أعلام

الشيخ محمد عبده .. المصلح الاجتماعي والديني

عمل على جمع الطلبة بين المناهج الشرعية والعلوم العصرية، وكذلك عمل على إنشاء جمعية خيرية إسلامية، وجمعية إحياء الكتب

يعد الشيخ محمد عبده أشهر مصلح اجتماعي وديني، فتُرى من هو؟ وكيف كانت حياته؟ وما هو نتاجه الأدبي.

حياة الشيخ محمد عبده :-

وُلد الشيخ محمد عبده سنة 1849 م في قرية “حصة شبشير” إحدى قرى مديرية الغربية، ويقال إن والده هاجر إليها من قريته الأصلية “محلة نصر” إحدى قرى مديرية البحيرة؛ بسبب ظلم الحكام، وقد عاد إليها مرة أخرى مع زوجته وابنه.

دراسة الشيخ محمد عبده :-

لقد كان والد محمد عبده حريصًا على تعليم ابنه، فأحضر له المعلمين بالبيت ليعلموه القراءة والكتابة، كما علمه الفروسية وركوب الخيل.

 ثم أخذه إلى طنطا ليتعلم القرآن الكريم ويجوده على أشهر المُقرئين هناك، وهو في الثالثة عشر من عمره.

فحفظ اليافع القرآن الكريم في سنتين، ثم ألحقه والده بالأزهر الشريف ليكمل دراسته الدينية، اكنه لم يفلح في الدراسة والتحصيل هناك، ليس بسبب غبائه، فقد كان ذكيًا فطنًا، وإنما بسبب عقم المناهج وتعقيدها، فقد كان يدرس في ذلك الوقت “شرح الكفراوي على متن الأجرومية”، ولم تكن طريقة الشيخ في الشرح إلا لتزيده تعقيدًا، فمحمد عبده يرى الشيخ يبدأ بشرح “بسم الله الرحمن الرحيم” وما فيها من أوجه وإعرابات متعددة، والطلبة لم تدرس بعد الاسم والفعل والحرف ولم تفرق بينهم.

لم يستطع عبده تحمل هذه الطريقة العقيمة للتعليم في الأزهر آنذاك، فعاد إلى قريته، فزوجه والده.

الشيخ محمد عبده سعى لتحقيق الإصلاح الإجتماعي والديني.

عودته إلى تحصيل العلوم:-

لم ينسَ والد الشيخ محمد عبده رغبته في تعليم ابنه، فأرسله مرة أخرى إلى طنطا، فمكث عند أخوال أبيه في قرية قريبة من طنطا، وهناك التقى محمد عبده بشيخ اسمه درويش خضر وصل إلى ليبيا، والتقى بالشيخ السنوسي، وأعجب محمد عبده بدروس ذلك الشيخ، ودرس معه بعض الرسائل الصوفية.

وقد كان لأسلوب هذا الشيخ وسعة أفقه أثر كبير في تحول محمد عبده من فتى عابث إلى طالب علم حريص على الدرس والتحصيل.

أكمل الشيخ عبده ما رسمه له والده، فرحل إلى طنطا وتعلم على شيوخها، ثم تحول إلى الأزهر الشريف، وأخذ ينهل من علومه الدينية واللغوية، وفي كل عام يعود إلى قريته، ويذهب للشيخ درويش ليشحن روحه، وكان الشيخ واسع الأفق، فكان يسأل محمد عبده هل درست الحساب؟ هل درست المنطق؟

لقد لفت كلام الشيخ خضر محمد عبده إلى ضرورة دراسة هذه العلوم، وكان في مصر شيخ في الفلسفة يدعى حسن الطويل، انتظم محمد عبده في الدراسة عليه.

لقاء محمد عبده بالأستاذ جمال الدين الأفغاني :-

نزل جمال الدين الأفغاني مصر سنة 1871، وكان يحمل معه رسائل جديدة يبثها بين الناس للنهوض العرب ووقوفهم ضد الاحتلال والمحتلين، وكان يلقى محاضراته في المقاهي وفي بيته.

فالتقى به محمد عبده، وأعجب به إعجابًا شديدًا لسعة أفقه، وغزارة علمه، وكما كان الشيخ خضر هو الدافع له في تحصيل العلوم الدينية، فقد كان الأفغاني هو المحرك له في تحصيل العلوم الفكرية والفلسفية.

وقد أعجب الأفغاني بمحمد عبده كذلك، وكأنه شعر أنه سيحمل اللواء من بعده في مصر.

السيد جمال الدين الأفغاني من أبرز الفلاسفة المسلمين، وأحد أعلام النهضة والإصلاح، دعا إلى التمسك بالقومية والعروبة، وإنشاء جامعة إسلامية تضم جميع المسلمين...
الشيخ محمد عبده تقرَّب من السيد جمال الدين الأفغانيأحد أعلام النهضة والإصلاح.

حياة محمد عبده الوظيفية:-

تخرج محمد عبده من الأزهر الشريف سنة 1877، وأصبح يدرس فيه العقائد والفلسفة، وألف حاشية على شرح كتاب “العقائد العضدية”، ودرس للطلبة كتاب “تهذيب الأخلاق”، إلى جانب كتابته في جريدة الأهرام، ثم عين في مدرسة دار العلوم مدرسًا للتاريخ، وكان يدرس فيها مقدمة ابن خلدون، وعين في مدرسة الألسن مدرسًا للعربية.

تولي الخديوي توفيق الحكم في مصر:-

بعدما عُزل الخديوي إسماعيل، وتولى ابنه الحكم في مصر، رأت بطانته أن وجود جمال الدين الأفغاني خطر كبير، لما يؤجج من ثورات، فرحل عن البلاد، وأقيل محمد عبده من وظيفته، لأنه كان يوافق الأفغاني في الأفكار والمبادئ.

ولما تولى رياض باشا الحكومة كان يعطف على الشيخ محمد عبده، فأسند إليه تحرير الجريدة الرسمية للدولة، وهي جريدة الوقائع المصرية، فنهض بها محمد عبده، ولم يقصرها على تحرير الأخبار السياسية، وإنما جعلها جريدة إصلاحية، تناول فيها موضوعات عن البر والأعمال الخيرية، وضرورة وجود الشورى في الحكم، واستعان الشيخ محمد عبده بتلاميذه في تحريرها، ومن أهمهم : سعد زغلول.

قيام الثورة العُرابية :-

قامت الثورة العرابية في مصر، وكان الشيخ محمد عبده منهاضًا لها في بداية الأمر؛ لخوفه من عواقبها، ثم لما رأى التدخل الأجنبي، سار من مؤيديها وزعمائها.

ولما أخفقت الثورة حُوكم مع زعمائها، فنُفي ثلاث سنوات خارج القطر، فتوجه إلى بيروت وصار يُدرس هناك، ثم استدعاه الأستاذ جمال الدين الأفغاني إلى باريس، فلبى دعوته، وأصدرا معًا صحيفة العروة الوثقى، وكان محمد عبده يطلق فيها رسائله الإصلاحية والفلسفية، فتدخلت فرنسا وإنجلترا لإيقافها لما تهيج عليهما الشعوب، فعاد مرة أخرى إلى بيروت، ودرس شرح “مقامات بديع الزمان الهمذاني” و”نهج البلاغة”، وألف رسالته في التوحيد وتفسير جزء عم، وشرح البصائر.

صدور العفو عنه، وعودته إلى أحضان الوطن:-

لما تولى رياض باشا الوزارة مرة أخرى، سعى لصدور العفو عنه، فقد كان يقدره تقديرًا عظيمًا، فعُفي عنه وعاد إلى رحاب الوطن سنة 1888، وأخذ يتنقل في مناصب القضاء حتى عُين مستشارًا في أحد المحاكم، ثم عُين مفتيًا للديار المصرية سنة 1899 وظل كذلك حتى وفاته.

ملخص أعمال الشيخ محمد عبده بعد عودته لمصر:-

  • لم ينسَ محمد عبده دعوته إلى الصلاح، فاهتم بالإصلاح الديني والسياسي، وكتب مقالات في عدة صحف منها “المقتطف” و”الأهرام” و”المنار”.
  • كما واصل جهوده في تدريس الطلبة في الأزهر الشريف، فكان يدرس لهم في البلاغة كتابي عبد القاهر الجرجاني “دلائل الإعجاز” و “أسرار البلاغة”
  • وكذلك كان يفسر القرآن الكريم تفسيرًا يواكب روح العصر، ولا يقيد نفسه بتفسير من قبله.
  • وكان شديد الإعجاب بالمعتزلة وآرائهم.
  • وقد حاول إصلاح التعليم في الأزهر، وكذلك إصلاح طرق التدريس، وعمل على جمع الطلبة بين المناهج الشرعية والعلوم العصرية، وكذلك عمل على إنشاء جمعية خيرية إسلامية، وجمعية إحياء الكتب.

لكل عالم هفوة :-

إن أكبر مأخذ أُخذ على الشيخ محمد عبده بعد عودته من المنفى هو مهادنة الإنجليز، وكأنه شعر مثل كثير من المصريين في ذلك الوقت أنه لا أمل في الخلاص من ذلك المحتل الغاصب.

مقالاته :-

لم يكن الشيخ محمد عبده مصلحًا اجتماعيًا ودينيًا فقط، وإنما يمكن اعتباره من مصلحي النثر العربي.

لقد بدأ محمد عبده حياته الأدبية منذ كان طالبًا في الأزهر بالقاهرة، ومن يقرأ مقالاته في هذه الفترة سيحكم أن دائرة اطلاعه متوسطة، وسيرى أن مقالاته مقيدة بقيود السجع وتكلف البديع، ومن هذه المقالات مقال “مقال الكتابة والقلم”

“لما انتشر نوع الإنسان في أقطار الأرض، وبعد ما بينهم في الطول والعرض، مع ما بينهم من المعاملات، ومواثيق المعاقدات، احتاجوا إلى التخاطب في شئونهم مع تنائي أمكنتهم وتباعد أوطانهم، فكان لسان المرسل إذ ذاك لسان البريد، وما يدريك هل حفظ ما يبدئ المرسل وما يعيد، وإن حفظ هل يقدر على تأدية ما يريد، بدون أن ينقص أو يزيد، أو يبعد القريب أو يقرب البعيد، فكم من رسول أعقبه سيف مسلول، أو عنق مغلول، أو حرب تخمد الأنفاس، وتعمر الأرماس، ومع ذلك كان خلاف المرام ورمية من غير رام…. فالتجئوا إلى استعمال رقم القلم، ووكلوا الأمر إليه فيما به يتكلم”.

لم يكن الشيخ محمد عبده الوحيد الذي كتب بهذه اللغة الملتوية، التي لا هم فيها إلا حشد المترادفات، والسجع والطباق، مع بساطة الفكرة، فقد كان ذلك الأسلوب هو السائد في ذلك الوقت.

ولأن شيخنا كانت صلته وثيقة بالكتب القديمة، وبخاصة عندما درّس مقدمة ابن خلدون، فقد رأى أن هناك طريقة أخرى للكتابة توضح المقصود، فلما أسند إليه تحرير الوقائع المصرية، حرر المقالات من قيود السجع والبيع، واستعمل النثر المرسل، بل وعمل على نشر تلك الطريقة بين تلاميذه، ومع اتساع ثقافة الشيخ محمد عبده، واطلعه على المترجم من الثقافات الأخرى، وتعلمه للغة الفرنسية، فقد بلغ النثر لديه درجة من النضج.

ومن النماذج التي يتضح فيها ذلك ما كتب في إحدى المقالات :”ومعلوم أن الشرع لم يجيء ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام ولا طريقة معروفة للشورى عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها، فالشورى واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين، فاختيار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز كما هو القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته، غير أننا إذا نظرنا إلى الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه وهو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يُؤمَر فيه. ندب لنا أن نوافق في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر الأمم التي أخذت هذا الواجب نقلًا عنا وأنشأت له نظامًا مخصوصًا متى رأينا في الموافقة نفعًا ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة وأن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غاية الصواب وأدنى إلى ضمان المنافع ومجالبها على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوبًا شرعيًا.”

إن هذا الجزء من مقال الشيخ محمد عبده يصور لنا التحول الساحر في أسلوب الشيخ من الناحية الفكرية والفنية، فقد حرر المقال من ذلكم البديع المتكلف، وأصبح يستعمل الألفاظ الجزلة، والأسلوب المرسل، ويقنع القارئ بما يريد.

لقد كان الشيخ محمد عبده إن جاز لنا التعبير مصلح في كل شيء، فهو مصلح اجتماعي وديني وأدبي، فإذا كان البارودي صاحب الفضل في نهضة الشعر، فلا شك أن محمد عبده هو صاحب الفضل في نهضة النثر والمقالات.

مصر قدَّمت عبر تاريخها علماء وأدباء وفلاسفة كبار.

اقرأ أكثر حول نظرية الربيعي لجغرافيا الحدث التوراتي

المصادر:-

الأدب العربي المعاصر في مصر، ص 218 : 227، الطبعة العاشرة، دار المعارف.

الجامع في تاريخ الأدب العربي، الأدب الحديث، لحنا الفاخوري، ص81: 84، دار الجيل بيروت، طبعة أولى.

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى