أعلام

أبو الحسن الندوي .. الشيخ المحدث المفسر الكبير

صاحب المؤلف الشهير، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

الشيخ أبو الحسن الندوي:-

المفكر الإسلامي الكبير (1333_ 1420هـ)، الشيخ المحدث المفسر الداعية إلى الله أبو الحسن علي بن عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الندوي الهندي، رئيس دار العلوم “جامعة ندوة العلماء” بلكنو الهند.

ينتهي نسبه إلى محمد ذي النفس الزكية ابن عبد الله المحض، ابن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط الأكبر، ابن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

خاض المفكر الهندي أبو الحسن الندوي في عدد من العلوم كالفقه والتفسير والتاريخ وغيرها
خاض المفكر الهندي أبو الحسن الندوي في عدد من العلوم كالفقه والتفسير والتاريخ وغيرها

أسرته:-

ولد الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي في قرية ” تكية” من مديرية ” رائي بريلي” من الولاية الشمالية بالهند في المحرم، سنة 1332 هـ، من أسرة ذات أصل عربي عريق تعيش في الهند منذ قرون، وهو ابن العلامة الشريف عبد الحي الحسني أحد كبار مؤلفي عصره، وأمه بنت الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي، ويصل نسبه من الطرفين إلى السيد عبد الله المحض، ابن السيد الحسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وكان أول من هاجر إلى الهند من أسرته الشيخ قطب الدين بن محمد المدني عام 607هـ، وكان سبب هجرته إلى الهند أن رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة يأمره بالتوجه إلى الهند للجهاد، ويبشره بالفتح المبين.

وكان لأسرة المفكر أبي الحسن الندوي أثر عميق في نشأته، وانصرافه التام إلى خدمة الإسلام، فقد حافظت الأسرة على فضائلها الموروثة طوال القرون، إذ عرفت بالتزام السنن الواضح من الاستقامة والحرص على مبادئ الإسلام، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، وقد نال كثير منهم الشهادة في سبيل الله، وقد نبغ من هذه الأسرة عدد من العلماء، منهم السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد، قائد أكبر الحركات الإصلاحية المجاهدة في الهند.

أبو الحسن الندوي .. نبوغ مبكِّر:-

لقد شَرعَ السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله في تعلُّم القرآن الكريم في بيته بمعاونة والدته الفاضلة التي كانت تُعد من بين السيدات اللواتي يُشهد لهن بالصلاح والتقوى، فقد كانت تحفظ القرآن الكريم، وتكتب وتؤلِّف، ولم تكتفِ بالتعليم باللغة الأردية، بل وبالفارسية أيضاً.

وهو في سِن الثانية عشرة من العمر؛ سَلَكَ الندوي طريق تعلم اللغتين العربية والإنجليزية في الوقت ذاته، فقد ساعده على تعلُّم العربية شيخه خليل بن محمد اليمني، بينما شقَّ طريقه منفرداً في دراسة الأدب العربي على مدار عامين متواصلين، الأمر الذي أدى لتعلُّقه بهذا الفن وباللغة العربية عموماً على غير ما كان سائداً في بلاده.

وقد اعتكف على دراسة مجموعة من الكتب قبل التحاقه بجامعة لكنهؤ، خاصة كتب “نهج البلاغة” و”دلائل الإعجاز” و”الحماسة”.

ترك الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي أثر بالغ على المسلمين في شبه القارة الهندية وجوارها
ترك الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي أثر بالغ على المسلمين في شبه القارة الهندية وجوارها

شيوخه:-

أخذ أبو الحسن الندوي عن شيوخه: علوم القرآن الكريم، والتفسير، والحديث الشريف، والتاريخ، والأدب، وقد تلقى الشيخ دراسته الأولية في العربية من الشيخ خليل محمد اليماني، حفيد المحدث الجليل الشيخ حسين بن محسن الأنصاري (1327هـ) وأتم دراسته الأدبية على الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رئيس تدريس الأدب العربي بندوة العلماء يومئذ.

تفوقه:-

أكمل المفكر الهندي أبو الحسن الندوي تعليمه في دار العلوم ندوة العلماء ودار العلوم في ديوبند، وجامعة لكنهو بتفوق وامتياز، والتحق بمدرسة الشيخ أحمد علي في لاهور وتخرج عليه في علم التفسير.

استفاد أبو الحسن الندوي في الحديث من الشيخ حيدر حسن بن أحمد حسن خان الطونكي (1281_ 1361هـ) فقرأ عليه الكتب الستة، ونال الإجازة منه، ومن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباكفوري (ت1353 هـ)، صاحب “تحفة الأحوذي” وقد قرأ عليه أوائل الكتب الستة، وحضر دروس العالم الكبير حسين أحمد المدني (1296_1377هـ) في الحديث بدار العلوم ديوبند فجمع جهابذة الأدب والتفسير.

الموجهون:-

ومن الذين أثروا في توجيه الشيخ أبي الحسن الندوي: أخوه الدكتور عبد العلي الحسني، ويصفه بأنه جمع بين الثقافتين الدينية والعصرية، وأنه كان ذا فضل كبير على ثقافته، ومنهم: الشيخ أحمد علي اللاهوري، والشيخ إلياس بن محمد إسماعيل الكاندهلوي (ت1364هـ) مؤسس حركة “الدعوة والتبليغ” في الهند/ والمربي الجليل الشيخ عبد القادر الرائيبوري (ت1382هـ) وشاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال (ت1357هـ) والسيد طلحة الحسيني، أحد كبار الأساتذة في جامعة البنجاب.

أبو الحسن الندوي يتحدث عن العالم قبل البعثة المحمدية:-

تعرَّض أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” إلى البيئات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي سادت قبل بعثة النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، والذي أدت رسالته إلى تقويض تلك الأسس غير الإنسانية وغير الأخلاقية التي ألِفتها المجتمعات، مستعرضاً إيَّاها على النحو التالي:

  • نَظَر النبي الكريم إلى العالم بعين الأنبياء، فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرراً.
  • رأى إنساناً معكوساً قد فسُدَت عقليته، فلم تعد تقبل البدهيات، وتعقل الجليات، فقد فسد نظامه الفكري، وفسد ذوقه الذي بات يستحلي المُرَّ ويستطيب الخبيث ويستمرئ الوخيم، وبطُل حسّه فأضحى لا يبغض العدو الظالم، ولا يقبل على الصديق الناصح.
  • رأى مجتمعاً هو الصورة المصغَّرة للعالم، كل شيء فيه في غير محله، قد أصبح الخصم الجائر قاضياً والمجرم سعيداً حظياً والصالح محروماً شقياً.
  • رأى عليه السلام عاداتٍ فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك.
  • رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حد استهلاب الأموال واغتصابها، وشاهد الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع.
  • رأى القسوة والظلم الذي برر وأد البنات وقتل الأولاد خشية الإملاق.
  • رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً وعباد الله خولاً، ورأى أحباراً ورهباناً باتوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدُّون عن سبيل الله.
  • رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راعٍ، والسياسة كجملٍ هائجٍ حبله على غاربه، والسلطان كسيفٍ في يدِّ سكران يجرح به نفسه، ويجرح به أولاده وإخوانه.
المسجد النبوي بالمدينة المنورة 1910 م
المسجد النبوي في المدينة المنورة عام 1910 م

مناصب الداعية أبي الحسن الندوي:-

  • ترأس الشيخ دار العلوم جامعة ندوة العلماء بالهند.
  • شارك في عضوية دائمة بالمجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ تأسيسها.
  • كان عضواً مراسلاً في مجمعي اللغة العربية بدمشق والقاهرة.
  • وهو مؤسس المجمع العلمي الإسلامي في الهند ورئيسه.
  • ويرأس المجلس التعليمي لولاية “أثر بردلش”.
  • وهو عضو تنفيذي لمعهد ديوبند.
  • ومن أعضاء المجلس التنفيذي لدار المصنفين في “أعظم كرة” بالهند.
  • وأحد رؤساء التحرير لمجلة “معارف” العلمية الأكاديمية للمسلمين في الهند، وهذه المشاركات الواسعة تؤكد الصفة العالمية للشيخ الداعية أبي الحسن الندوي الذي أجمع على تقديره رجال الفكر والدعوة من مختلف الأقطار.
  • وهو أحد مفكري العالم الإسلامي في العصر الحديث، وقد شارك في كثير من الندوات والمحاضرات والاجتماعات لعرض الإسلام والدعوة إليه.
استمرار إقامة المحاضرات والندوات في مركزه للبحوث والدعوة بعد وفاته

مؤلفات المفكر أبي الحسن الندوي:-

شارك الشيخ أبو الحسن الندوي في التأليف، ويغلب على تآليفه الفكر الإسلامي المعاصر، والدعوة إلى الإسلام وله ما يزيد على ثلاثين مؤلفاً مطبوعاً باللغتين العربية والأردية، ومئات من المقالات المنشورة في المجلات والصحف وسنذكر أسماء كتبه المطبوعة التي وقفنا عليها على ترتيب حروف المعجم:

  1. إذا هبت ريح الإيمان.
  2. الأركان الأربعة.
  3. إلى الإسلام من جديد.
  4. تأملات في سورة الكهف.
  5. حديث مع الغرب.
  6. ربانية لا رهبانية.
  7. رجال الفكر والدعوة في الإسلام، جزآن.
  8. روائع إقبال.
  9. السيرة النبوية.
  10. الصراع بين الإيمان والمادية.
  11. الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية.
  12. الطريق إلى المدينة.
  13. العرب والإسلام.
  14. في مسيرة الحياة، 3 أجزاء.
  15. القادياني والقاديانية.
  16. القراءة الراشدة، ثلاثة أجزاء.
  17. قصص النبيين للأطفال، خمسة أجزاء.
  18. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟
  1. مختارات في الأدب العربي (مقرر دراسي في كثير من المدارس والجامعات).
  2. مذكرات سائح في الشرق العربي.
  3. المسلمون في الهند.
  4. المسلمون وقضية فلسطين.
  5. النبوة والأنبياء في ضوء القرآن.
  6. النبي الخاتم، والدين الكامل وما لهما من أهمية في تاريخ الأديان والملل.
  7. نحو التربية الإسلامية الحرة في البلاد الإسلامية.
  8. نفحات الإيمان بين صنعاء وعمان.
  9. وامعتصماه.

وهناك عشرات من المؤلفات الأخرى باللغة الأردية لم نعرفها، ويقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: إن أحب هذه الكتب إليه هي ” الطريق إلى المدينة” و” النبوة والأنبياء في القرآن”، وآثراها إطلاقاً هو “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟” و”الأركان الأربعة” و”الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية”، وكلها طبع أكثر من طبعة، ولها انتشار واسع في العالم الإسلامي، وقد ترجمت لعدة لغات.

أبو الحسن الندوي متفائل بمستقبل الأمَّة:-

يقولُ الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتابه ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”: إنه وعلى الرغم من حالتيّ الضعف والهَوان اللتان تستحكمان في الأُمَّة الإسلامية، غيرَ أنَّ مستقبلها سيكونُ مضيئاً ومشرقاً.

ويذكرُ في كتابه ذائع الصيت: “.. ولكن برغم كل ما أصيب به المسلمون من علة وضعف؛ فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم، ومزاحمتها في وضع العالم، والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها، وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى، وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من القوة، والتي يحرم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحوَّل إلى أُمَّة جاهلية”.

ويضيف ” هذه هي الأمة التي يمكن أن تعود في حينٍ من الأحيان خَطراً على النظام الجاهلي الذي بسطتهُ أوروبا في الشَّرق والغرب وأن تُفسِد مساعيها”.

ويختِم قائلاً: “.. ولكِن العالم الإسلامي لا يؤدي رسالته بالمظاهر المدنية التي جادت بها أوروبا على العالم، وبحذق لُغاتها وتقليد أساليب الحياة التي ليست من نهضة الأمم في شيء؛ إنما يؤدي رسالته بالروح والقوة المعنوية التي تزداد أوروبا كل يوم إفلاساً فيها، وينتصر بالإيمان والاستعانة بالحياة والعزوف عن الشهوات، والشوق إلى الشهادة والحنين إلى الجنة، والزُّهد في حُطام الدُّنيا وتَحمُّل الأذى في ذاتِ الله صابراً محتسباً..”.

الأمة الإسلامية تمتلك عناصر القوة اللازمة للنهوض من جديد
الأمة الإسلامية تمتلك عناصر القوة اللازمة للنهوض من جديد

وفاته:-

انتقل الشيخ الداعية أبو الحسن الندوي إلى رحمة الله عام 1420 هـ، الموافق لرأس السنة 2000 الميلادية.


المصادر:

  • علماء ومفكرون عرفتهم، لمحمد المجذوب ص 135-154
  • في مسيرة الحياة من تأليفه وهي ترجمته.
  • مقدمة كتابه، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى