أعلام

الشهاب فتيان الشاغوري .. الشاعر الفاضل الماهر

حدَّث عن القاضي ابن عساكر، وروى عنه: القُوصي، واليَلْدَاني، وكان حنفياً

من هو الشهاب فتيان الشاغوري ؟

الشِّهاب فِتْيَان بن علي بن فِتْيان بن ثمال الأسدي الحريمي الحنفي الدمشقي، المعروف بالشاغوري، شاعر دمشق والمعلم المشهور، وُلِدَ في بانياس السورية سنة 533هـ، والشاغوري؛ نسبة إلى منطقة الشاغور التي تعتبر إحدى ضواحي مدينة دمشق، والتي يعود أصله إليها.

حدَّث الشهاب فتيان الشاغوري عن القاضي ابن عساكر، وروى عنه: القُوصي، واليَلْدَاني، وكان الشاغوري حنفياً فاضلاً وشاعراً ماهراً، خدم الملوك ومدحهم وعلَّم أولادهم.

الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق
الرحالة والجغرافي الإدريسي يصف مآثر دمشق

شعر الشهاب فتيان الشاغوري:-

اشتُهِر فتيان الشاغوري بنظم الشعر، وله في ذلك ديوان شعري، فيه مقاطيع حِسان، وأقام مدة بالزبداني القريبة من دمشق، وله فيها أشعار لطيفة، فمن ذلك قوله في جنة الزبداني، وهي أرض فيحاء جميلة المنظر تتراكم عليها الثلوج في زمن الشتاء وتنبت أنواع الأزهار في زمن الربيع:

قَد أَجمَدَ الخَمـرَ كانـونٌ بِكُلِّ قَــدَح.. وَأَخمَدَ الجَمرَ في الكانونِ حينَ قَدَح

يا جَنَّـــــةَ الزَّبَدانـــي أَنتِ مُسفِــــرَةٌ.. عَن وَجهِ حُسنٍ إِذا وَجهُ الزَمانِ كَلَـح

فَالثَلجُ قُطنٌ عَلَيكِ السُّحبُ تَحلُجُهُ.. وَالجَـوُّ نَدّافُهُ وَالقَــوسُ قَــوسُ قُـزَح

وقد دخل إلى حمام مائها شديد الحرارة، وكان قد شاخ وكبر، فأنشد في ذلك قائلاً:

أَرى مـــاءَ حَمّامِــكُــم كَالحَميــــمِ.. نُـكــابِــــدُ مِنــهُ عَنــاءً وَبُوســا

وَعَهـدي بِــكُم تَسمِطـــونَ الجُــدَيَّ.. فَـمـــا بالُكُم تَسمِطونَ التُيوسا

ومن شعر فتيان الشاغوري:

عَـــلامَ تَحَــرُّكي وَالحَـــظُّ ساكِـــنْ … وَمَــا نهنهت في طَلَبٍ وَلَكِنْ

أَرى نَـــذلاً تُقــدِّمُـــهُ الْمَســــاوي … عَلـــى حُــرٍّ تُؤَخِّـرُهُ الْمَحاسِن

وللشاعر فتيان الشاغوري ديوان شعري آخر صغير، جميع ما فيه دوبيت (من الأوزان الشعرية المستحدثة في العصر العباسي، يتكون من بيتين من الشعر فقط)، ومما جاء فيه قوله:

الــــوَردُ بِوَجنَتَيــــكَ زاهٍ زاهِـــر.. وَالسِحــرُ بِمُقلَتَيكَ وافٍ وافِــر

وَالعــاشِقُ في هَــواكَ ســاهٍ سـاهِر.. يَرجـــو وَيَخافُ فَهوَ شاكٍ شاكِر

ومن شعره الذي ينبض بالحكم والمواعظ قوله الذي مدح فيه الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي:

أنعــــــم ولــــــذ بأقــــــذار تــؤاتيكــــا.. حتَّــى تنــالَ بهــا أقصــى أمانيكا

مهـــذَّب الدِّيــن يا عبد الرَّحيــم لقــد.. شــأوت يا ابــن عليٍّ مــن يباريكا

فــازَتْ قداحُــك في حِفْــظِ الــدُّروسِ.. بأيـامٍ سَلَفْــنَ وما خــابَتْ لياليكا

ما زِلْتَ تسعى لكسبِ الحمدِ مجتهداً.. حتَّى بلغْتَ الأماني من مساعيكا

أنت امـــرؤٌ أودعَـــتْ ألفاظُــــهُ حكمـاً.. أملت دقيقَ المعاني من معانيكا

ولشاعر فتيان الشاغوري قصيدة بديعة يقول فيها:

يَا رُبَّ بِيضٍ سَلَلْنَ البِيــضَ مِنْ حَـــدَقٍ.. سُودٍ وَمِسْنَ كَأَعْطَافِ القَنَا الــــذُّبُلِ

هِيـــفِ الخُصُــوْرِ نَقِيَّــاتِ الثُّغُـــوْرِ أَثِيـِ.. ـثَاتِ الشُّعُورِ هَجَرْنَ الكُحْلَ لِلْكَحَلِ

مِثْلَ الشُّمُوسِ انْجَلَى عَنْهَا الغَمَامُ إِذَا.. غَازَلْنَنَـا مِنْ وَرَاءِ السِّجْــفِ وَالكِــلَلِ

لغته وأسلوبه:-

تميز فتيان الشاغوري بقوَّة لغته، وهو أمرٌ غير مستغرب، إذ كان معلماً وصاحب حلقة للتدريس في الزبداني، يقوم فيها بتعليم اللغة وأصول الكلام والنَّحو، وملكت الصَّنْعةُ عليه أمره بالشِّعر، فأولِع بالجِناس، والطِّباق إلى درجة المبالغة، إلى جانب ولعه بالتورية والتشبيه وغيرهما من ضروب الصَّنعة اللفظية.

هذه الصنعة -التي كانت باكورة عهد الشعر لوناً طريفاً يلوذ إليه في بعض الأحيان ، وفي أحيان أُخرى يلجأ لها بغية التنميق والتزويق، وربما جاءت هذه المحسِّنات طبيعية بمنأى عن التكلُّف بما لا يضُرُّ بالشعر ولا يوذي التخيُّل،- انقلبت فيما بعد إلى لونٍ قاتمٍ يراها البعض إيغالاً في الكلفة والتصنُّع ، وهو الأمر الذي أفضى إلى التقهقر الفني والارتكاس الأدبي الذي اقتفى أثر الانحطاط السياسي في ذلك العصر.

خدمة الشاعر فتيان الشاغوري للملوك:-

اتصل فتيان الشاغوري بالملوك، وعلَّم أولادهم، فقام بخدمة الأمير بدر الدين مودود بن المبارك شحنة دمشق، وهو أخو عز الدين فروخ شاه ابن أخي السلطان صلاح الدين لأمه، وكان يُعلِّم أولاده الخط.

المسجد الأموي في قلب مدينة دمشق التي أنجبت الكثير من جهابذة العلم والأدب
المسجد الأموي في قلب مدينة دمشق التي أنجبت الكثير من جهابذة العلم والأدب

وقال يمدح الأمير بدر الدين ويهنئه بفتح “كوكب” وأخذها من الفِرَنج:

عجـبـتُ ولكــن لاَتَ حينَ تَعَجُّبِ .. وهـــلْ عجَبٌ بدْرٌ يُهنَّا بِكَوكَبِ

لقَد بثَّ بدْرُ الدينِ أنوارَ عدلِهِ .. وإِحْسَانِهِ حتى انجَلا كلُّ غَيْهَبِ

دِمَشــقُ بهِ مَنْ زارَهَا كُلَّمــا أَتى .. يـوافـي بها طيِّباً وإنْ لم تُطَيَّبِ

فلو زَارَها قبلُ امرؤُ القيسِ لم يقُل .. خليليَّ مُرَّا بي على أُمِّ جُنْدُبِ

مجانيقُهُ إِنْ تُمْسِ ضِيفانِ بلْدَةٍ .. يُصَبِّحْنَ مَنْ فيها بيومِ عَصَبْصَبِ

مُفَوَّقَـــةً ترمـي فَتُصـمي سَهَامَهــا .. وهُـنِّ على أوتَارِهَا لم تَغَيبِ

فلا زَالَ طولَ الدَّهْرِ صَدْرَاً لمجلسٍ .. ونحراً لأعداءٍ وقلباً لِمَوكِبِ

وقال يفتخر ويهجو شويعراً هجا الأمير بدر الدين وقد كان منتظِماً في خدمته:

أَنا الشِّهَـابُ شِهَــابُ الدين لا كَذِبــا .. لي همَّةٌ عانَقَتْ في أَوْجها الشَّهُبَا

مَـنْ كَــانَ جَمَّــلهُ في دَهْـرِهِ لقــبٌ .. فــأَنني أَنا مِمَّن جَمَّلَ اللَّقَبَــا

لا درَّ درُّكَ إِنـي في ذَرى مَلِــــكٍ .. فَاضَــتْ أَياديهِ حتَّى فَاقَتِ السُّحُبَـا

في روضةٍ وغديرٍ مِن مواهِبِـــهِ .. مُرَفَّهَـــاً وادِعَـاً لا أرْهَبُ النُوَبَا

والكلْبُ إنِْ يَنْبَـحِ البَـدرَ المُنيرَ فَلَـنْ .. يُضِيرَهُ ويُعاني الذُّلَّ والتَّعَبَـا

أَولا فسَلْهُ وقد شـــالت نَعَـــامَتُـهُ .. مِــنْ شِـدَّةِ الخوفِ منهُ مُمْعِناً هَرَبَا

يَـبُـلُّ بالسَــلْحِ سـاقَيْـهِ وذلك مِن .. عـــادَاتهِ وهو تـحتي يلثُمُ التُرُبـا

مثل الحبَارَى إذا ما الصَّقْـرُ عَـاجَـلَهَـا .. تَهـــوَّرَت قُصْبُهَا من سُرْمِهـا رَهَبَا

فلم يَذَرْهَــا إلى أن عَــادَ مِخْلَــبُهُ .. رَطْــبَ الغرازِ من التـامورِ مُخْتَضَبَا

من تَهْجُــهُ فهُـوَ مَحْسُــــودٌ لأنَّــكَ مــا .. هَــجَــوْتَ إِلَّا صُدوراً جَمَّلوا الرُّتَبـا

من عَــضَّ مِثلَـكَ أَعْراضَ الكِرامِ فَمَـا .. يُنْجِــيهِ مِنْهُم هُرُوبٌ أَينَما هَرَبَا

مكاتباته ومراسلاته:-

كانت بين الشهاب فتيان الشاغوري وبين شرف الدين بن عنين مكاتبات ومداعبات عدة، فقد كتب إليه شرف الدين بن عنين:

يا مَــنْ تلقَّــبَ ظُلمـــاً بالشِّهــابِ، وإِنْ.. نافـى بظلمتِهِ في أفقِها الشُّهُبــا

لا يَغـــــررنَّكَ مِنْ مــــــودودَ دولـتُـــهُ.. وإِنْ تمسَّكْتَ مِنْ أسبابِها سببــا

فلسْــــتَ تنبـــحُ فيها غيــر واحــدةٍ.. حتَّــى تلفَّ على خيشومِك الذَّنَبا

وفاته:-

توفي الشهاب فتيان الشاغوري في دمشق، 22 محرم، سنة 615هـ، ودُفِنَ بمقابر باب الصغير.

وفي هذا السياق؛ قال ياقوت الحموي في “معجم الأُدباء” وذلك في سياق حديثه عن بلدة الشاغور وعن شاعرها: “هي “محلّة بالباب الصغير من دمشق مشهورة وهي في ظاهر المدينة، ينسب إليها الشهاب الفتياني النحوي الشاعر، رأيته أنا بدمشق وهو قريب الوفاة، وهو فتيان بن علي بن فتيان الأسدي النحوي الشاعر ، كان أديباً طبعاً وله حلقة في جامع دمشق كان يقرئ النحو وعلا سنه حتى بلغ تسعين أو ناهزها، وله أشعار رائقة جدّا ومعان كثيرة مبتكرة ، وقد أنشدني لنفسه ما أنسيته ، وقد ذكرت له قطعة في شوّاش ، وهو موضع بدمشق”.






المصادر:

Image by Dianne Ket from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى