انفوجرافيكسنوادر العرب

الشنفرى .. الشاعر والصعلوك اللغز

قيل إنه قَتل في الشهر الحرام والبلد الحرام لأخذ ثأر أبيه وأمام الناس

توطئة:-

لقد كانت حياة الشنفرى لغزًا احتار فيه العلماء، فقد اختلفوا في نسبه واسمه، وسبب صعلكته، وحتى لامية العرب المشهورة اُختلف في نسبتها إليه، كما تضاربت الروايات في موته، وها نحن اليوم نحاول أن نميط اللثام عن جانب من تفاصيل مسيرة الشنفرى، ونُجلّي بعض الأمور عن حياته.

لماذا سُمي الشنفرى بهذا الاسم؟

لقد اُختلف في اسم الشنفرى ونسبه، فقيل اسمه: عمرو بن براق، وقيل: ثابت بن أوس، وقيل: ثابت بن جابر.

حياة صعبة عاشها العرب في جزيرتهم – تعبيرية – مطلع القرن العشرين – مكتبة الكونغرس

ويرى البعض أن اسمه الشنفرى، وليس لقبه، وقيل بل هو لقبه، لُقب به لعظم شفتيه.

لماذا أصبح الشنفرى من الصعاليك؟

إن أول ما يلفت نظرنا في حياة الشنفرى أنه نشأ مع أمه في غير قبيلته، فقد نشأ في قبيلة فهم، وهنا يختلف الرواة في سبب ذلك.

فمنهم من يقول: إن السبب في ذلك هو أن قبيلته قد قتلت أباه، فذهبت أمه إلى قبيلة فهم، وهذه الرواية يرجحها الدكتور شوقي ضيف، ويدلل على صحَّتِها بأنه كان كثير الإغارة على بني سلامان الأزد، وكثير التنكيل بهم، وكان يُعلل ذلك في شِعره أنه يقتص منهم لنفسه.

وقيل: إن السبب لأنه كان أسيرًا في بني سلامان، ثم قال لفتاة :”اغسلي رجلي يا أُخية”  فاستنكرت ذلك، ولطمته، وذهب للرجل الذي اشتراه، فلما علم منه الحقيقة توعَّد بني سلامان أنه سيقتلهم بما استعبدوه.

وقيل إنه كان أسيرًا في بني سلامان، وكان يرعى الغنم مع ابنة مولاه، فلما أراد أن يُقبّلها، ضربته، وأخبرت أباه الذي عزم على قتله.

ويمكن أن نعتبر أن الرواية الثانية والثالثة من الأدب الشعبي، فهي تضفي نوع من البطولة على الشنفرى، وتخلق علاقة بينه وبين الفتاة.

ولذلك؛ فقد رجح كثير من العلماء الرواية الأولى عن الثانية والثالثة.

العرب اشتهروا بصراعاتهم القبلية قبل الإسلام وبعده

أسباب تصعلك الشنفرى:-

لقد اُختلف في سبب تصعلك الشنفرى، فقيل إنه قَتل في الشهر الحرام والبلد الحرام لأخذ ثأر أبيه وأمام الناس، ولذلك تخلى عنه الأنصار والأعوان، وطردته قبيلته، فلم يعد أمامه سوى أن يحترف الصعلكة، وينضم إلى تأبط شرًا ومن معه، وقيل إن تأبط شرًا هو الذي علّمه الإغارة والنهب.

وقيل إنه أراد الانتقام من بني سلامان، لأنهم استعبدوه، فنكّل بهم، ونهب أموالهم.

أحمد أمين يصف العقلية العربية السائدة قبل الإسلام

تائية الشنفرى:-

لما كان الشعر ديوان العرب، فدعونا نحاول التماس حياة الشنفرى من تائيته المشهورة التي مطلعها:

أَلاَ أُمُّ عَمْروٍ أَجْمَعَتْ فاسْتقَلَّتِومـا وَدَّعَـتْ جِـيرانَها إِذْ تَوَلَّـتِ

ومن خلال إمعان النظر في هذه القصيدة، نجد أن حياة الشنفرى انقسمت إلى ثلاثة أجزاء.

أولاً: ما قبل الصعلكة:-

فقد عاش في القسم الأول من حياته حياة مستقرة، وكانت له زوجة، ويعمل مثل باقي أفراد القبيلة.

تحولت شهدتها مسيرة الشنفرى – تعبيرية

ثانياً : التحاق الشنفرى بالصعاليك:-

وفي ذلك يقول :

أُمَشِّي على الأَرضِ التي لن تَضُرَّنِي
أُمَشِّـي على أَيْـنِ الغَــزَاةِ وبُعْــدها
لأِنْكِيَ قوماً أَو أَصادِفَ حُمَّتِي
يُقَـرِّبُنِي مِنها رَوَاحِي وغُدْوَتي

فهو يعلنها صراحة أنه ترك أهله، وخرج من أجل التنكيل بقوم أو الموت.

ثم نجده يعترف في قصيدته بقتله قتيلًا في الشهر الحرام والبلد الحرام وأمام أعين الناس، فيقول:

قَـتَلْنَــا قَـتِيــلاً مُـهْــدِيـاً بِـمُلَــبِّدٍ
جَزَيْنا سَلاَمَانَ بنَ مُفْرِجَ قَرْضَها
جِمَارَ مِنىً وَسْطَ الحَجِيجِ المُصَوِّتِ
بمـــا قَــدَّمــــتْ أَيـديـهِـــمُ وأَزلَّـــتِ

ومن هنا نجد أن سبب صعلكة الشنفرى هو جنايته، فلم يعد هناك من يناصره، فلجأ إلى الصعلكة.

ثالثاً: افتراقه عن الجماعة وحياته مع الوحوش:-

ويصور تلك المرحلة قوله :”وأصبحت في قوم وليسوا بمنبتي”

الشنفرى وتأبط شرًا:-

عاصر الشنفرى تأبط شرًا، وجمعتهم العديد من المواقف، فقد كانا من الصعاليك، ومن أغربة العرب، فلا غرو أن ينسجما معًا.

تأبط شراً .. صاحب أسطورة لقاء الغول

وصف الشنفرى تأبط شرًا:-

لقد خاض الشنفرى وتأبط شرًا الكثير من الغارات معًا، ودارت بينهما العديد من المواقف، وقد سجل لنا الشنفرى واحدة من غزواته مع تأبط شرًا، حينما خرجوا من أجل الانتقام من بني سلامان، ووصف لنا تأبط شرًا قائلًا :

وَأُمَّ عِــيالٍ قَـد شَهِـدتُ تَقـوتُهُـم
تَخافُ عَلَينا العَيلَ إِن هِيَ أَكثَرَت
وَمـا إِن بِها ضِـنُّ بِما فـي وِعـائِها
مُصَعِلكَةٌ لا يَقصُـرُ السِـترُ دونَها
لَها وَفضَـةٌ مِنـها ثَلاثـونَ سَيحَـفاً
وَتَأتي العَـدِيَّ بارِزاً نِصفُ ساقِها
إِذا أَطــعَمَتـهُم أَوتَحَـــت وَأَقَلَّـتِ
وَنَــحــــنُ جِـــيـاعٌ أَيَّ آلٍ تَـأَلَّـــتِ
وَلَكِنَّها مِـن خيفَـةِ الجـوعِ أَبقَـتِ
وَلا تُـرتَجــى لِلبَيتِ إِن لَــم تُبَيَّـتِ
إِذا آنَسَت أولى العَدِيَّ اقشَعَرَّتِ
تَجــولُ كَعَــيرِ العانَــةِ المُتَلَفَّـتِ

فهو يتحدث عن سياسة تأبط شرًا في توزيع القوت في الغارات، فهو يُقتر على الصعاليك، وليس ذلك بسبب بخله، ولكنه يخاف عليهم أن تطول الغارة، وينفذ الطعام فيموتون جوعًا، وهذه سياسة حكيمة تُتبع في الحروب وفترات التقشف.

الغارات كانت تسهدف أصحاب المال من الأشحاء – تعبيرية

وإن كان الشنفرى قد بدأ حديثه عن تأبط شرًا بقوله :”أم عيال” فقد بيّن أن هذه الأم هذه زعيمة الصعاليك، وليست أمًا حقيقية.

رثاء تأبط شرًا للشنفرى:-

لقد قضى تأبط شرًا والشنفرى الكثير من المغامرات معًا، فلما قُتل الثاني؛ تأثر لموته الأول، ورثاه بقصيدة مؤثرة، يقول في مطلعها:

عَلى الشَنفَرى ساري الغَمامِ فَرائِحٌ
عَلَيــكَ جَــزاءٌ مِـثلُ يَومِــكَ بِالجَــبا
وَيَومِــكَ يَــومُ العَيكَــتَينِ وَعَـطفَــةٍ
تَجــولُ بِبِـزِّ المَــوتِ فيهِــم كَأَنَّهُـم
غَزيــرُ الكُلــى وَصَيِّـبُ الماءِ باكِــرُ
وَقَد رَعَفَت مِنكَ السُــيوفُ البَـواتِرُ
عَطَفتَ وَقَد مَسَّ القُلوبَ الحَناجِرُ
بِشَــوكَـتِكَ الحُــدّى ضَئيـنٌ نَوافِــرُ

إن هذه الحياة القاسية المحفوفة بالمخاطر التي عاشها كل من الشنفرى وتأبط شرًا، تركت لنا كنوزًا أدبية لا تُقدر بمال، ولو لم يكتب الشنفرى سوى التائية لكانت كفاية، لبيان قدرته الشعرية، وطاقاته الإبداعية.

كانوا يسرقون من الأشحاء وذلك على قدر حاجتهم لا أكثر

المصادر:

  • تاريخ الأدب الجاهلي ، دكتور شوقي ضيف، ص 379: 382 ، دار المعارف بمصر، الطبعة الحادية عشر.
  • ديوان الشنفرى، د. إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي، ص 1:14.
  • الصعلكة لدى الشنفرى ودلالتها الاجتماعية والنفسية، فضل بن عامر العامري، مجلة الملك سعود، م٨ ، الآداب ٢ ، ص 243 :267
  • Image by a88kay from Pixabay
Image by jarekgrafik from Pixabay 
الوسوم

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق