أعلام

الصاحب بن عباد .. الأديب والشاعر النبيل

جمع من الكتب ما يحتاج في نقلها إلى 400 جمل

اسمه ونشأته:-

إسماعيل بن عبَّاد بن عباس، أبو القاسم الطَّالَقَانِيُّ، وزير غلب عليه الأدب، لُقِّب كَافِيَ الكُفَاةِ، وُلِدَ في طَالَقَان إحدى بلاد الديلم المشهورة ( في إيران) سنة 326هـ.

هو الكاتب الوزير والأديب صاحب الصيت الذائع، أحد أعلام الكتابة الديوانية في المشرق.

لقِّب الصاحب لأنه صحب الملك مؤيد الدولة بُوَيْه بن ركن الدولة منذ حداثته، وقيل: لأنه صحب أبا الفضل بن العميد وتتلمذ على يديه.

تعليمه:-

نشأ في أصفهان التي تلقن فيها مبادئ القراءة والكتابة، كما حفظ القرآن الكريم، وحينما أصبح شاباً؛ انتقل إلى عاصمة البويهيين (الري) وأتيحت له الفرصة فيه للقاء عمالقة الأدب وأعلامه.

كما قرأ على لفيف من علماء عصره وأدبائه وروى عنهم، خصوصاً في العراق والري وأصبهان.

كما حالفه التوفيق بخدمة ابن العميد وزير ركن الدولة، ورئيس ديوان الكتابة في الري، فاتخذه ابن العميد مؤدباً للأمير مؤيد الدولة بن الملك ركن الدولة البويهي.

ابن العميد.. الشخصية الأدبية والسياسية الفريدة

وحرص الصاحب بن عباد على حضور المجالس الأدبية التي كان يقيمها ابن العميد للعلماء والأدباء والفلاسفة، فأفاد منها وأخذ عنه أصول صناعة الكتابة.

كما نهل الصاحب العلم من هذه الأسماء اللامعة:

  • أبو بكر بن كامل القاضي، أحد أصحاب محمد بن جرير الطبري، والذي كان من العلماء بالأحكام وعلوم القرآن والنحو الشعر وأيام الناس وتواريخ أصحاب الحديث.
  • أبو بكر بن مقسم العطار المقري النحوي، وكان من أعرف الناس بالقراءات وأحفظهم لنحو الكوفيين، وكان أحد أبرز أصحاب ثعلب النحوي.
  • أبو سعيد السيرافي، الذي قال عنه الصاحب “شيخ البلد، وفرد الأدب، وحسن التصرف، ووافر الحظ من علوم الأوائل”.
  • أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا: من أعيان أهل العلم وأفراد الدَّهر، والذي جُلِبَ إلى الري ليقوم بتدريس أبي طالب مجد الدولة بن فخر الدولة أبي الحسين بن بويه.

مناصبه:-

كان الصاحبُ وزيرا للملك المؤيد، ثم أصبح وزيراً لأخيه فخر الدولة، وقد نُكِبَ ونُفِيَ، ثم رُدَّ إلى الوزارة، ودام فيها 18 سنة، وافتتح خمسين قلعة لمخدومه فخر الدولة.

فحينما توفي الملك المؤيد سنة 373 هجرية؛ كان الصاحب موضع استشارة القواد، ورؤساء الدولة فيمن يخلف الملك على عرشه، فافترح الصاحب أن تكون الخلافة لفخر الدولة بن ركن الدولة ملك همذان والدِّينور، فضم مُلك أخيه إلى ملكه وثبَّت الصاحب في منصبه حيث الوزارة والصدارة ورئاسة الديوان، كما اتخذ الري عاصمة لمملكته.

وفي الأثناء؛ ظل الصاحب يدير شؤون فخر الدولة، ويوجه سياساته ويقود جيوشه، حتى واتته المنية سنة 385 هجرية بعد أن أصيب بالمرض.

حدود الدولة البويهية في العام 1000 ميلادية- اللون الأخضر الفاتح

مكانته العلمية:-

صحب الوزيرَ ابنَ العميد، وأخذ عنه الأدب، والشعر، والترسَّل، وكان الثاني من نوادر الدهر، علماً، وفضلاً، حزماً، وعزماً، وسؤدداً، ونبلاً، وسخاءً، وحشمةً، وعدلاً، وجودة رأي.

أعداد هائلة من الكتب:-

جمع الصاحب من الكتب ما يحتاج في نقلها إلى 400 جمل، ولما عزم على التحديث تاب، واتخذ لنفسه بيتاً سمَّاه بيت التوبة، واعتكف على الخير أسبوعاً، وأخذ خطوط جماعة بصحة توبته، ثم جلس للإملاء، وحضره الخلق، وكان يتفقد علماء وأدباء بغداد في السنة بخمسة آلاف دينار، وكان يُبْغِض من يدخل في الفلسفة.

فقد كان الصاحب يتملك مكتبة حافلة بأنفَس الكتب وأغلاها، بلغ تعدادها كما يقول هو نفسه: مائتين وستة الآف مجلد”، وقيل: إنها كانت حِمل سبعمائة بعير، وفي رواية الإمام جلال الدين السيوطي؛ فإن “كتب اللغة وحدها كانت حِمل ستين جملاً”.

ويقول الصاحب بن عبَّاد أثناء موازنته بين المنصب وذخيرته من الكتب: ” أنفذَ إليَّ أبو العبَّاس رقعةً في السِّر بخطِّ صاحبه نوح بن منصور صاحب خراسان، يريدني فيها الانحياز إلى حضرته ليُلقي إليَّ مقاليد ملكه، ويعتمدني لوزارته، ويُحَكِّمني في ثمرات بلاده، فكان فيما اعتذرتُ به من تركي امتثال أمره والصَّدرِ عن رأيه؛ ذكرُ طول ذيلي، وكثرة حاشيتي، وحاجتي لنقل كُتُبي خاصَّة إلى أربعمائة جمََل، فما الظَّنُ بما يليقُ بها من تجمُّل مثلي؟

كان الصاحب بحاجة إلى 400 جملاً لحمل كتبه

مرجعية للشعراء أيضاً:-

واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح، وكان حسن الأجوبة، ومن ذلك ما مدحه به البُستِيّ:

يَا مَنْ أَعَــادَ رَمِيمَ الْمُلْــــكِ مَنْشُــوْراً … وَضَمَّ بِالرَّأْيِ أَمْــراً كَانَ مَنْشُــوْراً

أَنْــــتَ الوَزِيْرُ وَإِنْ لَــمْ تُؤْتِ مَنْشُــوْراً … وَالْمُلْكُ بَعْدَكَ إِنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ شُوْرَى

وله رسائل بديعة عُرِفَت باسم «رسائل الصاحب بن عبَّاد»، وله شعر ذو ونظم جيد؛ منه:

وشادنٍ جمالُهُ .. تَقصِرُ عنهُ صِفتي

أهوى لتقبيل يدي .. فقلْتُ: قَبِّلْ شَفَتِي

أقوال العلماء فيه:

قال الثعالبي: “ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر؛ لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه”.

قال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: “مع شُهرته بالعلوم وأخذِه من كل فنٍّ منها بالنصيب الوافر، والحظِّ الزائد الظَّاهر، وما أوتيه من الفصاحة، ووُفِّقَ لحُسن السياسة والرجاحة، مُستغن عن الوصف، مُكتف عن الإخبار عنه والرَّصف”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

وقال عنه ابن خلدون في تاريخه: ” أوحد زمانه علماً وفضلاً”.

كتبه ومؤلفاته:-

  1. الكافي، في الرسائل.
  2. الأعياد وفضائل النيروز.
  3. الإمامة، يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويُثْبِت إمامته على من تقدمه؛ لأنه كان شيعياً معتزلياً.
  4. الوزراء.
  5. الأمثال السائرة من شعر المتنبي.
  6. الكشف عن مساوئ شعر المتنبي.
  7. الإقناع في العروض وتخريج القوافي.
  8. رسالة في أحوال عبد العظيم الحسني.
  9. عنوان المعارف وذكر الخلائف.
  10. الأسماء الحسنى.
  11. الإبانة عن مذهب أهل العدل.
  12. جوهرة الجمهرة، واختصر بها كتاب الجمهرة لابن دريد.
  13. الفرق بين الضاد والظاء.
  14. رسالة في الهداية والضلالة.
  15. رسالة في الطب.
  16. الروزنامجة.
  17. الفصول الأدبية.
  18. التذكرة في الأصول الخمسة.
  19. المحيط: وهو المعجم الضخم، والذي سار فيه مؤلفه على منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي في “العين”، سواءً فيما يتصل بتسلسل الحروب مقسَّمة على مخارجها الصوتية، أو بترتيب الأبواب داخل كل حرف، ابتداءً بباب المضاعف الثنائي، ثم باب الثلاثي الصحيح، ثم باب الثلاثي المعتل، ثم باب اللفيف، ثم باب الرباعي، ثم باب الخماسي.

وفاته التي أحدثت أصداءً كبيرة:-

مات بالري في شهر صفر، سنة 385هـ، ونُقِلَ إلى أَصْبَهَانَ، ويقول المؤرخون : “لم يُبجَّل أحدٌ في وفاته كما كان في حياته غير الصاحب، فإنه لمَّا توفيَ أُغلِقت له مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحَضَر مخدومه الملك فخر الدولة وسائر القوَّاد وقد غيَّروا ملابسهم”.

المصادر:

الأعلام (1/316).

سير أعلام النبلاء (16/511/رقم 377).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/449).

يتيمة الدهر (3/225/رقم 16).

المحيط في اللغة للصاحب بن عباد، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين.

الكتب ، أخبار ونوادر من عالم الأدب والتراث، إعداد عبد الرحمن يوسف الفرحان.

أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، أحمد عبد الهادي.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق