أخبار العرب

الصعاليك.. اللصوص الشجعان النبلاء

يُسمَّون أيضاً العدَّائين؛ لأنهم كانوا مشهورين في سرعة العدو في النهب

تعريف الصعاليك وبيان سماتهم:-

الصعلوك لغةً: هو الفقير الذي لا مال له، ولا اعتماد.

و الصعاليك : هم شبان فقراء أمثال عروة بن الورد، وتأبَّط شرّاً، والسُّلَيْك بن السُّلَكَة، والشنفرى، ويُسمَّون أيضاً ذؤبان العرب؛ لأنهم يختطفون المال كما تختطفه الذئاب.

 ويُسمَّون أيضاً العدَّائين؛ لأنهم كانوا مشهورين في سرعة العدو في النهب والسلب.

سمات وخصائص معينة تميز بها الصعاليك.

استهداف الأغنياء مع الاحتفاظ بسمات الشجاعة والشرف:-

 رغم فقرهم؛ كان الصعاليك نبلاء لا يهجمون إلا على البخلاء من الأغنياء، فإذا وجدوا غنياً كريماً تركوه، وإن وجدوا غنياً شحيحاً هاجموه، فهم لصوص شرفاء ونبلاء، وتتردد في أشعارهم جميعاً صيحات الفقر والجوع، كما تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء الأشحاء، ويمتازون بالشجاعة والصبر عند البأس، والترفُّع والشعور بالكرامة في الحياة، ويُصوِّر لنا ذلك أبو خِرَاشٍ الهُذَليُّ، فيقول:

وإنِّي لأُثـــوِي الجـــوعَ حتَّى يَمَلَّني .. فيذهـب لم تَدْنَس ثيابي ولا جِرْمي

أردُّ شجـــاعَ البطــنِ قَـد تعلمينــه.. وأُوثِــرُ عبدي من عيالِكِ بالطّعمِ

مخافةَ أن أحْيَا برغـــمٍ وذلَّـــةٍ.. ولَلْمـــوتُ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ

أصناف الصعاليك:

يمكن تصنيف الصعاليك بناء على نوازعهم الداخلية إلى صنفين:

الصنف الأول: شخصية متمردة رأت في هذه الحركة فرصةً سانحةً تُظهِر فيها بطولتها الفردية، وتستغلها إلى أبعد حدٍّ في إرضاء ما في نفسها من نزعة شريرة.

عروة بن الورد .. رمز الشجاعة بين الصعاليك

الصنف الثاني: شخصية متمردة رأت أن يكون تمردها وسيلةً لغايةٍ هادفةٍ ونبيلةٍ، وهي رفع الظلم عن المظلومين، وتهيئة الفرصة للفقراء المهضومة حقوقهم؛ ليشاركوا سائر أفراد مجتمعهم في حياة اجتماعية كريمة، عن طريق إحداث نوع من المساواة؛ مثل: تأبَّط شرّاً، والشَّنْفَرى، وعروة بن الورد الذي لُقِّب بعروة الصعاليك؛ لأنه كان إذا شكا إليه فتى من فتيان قومه الفقر أعطاه فرساً ورمحاً، وقال له: “إن لم تستغنِ بهما فلا أغناك الله”؛ لذا كان عروةُ فارساً لا يرى نفسه إلا مع الفقراء، ولا يحبُّ إلا أن يكون الفقراء أقوياء، وكان يجمعُهم ويقومُ على أمرهم ويعطيهم إذا أخفقوا في غزواتهم، وفي هذا الصدد يقول:

ذريني للغِنـــى أسْعَــــى فـــــإنِّي … رأيــتُ النَّــاسَ شَرُّهمُ الفقيرُ

وأبعدُهـــــم وأهْونُهــــم عليهـــم … وإن أمْسى لَهُ حَسَبٌ وفيرُ

يُباعِدُه القريبُ، وتَزْدَرِيه.. حَلِيلتُه، ويَقْهرُه الصَّغيرُ

فلسفة الصعاليك في الحياة:

كان الصعلوك يبدأ فقيراً، ثم يحاول أن يتغلب على الفقر الذي فرضته عليه أوضاع اجتماعية أو ظروف اقتصادية، وأن يخرج من نطاقه ليتساوى مع سائر أفراد مجتمعه، ولكنه لا يسلك السبيل التعاوني، وإنما يدفعه موقفه البائس، وشخصيته غير المتعاونة إلى سلوك سبيل الصدام والصراع، فيتخلى المجتمع عنه، وتحرمه قبيلته حمايتها، ويعيش الصعلوك خليعاً مشرَّداً، أو طريداً متمرِّداً، حتى يلقى مصرعه.

العربي دائماً ما يحرص على إكرام وفادة الضيف
الصعاليك شكلوا ظاهرة اجتماعية اقتصادية امتدت حتى العصر العباسي

لقد استمرت مشكلة الصعاليك لفترة طويلة، يُغيرون ويأكلون ويُنفقون على أنفسهم وعلى من يرونه فقيراً مثلهم، ثم في أوقات الصفاء أو الكدر والعناء يبرعون فيما يبرع فيه العربي القديم، في الشعر، وقد ساعدهم على استمرار وجودهم طبيعة الجزيرة العربية القاسية، حيث الجبال والوديان الوعرة، وصعوبة اللحاق بهم، أو العثور عليهم بسهولة.

خصائصهم :-

تجمع بين مجموعات الصعاليك قواسم مشتركة فيما يلي أبرزها:

  • يترفَّعون عن العمل الوضيع من قبيل الوقوف بين قطعان الأغنام، حيث أنهم لا يرتضون لأنفسهم هذه المهنة، إذ يقول تأبط شراً في هذا السياق، وهو يشبِّه نفسه بذلك الطائر المائي الطويل المنقار الذي يقف في مستنقع من مستنقعات المياه الضحلة:

ولستُ براعي ثَلَّة قــام وَسطها ..

طويل العصَــا غُرْنَيـق صَحل مُرَسَّلِ

  • لا يرتضون لأنفسهم إلَّا تلك الأعمال الأساسية التي يقوم عليها المجتمع البدوي كالغزو والإغارة، ويقول تأبط شراً في هذا السياق:

متى تبغي مـــا دمتُ حيَّــاً مسلَّمــاً ..

تجدني مع المُسْتَرْعل المُتَعبْهِــلِ

  • كرمهم وجودهم وذلك على الرغم من حاجتهم، بل وفاقة بعضهم، وهنا يقول عروة بن الورد:

يُريح عليَّ الليــلُ أضيــافَ مـــاجد .. كريم ، ومالي سارحاً مــالُ مُقتِــر

أيهلــك معتــم وزيــدُ لــم أقَــــم .. علـــى نَدَب يومــاً ولي نفس مُخْطِـر

  • الاعتداد بأنفسهم وتمتعهم بالجرأة والشًّجاعة والقوَّة النفسية، وهنا يقول الشنفرى:

إذا خشغت نفس الجبــان وخَيَّمَــتْ ..

فلـي حيثُ يخشى أَن يجاوز مِخْشَفُ

  • سرعة العدو الخارقة، فأطلق عليهم أو الرُّجيلاء أو العدائين، فأصبح يقال: “أعدى من الشنفرى” ، و “أمضى من سليك المقانب”.
المؤرخ العراقي جواد علي

وقد كَوَّن الصعاليكُ عصاباتٍ تنقَّلَت من مكانٍ إلى مكانٍ تسلُب المارَّة، وتُغِيرُ على أحياءِ العَرَب، لترزِق َنفسَها ومَنْ يأوي إليها.. انضمَّ إليها الصعاليكَ من مُختلف القبائل، ولِكَوْنِ أكثر الصعاليك من الشُّبَّان الخَارجين على أعرافِ قومهم، ومن الذين لا يُبالون لا يخشون أحَدَاً؛ صاروا قوَّةً خُشِيَ مِنْهَا، وحُسِبَ لَهَا حِسَاب، خَاصَّة وفيها مُقاتلون شُجْعَان لا يعبأون بالموت، يفتِكُونَ بِمَنْ يريدُونَ الفتْكَ بهِ، وخافَهُم النَّاسُ وامتنعوا جَهْدَ إمكانهُم منَ التَّحَرُّش بِهِم ومعَادَاتِهِم، ومِنهم من قبل جوار الصَّعاليك وردَّ عنْهُم وأحْسَن إليِهم، فاستفادَ مِنْهُم واستفادوا منه.

— جواد علي ، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام.

مجتمع خاص بالصعاليك يتمتع بقانون خاص:-

وهكذا كان الصعاليك، شرذمة من العرب طحنهم الفقر، وكوَّنوا لأنفسهم مجتمعاً موازياً بقوانين خاصة بهم، ساعدهم عليها اتساع الجزيرة العربية، ووعورة مسالكها التي اتخذوها مسكناً لهم، وفوق ذلك وجود الظلم الطبقي الذي كان يرفع الناس على أصولٍ من الحسب والنسب والمال، فكانت إغارتهم مقاومةً وغصباً في آنٍ واحدٍ.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:

  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (1/375 وما بعدها).
  • الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي (24).
  • الصعلكة والفتوة في الإسلام (12).
  • قصة الأدب في الحجاز (425).
  • لسان العرب (10/455).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى