أعلام

الصمة القشيري .. الشاعر الأموي والعاشق المُتيّم

متانةَ نَظمه تُغني عن الكَثرةِ، وتشهدُ ببراعته في الشعر ولاسيما الغَزَل

عاد أَدراجه خائبًا، وارتحلَ عن موطنه مُغاضبًا، بعدما لم ينلْ من الحبِّ المَنال، فلم يَصْفُ له العيشُ على أيّ حال، إنه الصمة القشيري ؛ شاعرُ الغَزَل الأمويّ.

من هو الصمة القشيري ؟

هو الصِّمَّة بن عبد الله بن الطفيل القشيري، والصِّمَّة في اللغة تعني المِقدام والشجاع كالأسد، وهو شاعرٌ أمويٌّ بدويٌّ مُقلٌّ، من الشعراء الإسلاميين، سكن بادية العراق، وكان فارسًا شجاعًا، عالِمًا بأيام ووقائعِ العرب، وكان أحد العشاق المُتيّمين، واشتهر بشعر الغزل، الذي نظمه في حبّ محبوبته ريّا العامرية، كان من أسرة ذات شأن ومكانة؛ فجدُّه هو قرَّة بن هُبيرة الذي كانت له صُحبة مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد كان أحد وفود العرب مع وفد قُشير الوافدين عليه، وقد أكرمه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأثنى عليه، واستعمله على صدقات قومه.

نَسَبه:-

الصمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

حب الصمة القشيري لابنة عمه:-

أحبّ الصمة القشيري من صَمِيمِ فؤاده إحدى بنات عمه، التي نشأت معه منذ الطفولة، وكانا يتذاكران معًا الأدب وملح الأشعار، واسمها ريا العامرية بنت غطيف، ولمّا كان الزواج هو الغاية الأسمى لكلِّ عاشقٍ صادقٍ؛ فقد خطبها من أبيها وأَلحَّ في طلبها للزواج، فتَعنَّتَ أبوها في طلب مهرها، لخلافات بينه وبين أبي الصمة، فمنعها إيَّاه، وزوَّجها من غيره الذي استطاع أن يُوفِّيها المَهر الذي حدده لابنته، مائة من النُّوقِ الحُمْر، وهو عامر بن بشر الجعفريَّ، وكان عامر دميمَ الخِلقَةِ، قبيحَ القَسَمات، قصير القامة، فكان الصمة يُعيّره ويذمّه ويُشبهه بالعِجلِ الذي يُدَهْدِه البَعْرة برجليه قائلًا:

فإن تُنْكوحها عامرًا لاطّلاعِكم ..

إليه يُدَهدِهكُم برِجليه عامرُ

وقد أصاب الصمة الحزن والألم لفراق محبوبته، وعلى ما يبدو أنها لم تكن تبادله مقدار الحبِّ الذي كان يكنّه لها، فزوجه أهله من امرأة من قومه، علّه يجدْ فيها السّلوان، واسمها جبرة بنت وحشي، غير أنها لم تحظَ في قلبه بمكان، ولم يستطعْ أن يَألفَ العيشَ معها، فأقام معها فترة يسيرة، ثم تركها عند قومه، وترك نجد بمن فيها، ورحل مغاضبًا إلى الشام، مُرددًا أشعاره في محبوبته العامرية فيقول:

أَقولُ لِصاحِبي وَالعيسُ تَهوي .. بِنا بَينَ المُنيفَةِ فَالضِمارِ

تَمَتَّع مِن شَميمِ عَرارِ نَجدٍ .. فَما بَعدَ العَشيَّةِ مِن عَرارِ

أَلا يا حَبَّذا نَفَحاتُ نَجدٍ .. وَرَيّا رَوضِهِ غِبَّ القُطارِ

وَأَهلُكَ إِذ يَحِلُّ الحَيَّ نَجدًا .. وَأَنتَ عَلى زَمانِكَ غَيرَ زاري

شُهورٌ يَنقَضينَ وَما شَعُرنا .. بِأَنصافٍ لَهُنَّ وَلا سَرارِ

فَأَمّا لَيلُهُنَّ فَخَيرُ لَيلٍ .. وَأَطوَلُ ما يَكونُ مِنَ النَهارِ

وقد حظى بحفاوةٍ في الشام، وانضمّ إلى صفوف المجاهدين في سبيل الله، لكن حبه لها ظلّ يسري في عروقه، وطَيْفُها يلاحقه ويُلازم أنفاسَه، فيُروى عن بعض بني عقيل وقد عاصرَ الصِّمَّة قال: رأيتُ الصمة القشيري جالسًا وحدَه يبكي ويحادِثُ نفسَه، ويقول: لا واللّٰهِ ما صدقتكَ فيما قالت، فقلت: ويحك! أَجُننت؟ مَن تلك التي تعنيها؟ فقال: تلك التي أقول فيها:

أَما وجَلالِ اللهِ لو تَذْكُرِينَني .. كَذِكْرِيكِ ما كَفَفْتُ للعينِ أَدْمُعا

فقالتْ بلى واللهِ ذِكْرًا! لو انَّهُ .. يُصَبُّ على الصَّخْرِ الأَصَمِّ تَصَدَّعا

وأَعْذِلُ فيهِ النَّفْسَ إذ حِيلَ دُونَهُ .. وتَأْبى إليهِ النَّفْسُ إلاّ تَطَلُّعا

سَلامٌ على الدّنيا فما هِيَ راحَةٌ .. إذا لم يَكُنْ شَمْلي وشَمْلُكُمُ معا

تميز الصِّمة القشيري بشعر الغزل.

مكانة الصمة القشيري الشعرية:-

كان رائدًا من روَّادِ مدرسةِ الغَزَل العُذزيّ في العصر الأمويّ، وإنْ كان لم يصلنا عنه الكثير من الأشعار؛ لكنّ جودةَ شعره، ومتانةَ نَظمه تُغني عن الكَثرةِ، وتشهدُ ببراعته في الشعر ولاسيما الغَزَل، وقد كان ذِكر حبه في أشعاره مقرونًا دائمًا بحنينه لدياره، واعتزازه بموطنه، الذي لم يُطقِ البقاء فيه بعد فراق محبوبته، لذا فأغراضه الشعرية تتمثل في : الغَزَل، والحنين إلى الوطن، والوصف.

يقول شوقي ضيف عن شِعر الصمة القشيري : ” كان شعره من جيّدِ الشعر وروائعه، وكان مسبوكَ النظمِ، مُكتملَ المعنى، وتشهد صوره الشعريّة ببراعته، ولاسيما في شعرِ الغَزَل”

ويقول إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزدي: لو أَقْسمتُ أن أحسن أبيات قِيلت في الجاهلية والإسلام في الغزل؛ هي قول الصمة القشيري ما حَنَثتُ، وذلك حين يقول:

حَنَنتَ إِلى رَيّا وَنَفسُكَ باعَدَت .. مَزارَكَ مِن رَيّا وَشِعبا كَما مَعا

فَما حَسَنٌ أَن تَأتِيَ الأَمرَ طائِعاً .. وَتَجزَعَ أَن داعي الصَبابَةِ أَسمَعا

بَكَت عَينِيَ اليُمنى فَلَمّا زَجَرتُها .. عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أَسبَلَتا مَعا

وَأَذكُرُ أَيّامَ الحِمى ثُمَّ أَنثَني .. عَلى كَبِدي مِن خَشيَةٍ أَن تَصَدَّعا

فَلَيسَت عَشِيّاتُ الحِمى بِرَواجِعٍ .. عَلَيكَ وَلَكِن خَلِّ عَينَيكَ تَدمَعا

وهناك من ينسب الأبيات السابقة لقيس بن الملوح، أو قيس بن ذريح، لكن الأغلب أنها للصمة القشيري كما تشير الكثير من المصادر.

وفاته:-

يقال إن الصمة القشيري مات في طبرستان لما خرج مع جيش المسلمين من الشام لغزو الديلم، وقُدِّرتْ وفاته نحو سنة 95ھ، وفي رواية عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال: حدثني رجلٌ مُسنٌّ من أهل طبرستان قال: بينما كنت أمشي يوًما في ضَيعةٍ لي، عامرةٌ بالفاكهة والزعفران وغير ذلك من الأشجار، وإذا أنا برجلٍ في البستانِ ذي ثيابٍ باليةٍ، فدنوتُ منه، وأصغيتُ إليه، فإذا هو يُهمهمُ بصوتٍ خفيٍّ ويقول:

تَعَزَّ بِصَبرٍ لا وَجَدِّكَ لا تَرى .. بَشامَ الحِمى أُخرى اللَيالي الغَوائِرِ

كَأَنَّ فُؤادي مِن تَذَكُّرِهِ الحِمى .. وَأَهلِ الحِمى يَهفو بِهِ ريشُ طائِرِ

وظلَّ يرددُ هذين البيتين حتى فاضتْ روحه، فسألتُ عنه فقيل لي: هذا الصمة بن عبدالله القشيري؛ شاعر الغزل المُتيّم.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

الأصفهاني، الأغاني، ج6، ص6-11.
● الزركلي، الأعلام، ج3، ص209.
● الصفدي، الوافي بالوفيات، ج16، ص193.
ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج6، ص371.
● فالح الحجية، الشاعر الصمة الشقيري.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى