نوادر العرب

الشنفرى الأزدي.. ممثل الجانب الشيطاني من حركة الصعاليك العرب

كان من فتَّاك العرب وعَدَّائيهم، وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم

الشنفرى من أشهر الصعاليك:-

الشنفرى هو عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان، شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية، اشتهر عند العرب بالسُرعةِ والعدْوِ.
يعد الشنفرى من أشهر الصعاليك، فإذا كان عروة بن الورد يمثل الجانب الإنساني في حركة صعاليك العرب؛ فإن الشنفرى الأزدي -ولا شك- يمثل الجانب الشيطاني فيها، فقد كان من فتَّاك العرب وعَدَّائيهم، وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم.

لسبب من الأسباب فَقَدَ توافقه الاجتماعي مع قبيلته الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم، تلك القبيلة المتمردة المشهورة بلصوصها، وهناك اتصل به تأبَّط شراً، ووجد فيه تلميذاً ممتازاً، فلقَّنه دروس الصعلكة الأولى حتى صار لا يقام لسبيله، ورأى الشنفرى أن فرصة الانتقام من قبيلته الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.

صراع وتنافس لم يتوقف بين مختلف القبائل - عام 1921م
صراع وتنافس لم يتوقف بين مختلف القبائل – تعبيرية – مكتبة الكونغرس – عام 1921 م

وقد ورد أن بني سلامان بن مفرج سبت الشنفرى وهو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها ذهب ليقبلها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده ينشد أبياتاً يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، فلما سمع الرجل قوله سأله: ممن هو؟ فقال: أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة، فقال له: لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي، فقال: علي إن قتلوك أن أقتل منهم مائة رجل بك، فأنكحه ابنته، وخلى سبيله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه، ثم أخذ يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان ويقتلهم.

ويقتل الشنفرى منهم -فيما تزعم الروايات- تسعة وتسعين، ثم يتربص به أعداؤه، ثم يقتلونه بعد أن يتفننوا في تعذيبه تفنناً قاسياً، ثم يمر رجل منهم بجمجمته فيضربها فتعقره فيموت، وتتم به المائة الذين كانت حلفة الشنفرى عليهم.

أسباب تمرده:-

  • الاحتمال الأول: أنه نشأ في قومه الأزد، ثمَّ غاظوه فهجرهم.
  • الاحتمال الثاني: أن بني سلامان أسروه حينما كان صغيراً، فشبَّ لديهم يطلب النجاة، حتى جاءته الفرصة للهرب، ثم عاد لينتقم منهم.
  • الاحتمال الثالث: أنه وُلِدَ في بني سُلامان؛ فنشأ وترعرع في كنفهم، وهو لا يعلم أنَّه من غيرهم، حتى قال يوماً لابنة مولاه: “اغسلي رأسي يا أُخيَّة”، فلم يُعجبها ما ناداها به، فلطمته، وحينما استفسر عن سبب ذلك؛ أُخبِرَ بالحقيقة، فعقد العزم على أن يُلحق الأذى ببني سُلامان، وقد برَّ بقسمه بالفعل حينما حلَفَ أن يُزهق حياةَ مئة رجل منهم.

شعر الشنفرى الأزدي:-

يدور الجزء الأكبر من شعر الشنفرى حول هذا الصراع بينه وبين بني سلامان، والجزء الباقي منه حول أحاديث تصعلكه وفقره وتشرده وغاراته على غير بني سلامان.

كان الشنفرى الأزدي فاتكاً بمنافسيه
كان الشنفرى الأزدي فاتكاً بمنافسيه

وهو صاحب «لامية العرب» التي مطلعها:

أَقيموا بَني أُمّي صُدورَ مَطِيَّكُم
                   فَإِنّي إِلى قَومٍ سِواكُم لَأَمَيلُ
فَقَد حُمَّت الحاجاتُ واللَيلُ مُقمِرٌ
                   وَشُدَّت لِطِيّاتٍ مَطايا وَأَرُحلُ
وَفي الأَرضِ مَنأى لِلكَريمِ عَنِ الأَذى
                   وَفيها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ
لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ
                   سَرى راغِباً أَو راهِباً وَهوَ يَعقِلُ

شرحها الزمخشري في «أعجب العجب» المطبوع مع شرح آخر منسوب إلى الـمُبَرَّد، ويُظَنُّ أنه لأحد تلاميذ ثعلب.

شهرة اللامية:-

وقد احتلت اللَّامية منزلةً رفيعةً في الأدب العربي، مُزاحمةً بذلك مكانة المُعلَّقات، إذ يرى النُقَّاد بأن شهرتها وعناية العلماء بها؛ ترقى إلى منزلة لامية كعب بن زهير “بانت سُعاد” التي أنشدها في مَدح النبي الكريم عليه السلام، لكن من دون أن تستند في شهرتها إلى مرتكزٍ ديني كقصيدة كعب، وإنما ذاعت شهرتها بفضل جودتها الشعرية وطرافة المشاهد الصحراوية المصوَّرة، ناهيك عن وفرة المادة اللغوية المغرية ليقوم العلماء بشرحها وإعرابها.

العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم
العرب تجمعهم سلسلة من السمات وذلك على الرغم من اختلافهم حول أنسابهم

حياة الصعاليك:-

تشكَّلت مجموعة متآلفة من الصعاليك العدائين الشعراء، ذات طبيعة أدوار متنوعة، تلك هي الرابطة التي جمعت تأبط شراً بالسليّك بن السلكة بالشنفرى، إلى جانب كل من عمرو بن البرَّاق وأسيد بن جابر.

تميز نمط حياة “الشعراء الصعاليك” بكثرةِ عمليات النهب والسَّلب والغارات الليلية التي كانت تتسبب في ترويع الأطفال والنساء والشيوخ، وحينما كان الصعاليك يستشعرون باقتراب الفرسان أو حُماة حِمى القبائل من ادراكهم؛ كانوا يلوذون بالجبال الشاهقة أو الأدوية الوعرة، أو الأدغال التي يخبرون خباياها ومسالكها.

وفاته:-

جاء في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني أنه “كان من أمر الشنفرى، وسبب أسره ومقتله؛ أن الأزدَ قتلت الحارث بن السائب الفهمي (من فهم)، فأبوا أن يبوؤوا بقتله، فباء بقتله رجل منهم يقال له حزام بن جابر قبل ذلك، فمات أخو الشنفرى، فأنشأت أمُّه تبكيه، فقال الشنفرى، وكان أول ما قاله من الشعر:

ليـــــــــــس لوالدة هَمُّها

ولا قِيلُهَا لابنها دَعدعِ

تَطُوفُ وَتَحذَرُ أحوَالَهُ

وَغَيرُكِ أملكُ بالمصرَعِ

وقد قتله بنو سلامان نحو سنة 70ق.هـ-525م، وقيست قَفَزَات الشنفرى الأزدي ليلة مقتله، فكانت الواحدة منها قريباً من عشرين خطوة، وفي الأمثال: “أعدى من الشنفرى”، وتفيد الرواية الأكثر انتشاراً بأن بني سُلامان تمكنوا من قتله وذلك بعد أن قتل منهم خلقاً كثيراً، حيث جرى قتله بالتعاون مع أسيد بن جابر، وهو أحد العدائين المعروفين آنذاك.

وقد رثاه رفيق دربه تأبَّط شراً بقصيدة طويلة هذه آخر ثلاث أبيات منها:

وإنَّ سَـوَامَ المـوتِ تَجري خِلالَنا .. رَوَائح من أحداثهِ، وبواكِرُ

فَــلا يَبعــدَنَّ الشَّــنفَـرى وسِـلاحُهُ .. الحديدُ، وشدُّ خطوُهُ مُتوَاتِرُ

إذا رَاعَ رَوعُ المَوتِ: رَاعَ، وإن حَمَى… حَمَى مَعَهَ حُرٌّ كرِيمٌ، مُصابِرُ

تأبط شراً






المصادر:

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق