـــاهُ عُمـــدةَ لاقِطٍ .. يَضُـــمُّ أُصول النَّحْوِ لا غير مجمَلَا

وبيَّن معنــــاهُ بشـــرْحٍ مُنقَّــــحٍ .. أفَــــادَ بهِ ما كَانَ لولَاهُ مُهْمَلَا

وآخــرُ سمَّـــاهُ بإكمـــال عُمْــدَةٍ .. فـــزَادَ عَليهـا في البُحُوثِ وعَلَّلا

بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنُّحَاة، جلال الدين السيوطي.

المصادر:-

ذيل مرآة الزمان لليونيني 3/76، والعبر للذهبي 5/300، وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي 2/52، والوافي بالوفيات للصفدي3/359، ومرآة الجنان لليافعي 4/173، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/67، والبداية
والنهاية لابن كثير 13/ 267، والبلغة في تراجم أئمة اللغة للفيروز آبادي 269، وغاية النهاية لابن الجزري 2/180، والنجوم الزاهرة لابن تغري 7/243.

https://majesticislam.files.wordpress.com/2010/02/a-muslims-prayer-namaaz.jpg

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى