أعلام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي .. رائد الإصلاح في عصره

له أرجوزة تتألف من 36 ألف بيتاً ضمنها تقاليد الشعب الجزائري وعاداته

من هو الشيخ محمد البشير الإبراهيمي؟

 الشيخ محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن محمد السعدي بن عبد الله بن عمر الإبراهيمي ، واحد من رجال الإصلاح في الجزائر، صديق العلامة عبد الحميد ابن باديس ورفيق دربه في النضال، وهو خطيب من الكتاب البلغاء العلماء بالأدب والتاريخ واللغة وعلوم الدين، ترأس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وانخرط في المجامع العلمية العربية في القاهرة، ودمشق، وبغداد.

مولد الإبراهيمي ونشأته:-

ولد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في 13 شوال سنة 1306هـ/ 14يناير 1889 م وهي السنة التي تُعرف بـ «سنة العظماء» حيث شهدت ميلاد الكثير من العباقرة في الشرق كما في الغرب، وكان مولده بقرية أولاد ابراهم التابعة حاليا لولاية سطيف، وهو من قبيلة ريغة التي يرتفع نسبها إلى «إدريس بن عبد الله» مؤسس دولة الأدارسة في المغرب.

نشأ الإبراهيمي في قريته نشأة متواضعة على غرار أقرانه وسكان القرى عامة آنذاك، من البساطة في العيش، تلقى دروسه الأولى على يد والده، ثم عن عمّه الأصغر «محمد مكي الإبراهيمي» وقد كان هذا عالماً معروفًا بمنطقة ريغة، فتولّى تعليمه وتربيته وحرص كثيرًا على دفعه لمواصلة التعليم والتحصيل، وكان أغلب تعليم الإبراهيمي على يده، حتى أنه ختم عنده عدة كتب وهو على فراش الموت، فأجازه وأمره بأن يخلفه في التدريس رغم حداثة سنه الذي لم يتجاوز 14 سنة.

رحلة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي للمشرق:-

لما شبّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هاجر رفقة والده إلى المدينة المنورة سنة 1911م، وكان جدّه قد سبقهم إلى هناك منذ سنة 1908م فرارا من بطش الاستعمار، وفي طريقهم نزلوا بمصر ومكثوا فيها حوالي 3 أشهر، وكانت هذه فرصة له في لقاء عدد من علمائها، وأدبائها، وشعرائها.

وفي المدينة المنورة؛ أتم دراسته العليا على يد علمائها الوافدين من شتى أنحاء العالم الإسلامي، فدرس: علوم التفسير، والفقه، والحديث، والتراجم، وأنساب العرب، وأدبهم، ودواوينهم كما درس المنطق والحكمة، وأمهات كتب اللغة والأدب، وبعد إكمال تعليمه وتشربه من هذه العلوم كلها اتجه للتدريس، فكان يلقي الدروس الدينية في الحرم النبوي، لكنه لم ينقطع عن البحث والتحصيل، حيث كان يقضي الكثير من وقته في المكتبات العامة والخاصة بحثًا عن المخطوطات.

الحرم المكي الشريف في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس.

خلال تواجده بالمدينة المنورة؛ التقى رفيق دربه عبد الحميد بن باديس في موسم الحج سنة 1913م، وهناك طرح الرجلين لأول مرة فكرة العمل الدعوي في الجزائر، وجرت مناقشتها وتأجيلها إلى أن تواتي الظروف.

الإبراهيمي في دمشق:-

انتقل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى دمشق سنة 1917م في وقت كانت فيه البلاد تعيش أياما عصيبة بفعل الممارسات التعسفية للإدارة العثمانية هناك تجاه الأحرار المطالبين بالاستقلال وتأسيس دولة عربية، فقام الوالي جمال باشا بإعدام الكثير منهم في دمشق وبيروت سنة 1916م في الساحات العامة، ما أدى إلى اشتعال الثورة العربية ضد الوجود العثماني، وعليه انضم الإبراهيمي إلى جملة الزعماء العرب وقادة الفكر الذين التفوا حول الأمير «فيصل بن الحسين بن علي» وبايعوه زعيماً للثورة العربية الكبرى.

وخلال إقامته بدمشق؛ عمل الإبراهيمي كأستاذ للأدب العربي بالمدرسة السلطانية، بالإضافة إلى إلقاءه الدروس والوعظ في الجامع الأموي، وتخرج على يده جيل من المثقفين كان لهم أثر بالغ في مواصلة مسار النهضة العربية الحديثة، كما شارك في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1919م.

عودته إلى الجزائر:-

بعد هذه الرحلة العلمية والعملية عاد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى الجزائر سنة 1920م، وكان قد سبقه في العودة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وشرع في تطبيق مشروعه الدعوي في مدينة قسنطينة وضواحيها، فتشجع الإبراهيمي على مباشرة العمل هو الآخر، وبالفعل أسس مدرسة في مدينة سطيف وشرع في إلقاء الدروس العلمية والدينية على الطلبة، ثم تنقل بين مختلف المدن والقرى يخطب بنواديها ومساجدها.

مدينة قسنطينة - الجزائر - بنهاية القرن التاسع عشر - تم إعادة تلوين الصورة
مدينة قسنطينة – الجزائر – بنهاية القرن التاسع عشر .

أثارت هذه النشاطات انتباه الإدارة الفرنسية التي سلطت عليه أعينها لمراقبة تحركاته، وعرضت عليه العمل معها لكنه رفض الوظيفة، واتجه للعمل في التجارة ليعيل عائلته، وبقي في الوقت نفسه على اتصال بابن باديس، وكان خلال هذه الفترة يتردد على تونس حيث أصهاره وحيث كانت له صداقات في الأوساط العلمية والأدبية.

عمله في جمعية العلماء المسلمين:-

يُعد تأسيس جمعية العلماء سنة 1931م ثمرة جهد متواصل للشيخين ابن باديس والإبراهيمي ورفاقهما، وقد لعب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي دوراً محورياً في إنجاح مشروع تأسيسها، وتم تقسيم العمل فيها بين أعمدتها الثلاث، بحيث: اختص بن باديس بالاهتمام بمناطق الشرق الجزائري، في حين كُلف الطيب العقبي بمناطق الوسط، بينما تولى الإبراهيمي مناطق الغرب لنشر العلم والدعوة فيها، واتخذ مدينة تلمسان مقرًا له، وأسس فيها مدرسة دار الحديث سنة 1937م التي ضمّت مسجدًا، ومدرسة، وقاعة للمحاضرات، وكانت مركز إشعاع علمي وثقافي وديني، تخرج منها عشرات الطلبة.

وخلال نشاطه هذا؛ تعرض الإبراهيمي لضغوط كبيرة من الإدارة الفرنسية، بالترهيب حينا وبالترغيب حيناً آخر، إلا أنه ثبت على الحق ورفض كل المناصب التي عُرضت عليه، فأدى هذا إلى نفيه إلى منطقة آفلو بالصحراء (تابعة لولاية الأغواط حاليا) وفُرضت عليه إقامة جبرية.

وحين توفي الشيخ ابن باديس سنة 1940 م؛ كان الإبراهيمي لا يزال في منفاه فانتخب غيابيا رئيسا للجمعية، وظل كذلك 3 سنوات حتى خروجه من المنفى، لكنه لم تمض فترة طويلة من خروجه حتى قبض عليه وتم سجنه سنة 1945م حيث تعرض للتعذيب إلَّا أن ذلك لم يثن من عزمه من مواصلة مساره الدعوي، فقد استمر يناضل بقلمه ولسانه حتى وهو في غيابات السجن.

نضاله في المشرق:-

بعد خروجه من السجن؛ ابتدأ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مرحلة جديدة في نضاله، بالانتقال إلى الخارج؛ حيث سافر سنة 1952 إلى المشرق وجاب مختلف الأقطار العربية سعيا لدى حكوماتها لقبول البعثات الطلابية الجزائرية لاستكمال الدراسة بها، وطلب الإعانات المادية والمعنوية للجمعية حتى تتمكن من مواصلة نشاطها، وكذا العمل على التعريف بالقضية الجزائرية في الأوساط السياسية للدول التي زارها ولدى جامعة الدول العربية.

وقد جعل مصر مركزاً لنشاطه الدعوي، إلى جانب العراق والسعودية، والأردن، والكويت، وباكستان، وذلك من خلال إلقاء الدروس والمحاضرات والأحاديث الإذاعية للتعريف بالثورة التحريرية ودعمها، ومن هناك أصدر نداءه يوم 15 نوفمبر تشرين الثاني 1954 م يخاطب فيه الجزائريين: «إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت». وبهذا يدحض كل مدّع بالقول عن تخلف جمعية العلماء في مساندة الثورة.

وعندما نالت الجزائر استقلالها سنة 1962م ؛ كان الإبراهيمي هو من أمّ المصلين في أول صلاة بعد الاستقلال في جامع كتشاوة وسط العاصمة، وألقى محاضرته الشهيرة هناك.

آثار الشيخ الإبراهيمي:-

تنوَّع نشاط الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وشمل عدة مجالات في الدعوة، والتربية، والتعليم داخل الجزائر وخارجها: فقد كان عضواً مؤسساً لجمعية العلماء ورئيساً لها، وعضوًا في المجامع العلمية العربية بدمشق، والقاهرة، وبغداد.

وأنشأ العديد من المدارس أهمّها «معهد عبد الحميد بن باديس» الثانوي بقسنطينة، كما تولى مسؤولية جريدة البصائر في المغرب والمشرق وقد كانت من أقوى الصحف العربية دفاعا عن قضايا العروبة والإسلام.

هذا إلى جانب تأليفه للعديد من الكتب، رغم أنه قال: «لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا»، ونُحصي له هنا بعضًا منها:

كتبه :

• «عيون البصائر».
• «بقايا فصيح العربية في اللهجة العامية بالجزائر».
• «الاطراد والشذوذ في اللغة وأسرار الضمائر في العربية».

الرسائل:

• «رسالة في الفرق بين لفظ المطرد والكثير عن ابن مالك».
• «رسالة في ترجيح أن الأصل في بناء الكلمات العربية ثلاثة أحرف لا اثنان».
• «رسالة في مخارج الحروف وصفاتها بين العربية والفصيحة والعامية».
• «رسالة الضب».

الروايات:

  • «كاهنة الأوراس».
  • «الثلاثة».

شعره:-

وكان للشعر نصيب في آثار الإبراهيمي، حيث ترك أرجوزة في حوالي 36 ألف بيت تُعد ملحمة في تاريخ الإسلام، كان ينشر أبياتها في مجلة البصائر التي كان رئيس تحريرها. هذا إلى جانب العديد من المقالات المنشورة في العديد من الصحف في المغرب والمشرق، وقد جمعها نجله أحمد طالب الابراهيمي في كتاب سماه «آثار الشيخ الإبراهيمي» طبعته دار الغرب الإسلامي في 5 أجزاء، سنة 1997 م.

وقال في صلاح الدين الأيوبي محرر القدس من الصليبيين:

يا كيــدَةً كـــادوا لهـذا الدِّين .. مجتــاحــة لولا صلاحُ الدِّينِ

ووقعـــةٌ بالسَّهلِ من حطيـن .. دمــــاؤهم في شُربها كالطِّينِ

وقال أيضاً:

بيَّضت وجه العُرب في المجامع .. أبلغت صوتهم إلى المسامع

فخابَ كُل طـــــــامحٍ وطـــــامعٍ .. وغضّ من ســورته واكتأبا

وقال:

إنَّا إذا مــا ليل نجد عسعســـــا .. وغـــربت هذي الجوار خُنَّسا

والصبـــح عن ضيـــائـه تنفَّسَــــــا .. قُمنــــا نُؤدِّي الواجِبَ المُقدَّسا

وقوله:

قد كنتُ فيجن النشــاط والأشرْ .. كـــأنني خرجتُ عن طور البشرْ

وكنتُ نجديَّ الهَـــوَر من الصِّـغَر .. أهيـــمُ في بَدْر الدُّجَى إذا سفرْ

وقوله كذلك:

غـــار على أحســــابهِ أن تمتهِــنْ .. حُــــر على مَجْدِ الجُدود مؤتمن

فمــــا ونى في حفظــــهِ ولا وهنْ .. سيــفٌ من الرَّحمَنِ مطرور الشبا

وفاته:-

قضى الشيخ محمد البشير الإبراهيمي آخر أيام حياته متأسفًا على حال الجزائر التي كرّس حياته للنضال في سبيل استقلالها، وتأسف على التوجه السياسي الذي سلكه نظامها، وقد تسبب موقفه هذا في فرض إقامة جبرية عليه إلى غاية وفاته يوم 20 مايو أيار سنة 1965م.

الجزائر حصلت على استقلالها عام 1962 بعد تضحيات كبيرة وعاد الإمام محمد البشير الإبراهيمي لوطنه وتوفى فيه عام 1965م
الجزائر حصلت على استقلالها عام 1962 م بعد تضحيات كبيرة

تعرف هنا على بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

مراجع للاستزادة:

  • أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الشيخ الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي.
  • عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.
  • شعر محمد البشير الإبراهيمي، دراسة إيقاعية، سمير جريدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى