أعلام

الشيخ محمد رشيد رضا .. أحد أبرز رواد الإصلاح والنهضة

مجلة المنار كانت في عصرها أكبر مجلة إسلامية

اسمه ونشأته:-

الشيخ محمد رشيد رضا هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بَهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل، الحسيني النسب، أحد رواد الإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي، وُلِدَ في القلمون اللبنانية سنة 1282هـ-1865م، ونشأ فيها.

تبلور أفكاره:-

كان الشيخ محمد رشيد رضا متأثراً بأفكار ومنهج حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ذات الطابع الزهدي التصوفي، ثم حصل هناك تحوُّل في حياته وذلك حينما بلغ الثامنة والعشرين من عمره، وذلك بعد أن واظب على قراءة بعض أعداد مجلة “العروة الوثقى” التي أصدرها كل من الشيخ جمال الدين الأفغاني (توفي 1897 م) و تلميذه الشيخ محمد عبده (توفي 1905 م) في باريس، حيث بثت فيه روحاً جديدة، فأضحى شخصاً حريصاً على الموازنة بين الدين والدنيا والفرد والمجموع والحضارة والشعائر، وحامل لواء الإسلام المجاهد في سبيل إصلاح أحوال المسلمين.

وقال في هذا الصدد: “ثمَّ إني رأيتُ في محفوظات والدي بعض نسخ (العروة الوثقى)، فكان كل منها كسلكٍ من الكهرباء اتصل بي فأحدث في نفسي من الهزَّة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قَذَفَ بي من طورٍ إلى طور، ومن حال إلى حال..، كان الأثر الأعظم لتلك المقالات الإصلاحية الإسلامية، و يليه تأثير المقالات السياسية في المسألة المصرية، والذي علمته من نفسي ومن غيري ومن التاريخ أنَّهُ لم يوجَد لكلامٍ عربي في هذا العصر، ولا في  قرون قبله بعضُ ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب، والإقناع من العقبل، ولا حدَّ للبلاغة إلَّا هذا..”.

محمد رشيد رضا.

مكانة الشيخ محمد رشيد رضا العلمية:-

صاحب مجلة «المنار» وأحد رجال الإصلاح الإسلامي، وهو من الكُتَّاب، ومن العلماء بالحديث، والأدب، والتاريخ، والتفسير.

تعلم في القلمون وطرابس، وتنسك، ونظَّم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315هـ، فلازم الشيخ محمد عبده، وتتلمذ له، وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت.

إنَّ الله بَعَثَ لي بهذا الشَّاب ليكون مدَدَاً لحياتي، ومزيداً في عُمري، إن في نفسي أموراً كثيرة أريد أن أقولها أو أكتبها للأُمَّة، وقد اُبتُليتُ بما يشغلني عنها، وهو يقومُ ببيانها الآن كما أعتقد وأُريد، وإذا ذكرتُ له موضوعاً ليكتبَ فيه، فإنَّهُ يكتبه كما أُحِب، ويقول ما كُنتُ أُريدُ أن أقول، وإذا قُلتُ له شيئاً مُجمَلاً بَسَطَهُ بما أرتضيه من البيان والتفصيل، فهو يتم ما بدأت ويُفصِّل ما أجملت.

محمد عبده يتحدَّث عن محمد رشيد رضا.

ثم أصدر مجلة «المنار» لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي.

وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة، ولما أُعلِنَ الدستور العثماني سنة 1326هـ زار بلاد الشام، واعترضه في دمشق وهو يخطب على منبر الجامع الأموي أحد أعداء الإصلاح، فكانت فتنة، عاد على أثرها إلى مصر.

وأنشأ مدرسة الدعوة والإرشاد، ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين، وانتُخِبَ رئيساً للمؤتمر السوري فيها، وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها سنة 1920م، فأقام في وطنه الثاني مصر مدة.

ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوربا، وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في سيارة كان راجعاً بها من السويس إلى القاهرة.

كتب الشيخ محمد رشيد رضا:-

مجلة المنار:

أصدر منها 34 مجلداً، صدر أول عدد منها بتاريخ 22 شوال، سنة 1315هـ، وكانت في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي، وأعظمها صيتاً، وأكثرها تأثيراً، ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في الصحافة الإسلامية، على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عاماً، وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان، وقد أحدث صدورها دوياً هائلاً ونشاطاً واسعاً، وتغيراً في الرأي والتفكير.

كانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، وهو إما بقلم الشيخ محمد عبده أو سائر على طريقته، ثم تأتي فتاوى المنار، حيث تنشر فيها الإجابات على الأسئلة التي تتناول أموراً فقهية أو اعتقادية تلقاها الشيخ رشيد من قرائه، ثم تأتي بعد ذلك بعض المقالات الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية، أو بعض الخطب المهمة للشيخ رشيد أو لغيره من كبار الخطباء، ومن الأبواب الثابتة التي كانت تلتزم بها المجلة (باب المراسلة والمناظرة)، وباب بعنوان: (آثار علمية وأدبية)، وباب للأخبار والآراء، وآخر بعنوان (تراجم الأعيان).

ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيراً من المقالات عن السنن الكونية، والطب والصحة، وأفردت مساحات للأدب والشعر والقصة الطريفة، والبحث اللغوي الشائق، وكانت تنقل عن المجلات الأخرى عيون مقالاتها أو بحوثها الجيدة، مثل: مجلة «المقتطف»، وصحيفة «المؤيد»، والتزمت أمانة النقل فكانت تذكر المصدر الذي أخذت عنه.
لم يكن وراء مجلة المنار العظيمة مؤسسة تنفق عليها وتشرف على طبعها وتحريرها، بل كان يقف وراءها رجل عصامي وإمام فقيه ومجاهد عظيم هو الشيخ محمد رشيد رضا.

الرسائل التي طرحتها “المنار”:-

مثلت “المنار” الإنجاز الأكثر أهمية للإحياء والتجديد الإسلامي خلال مسيرة الشيخ المصلح محمد رشيد رضا، فقد حملت أعدادها جملة رسائل ومضامين من بين أبرزها:

  • تزكية الخيار الإسلامي الوسطي لأجل تحقيق النَّهضة الإسلامي والشرقية، رافضة الجمود الذي يقتفي أثر السَلَف، والتَّبَعية التي تُقلِّد النموذج الحضاري الغربي.
  • تنقية العقيدة من شبهات الشِّرْك الجلي والخفي، ومن البِدَع والخُرافات.
  • الدِّفاع عن الشريعة الإسلامية وعلومها، وعن اللُّغة العربية العربية وعلومها وآدابها وفنونها.
  • تبصير الأُمَّة بالفروق بين الدين الإلهي المقدَّس والمعصوم، والمُلزم وبين العادات والتقاليد والأعراف.
  • التحذير من تقليد الحضارة الغربية (الغازية) مع الحضَّ على تعلُّم علوم الغرب الذي أدى به إلى التقدُّم.
  • الحث على الإصلاح الاقتصادي الذي يفضي إلى تحرير اقتصادات العالم الإسلامي من أغلال النهب الاستعماري الغربي.
  • التأكيد على ضرورة  ترتيب الأولويات في الإصلاح، بدءاً من إصلاح مناهج الفكر والمؤسَّسات التي تصنع العقل المسلم، وتصوغ الوجدان الإسلامي.
  • النظر إلى السياسة بمنظار عالمية الإسلام، وعالمية الأُمَّة الإسلامية.
  • نشر ديوان تجديد وإبداع الإمام الإمام محمد عبده في تحرير العقل من قيود الجمود والتقليد.
  • إعادة نشر مقالات “العروة الوثقى”، ومقالات الإمام محمد عبده التي تم نشرها فيما سبق في “الوقائع المصرية” نظراً لأن “المنار” تعتبر امتداداً لهذا الاتجاه.

مؤلفات الشيخ محمد رشيد رضا الأخرى:-

  • تفسير القرآن الكريم: اثنا عشر مجلداً منه، ولم يكمله.
  • تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده.
  • نداء للجنس اللطيف.
  • الوحي المحمدي.
  • يسر الإسلام وأصول التشريع العام.
  • الخلافة.
  • الوهابيون والحجاز.
  • محاورات المصلح والمقلد.
  • ذكرى المولد النبوي.
  • شبهات النصارى وحجج الإسلام.

تحذيره من المخاطر التي تحيط بالأُمَّة:-

حرص الشيخ محمد رشيد رضا على بث التحذيرات التي من شأنها تنبيه الأمة وتوعيتها من الأخطار التي تهددها من جميع الجوانب، وفيما يلي بعضاً من مقولاته في هذا السياق:

  • في نوفمبر تشرين الثاني من العام 1910 م ، نبَّه الشيخ رشيد على خَطَر التغلغل اليهودي في الدَّولة العثمانية، قائلاً: “إن هدفهم أن يملكوا بيت المقدس وما حوله ليقيموا دولة إسرائيل”.
  • في أكتوبر تشرين الأول من عام 1928 م، حذَّر الشيخ من مخاطر إقامة الكيان الصهيوني وتداعياتها على الوحدة العربية والإسلامية، وذلك من خلال إقامته “الجسم الصهيوني” العازل بين أجزاء الوطن العربي قائلاً: “فالهدف هو جعل هذه المنطقة من البلاد يهودية- بريطانية، فاصلة بين عرب مصر وعرب سوريا والعراق..”.
  • وخلال اندلاع ثورة البراق في فلسطين ضد الاستعمار الإنجليزي والمَدِّ الصهيوني (سنة 1929 م)؛ كَتبَ الشيخ محمد رشيد مجموعة مقالات حذَّر فيها من هذا المشروع الاستعماري ومما قاله: “إن اليهود من قواعد شريعتهم (التوراة) أن يستأصلوا القوم الذين يغلبوهم على أمرهم حتى لا يستبقوا منهم نسمة ما”.
مدينة القدس المحتلة عام 1915 م
مدينة القدس المحتلة عام 1915 م.

وفاته:-

توفي في القاهرة سنة 1354هـ-1935م.

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى