أعلام

الشهرستاني .. صاحب “الملل والنِّحَل”

قال عنه ياقوت الحموي : إنه "المتكلم الفيلسوف صاحب التصانيف"

اسمه وكنيته:-

هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد، وكنيته أبو الفتح، وشهرته المعروف بها الشهرستاني ، المكنى بأبي الفتح.

لقبه:-

كان الشهرستاني يلقب بعدة ألقاب، فهو الأفضل، وهو العلامة، وهو تاج الملة والدين.

نسبة الشهرستاني:-

ينتسب الشهرستاني إلى بلدة شهرستان، الواقعة بين نيسابور وخوارزم، وهي إحدى مدن إقليم خراسان.

وشهرستان قريبة من مدينة نسا، فبينهما ثلاثة أميال، وتنتهي غليها بادية الرمل، التي بين خوارزم ونيسابور.

وتسمي أحياناً شارستان وشارستانهن وهي كلمة فارسية مركبة من: آستان: بمعنى ناحية، وشهر: بمعنى مدينة، فتكون شهرستان _أو شارستان_ بمعنى ناحية المدينة.

مولده:-

ولد محمد بن عبد الكريم في غضون عام 479هـ/ 1087م من أبوين فارسيين، فكان أعجمي الأصل والمولد.

نشأته :-

تلقى علومه الأولى على يد والده، فحفظ القرآن الكريم، ثم أرسله أبوه إلى مسجد البلدة ليتم تعليمه الديني على يد مشايخها، وكان ذلك في سن مبكرة، حتى أنه قال عن نفسه: (ولقد كنت على حداثة سني أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعاً مجرداً).

رحلات الشهرستاني وطلبه للعلم:-

الشهرستاني كغيره من العلماء لم يكتفِ بالعلم في بلدته، فانتقل من مسقط رأسه إلى غيرها من البلدان سعياً وراء العلم من جهة، وطلباً للرزق من جهة أخرى.

فذهب إلى مدينة خوارزم وأقام بها مدة، واتخذ فيها مسكناً، مما يدل على استقراره بها في بدء حياته.

وتلقى علوم الحديث على يد علي بن أحمد المديني المحدث (المتوفى عام 494هـ/1100م).

نيسابور التي قصدها الشهرستاني
نيسابور التي قصدها الشهرستاني

وغادر أبو الفتح خوارزم، وذهب إلى نيسابور، حيث تفقَّه بها على يد أحمد الخوافي، الفقيه الشافعي (ت 500هـ:1106م) وأبي نصر القشيري (ت514هـ/1120م).

وقرأ الكلام على يد أستاذه أبي القاسم الأنصاري (ت512هـ/1118م)، وكان لهذا الأستاذ فضلاً في توجيهه إلى الطريق القويم في تحصيل العلم.

ولم ينس له الشهرستاني ذلك، فكان يذكره في كتبه، مشيراً إلى أنه كان مرجعه في بعض الأمور العلية.

قال في “مفاتيح الأسرار مصابيح الأبرار” :”ولقد كنت على حداثة سني أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعاً مجرداً، حتى وفقت فعلقته على أستاذي ناصر السنة أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري تلقفاً، ثم أطلعني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم رضي الله عنهم، وعلى أسرار دفينة وأصول متينة في علم القرآن”.

وبعد أن اتقن الشهرستاني العلوم الدينية وعلم الكلام على يد أساتذة عظام أجلاء،؛ توجه إلى خوارزم ثانية، وهناك تعرف على بعض علماء عصره المشهورين، فالتقى بأسعد الميهني، الفقيه (ت527هـ تقريباً) وصارت بينهما صداقة.

كما التقى أيضاً بالمؤرخ الفارسي محمد بن محمود بن أرسلان الخوارزمي (ت568هـ) وكانت بينهما محاورات ومفاوضات.

وتعددت رحلات تاج الملة والدين، فظل ينتقل بين ربوع مدن إيران دارساً ومدرساً، فذهب ضمن ما ذهب إلى بيهق وسجستان وترمذ، كما ذهب من قبل إلى نيسابور وخوارزم.

تعيين الشهرستاني في الوظائف:-

عين الشهرستاني في عام (510هـ) مدرساً بنظامية بغداد، وفي طريق ذهابه إلى هناك، توجه إلى مكة المكرمة لتأدية فريضة الحج، ثم توجه إلى بغداد، حيث كان يقوم بالتدريس هناك في المجلس الخاص به.

وفي بغداد؛ التقى بصديقه القديم أسعد الميهي، الذي كان قد سبقه إلى هناك، وظل في المدرسة النظامية ثلاث سنوات، يعظ ويذكر ويحدث، وظهر له قبول هناك لحسن عبارته وسعة اطلاعه.

بغداد التي كانت مقصداً للعلماء امثال الشهرستاني
بغداد التي كانت مقصداً للعلماء

وقد قام -في الفترة التي مكث فيها في بغداد- بتأليف بعض كتبه الهامة، هذا إلى جانب عقده للمجالس العلمية وسيأتي ذكرها فيما بعد.

ثناء العلماء عليه:-

  • يقول السبكي: “وكان لعلمه يلقب أيضاً بالأفضل: برع في الفقه والأصول والكلام”.
  • يقول عنه ابن تغري بردي: “كان إمام عصره في علم الكلام، عالماً بفنون كثيرة من العلوم، وبه تخرج جماعة من العلماء”.

ولم يقتصر الأمر على علماء الشرق؛ فقد عرف علماء الغرب أيضاً منزلته وقدروا قدره.

  • فيقول العالم الإنجليزي (ألفرد جيوم): “الشهرستاني كان رجلاً ديناً إلى الأعماق، وإخلاصه للعقيدة لا يمكن أن يشك فيه أي إنسان قرأ مؤلفاته، التي تكفي بنفسها لدحض ادعاءات المنتقصين من شأنه…. وجدير بأن ينظر إليه باعتبار ذا أصالة فكرية”.
  • ويقول (كارادي) الفرنسي: “إن عقلية الشهرستاني لم تكن في جوهرها إلا عقلية فلسفية”.
  • وذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى أن الشهرستاني من أهل الفلسفة الإسلامية الذين يستشهد بآرائهم، مثله مثل ابن سينا.
  • أما أحمد أمين؛ فله رأي آخر، إذ يقول: .. ورأيت مؤلفي العرب كالشهرستاني والقفطي وأمثالهما قد خلطوا حقاً وباطلاً، فكثيراً ما نسبوا القول إلى غير قائله، وترجموا حياة الفيلسوف ترجمة لا يقرها التاريخ الصحيح، وخلعوا عليها من خيالهم الإسلامي مالا يتفق وحياة الفلاسفة اليونانيين الوثنيين”.

مؤلفات الشهرستاني:-

شملت مؤلفات العلامة الشهرستاني العديد من الفنون، وليس هذا بالأمر العجيب على تاج الملة والدين، الذي اشتهر بشغفه بالدرس والتدريس، وبكثرة مجالسه العلمية والوعظية.

  • لذا قال عنه أحد معاصريه: (له تصانيف كثيرة، تزيد على عشرين مجلدة، ورأيت له مجلساً مكتوباً).
  • قال عنه عبد الرحيم الأسنوي: (إن مؤلفاته تتصف إلى جانب الشمول بالشهرة والذيوع)
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
  • ومن أسباب كثرة مؤلفاته وذيوعها، ما سجله عنه الحافظ الذهبي حيث قال: (إنه كان كثير المحفوظ، قوي الفهم، مليح الوعظ).

وعند إحصائنا لمؤلفاته، وجدنا أنها بلغت تسع وعشرون كتاباً بين مخطوط ومطبوع ومفقود.

الكتب المخطوطة:-

  • رسالة في اعتراضات الشهرستاني على كلام ابن سينا.
  • رسالة إلى محمد الايلاقي، الطبيب المشهور.
  • رسالة إلى محمد السهلاني.

وهذه الرسائل الثلاثة موجودة في مجموعة خطية بمكتبة مجلس فوراي ملى بطهران بإيران.

  • قصة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام.
  • مصارعة الفلاسفة: “صارع محمد الشهرستاني ابن سيناء في كتاب سماه: “المصارعة” أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفى علم الرب تعالى وقدرته وخلقه العالم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه: “مصارعة المصارعة”.
  • مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار في تفسير القرآن “الفاتحة والبقرة”.
  • المناهج والآيات أو المناهج في علم الكلام.

الكتب المطبوعة:-

  1. مجلس الخلق والأمر.
  2. الملل والنحل.
  3. نهاية الاقدام في علم الكلام.
  4. ترجمة فصول أربعة عن الفارسية.
  5. مسألة في إثبات الجوهر الفرد.

الكتب المفقودة:-

  1. الإرشاد إلى عقائد العباد.
  2. أسرار العبادة.
  3. الأقطار في الأصول.
  4. تاريخ الحكماء.
  5. تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام.
  6. دقائق الأوهام.
  7. رسالة في المبدأ والمعاد.
  8. شبهات برقلس وأرسطو وابن سينا ونقضها.
  9. الشجرة الإلهية.
  10. العيون والأنهار.
  11. غاية المرام في علم الكلام.
  12. قصة موسى والخضر.
  13. مجلس في أصول الحكمة.
  14. مجلس في حصر أنواع التقدمات.
  15. مجلس في قصة سيدنا موسى.
  16. مناظرات مع الإسماعيلية.
  17. نهايات أوهام الحكماء الالهيين.

الملل والنحل:-

عُنِيَ العلماء المسلمون منذ وقت مبكر بدراسة الأديان والمذاهب، وذلك  لأغراض فهمها أو بغية الرد على أصحابها، وقد اُشتُهٍر في هذا الميدان عدد منهم من قبيل أبي الحسن الأشعري، وعبد القاهر البغدادي، وابن حزم الأندلسي الظاهري، إلى جانب  الشهرستاني صاحب “الملل والنِّحَل”.

  • وقال محمد سيد كيلاني -وهو  أحدمحققي كتاب “الملل والنِحَل”، الذي تم تحقيقه غيره مرة، -أنَّه بمثابة” دائرة معارف  مختصَّة بالأديان والمذاهب والفِرَق، وللآراء الفلسفية المتعلقة بما وراء الطبيعة التي عرفت في عصر الكاتب (الشهرستاني).
  • حاز الكتاب على إعجاب النَّاس وتقديرهم  في الشرق والغرب، فمثلاً يقول العالم الألماني هابركر في مقدمة ترجمته للملل والنحل : “بواسطة الشهرستاني في كتابه  الملل والنِّحَل؛ نستطيع أن نسد ثغرة في تاريخ الفلسفة بين القديم والحديث”.
  • بدوره؛ قال العالم الألماني ملخ وهو المختص بالفلسفة اليونانية: ” إنه لا يشك في صحة ما نسبه الشهرستاني من الأقوال إلى ديمقريطيس على الرغم من أنَّه لم يجد هذه الأقوال محفوظة بين ما نقله  كُتَّاب الإغريق عن ديمقريطيس”.

وفاة الشهرستاني:-

وفي عام 548هـ الموافق 1153م، توجه إلى مسقط رأسه شهرستان، حيث توفي بها ودفن هناك، وبذلك يكون قد عاش 70 سنة.

عاد الشهرستاني إلى مسقط رأسه ليعيش آخر سنوات حياته
عاد إلى مسقط رأسه ليعيش آخر سنوات حياته

المصادر:-

تاريخ الذهبي، طبقات الشافعية للسبكي، النجوم الزاهرة لابن تغري، مقدمة كتاب الملل والنحل، تاريخ بيهق للبيهقي، أحسن التقاسيم للمقدسي، معجم الأدباء لياقوت الحموي.

https://edition.cnn.com/travel/gallery/amazing-iran-mosques/index.html

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى