أخبار العرب

الشماخ بن ضرار .. الشاعر الغطفاني الفحل

شهد العديد من الغَزوات والمعارك الإسلامية مثل غزوة القادسية وموقان

من هو الشماخ بن ضرار ؟

الشماخ بن ضرار بن حرملة هو شاعرٌ مخضرم شهير، أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم فحسن إسلامه، وقِيل: إن له صحبة، وشهد العديد من الغَزوات والمعارك الإسلامية مثل غزوة القادسية وموقان وغيرها، كُنيته أبو سعيد، أو أبو كثير، واسمه مَعقِل وقيل الهيثم، والشماخ هو لقبه، وأمه هي مُعَاذة بنت بُجَيْر بن خلف من بنات الخُرْشُب، واللاتي يُقال إنهن أنجبُ نساء العرب.

قال أبو الفرج الأصفهاني مُدلّلًا على صحبته:”أدرك الشماخ الجاهلية والإسلام وقال مُخاطبًا النبي – صلى الله عليه وسلم-‏:‏

تعلــمْ رســـــول اللّٰه أنّا كأنّنــــا .. أفـــأنــا بأنمار ثعالب ذي غِسلِ

تعلمْ رســـــول اللّٰه لم تـرَ مثلهـم .. أجــرّ على الأدنى وأحرم للفضلِ

ذكرَه ابن سلّام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ضمن شعراء الطبقة الثالثة من الشعراء الجاهليين، أي في طبقة النابغة الجعدي، وأبي ذؤيب الهُذلي، ولُبيد بن ربيعة العامري.

والشماخ بن ضِرار هو أحد عوران قيس الخمسة من فحول الشعراء وهم: تميم بن أُبيّ بن مقبل (ت :25هـ)، والراعي النُّميري (ت:90هـ)، وحُمَيد بن ثور (ت :30هـ)، وابن أحمر الباهلي (ت :65هـ)، والشّماخ.

نسب الشماخ بن ضرار بن حرملة :-

الشماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان بن أمامة بن عَمْرو بن جِحَاش بن بَجَالة ابن مازِن بن ثعلبة بن سَعْد بن ذُبْيان الغطفانيّ.

إخوته :-

كان له أخويين شقيقين؛ وهما مُزرِّد بن ضِرار، وجَزْء بن ضرار، وكان هو أفحلهما بشهادة العلماء.

وحدث أنْ هوى الشماخ بن ضرار أخت الشاعر التغلبي جَبَل بن جوّال، واسمها كلبة بنت جوال، وغاب فترة عن قومه لحاجة؛ فلما عاد وجد أن أخاه جَزْء استغلّ غيابه وأرادها لنفسه وتزوجها، فاحتدَم الخصامُ بينهما، وظلّا على خِلافٍ حتى ماتا مُتهاجرين.

قصته مع امرأته سُليمة :-

كان للشماخ امرأة من بني سليم، إحدى بني حرام بن سمال، فتنازعا وادَّعت عليه طلاقًا، وأعانها قومها وناصروها على طلاقها، واحتكموا إلى كثير بن الصلت، وكان عثمان بن عفان قد استعمله للمقاضاة والنظر بين الناس في المنازعات، وهو رجل من كندة من بني جمح،فحكم كثيرٌ بأن عليه يمينًا، فتلكأ الشماخ باليمين، يحرضهم عليها، ثم حلف في نهاية الأمر، وقال في ذلك:

أتتْني سُلَيْمٌ قضُّها وقـضـيضـهـا .. تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سِـبـالـهـا

يقولون لي: يا احلِفْ! ولستُ بحالفٍ .. أخاتِلُهم عنها لكـيمـا أنـالـهـا

ففرَّجْتُ هــمَّ النَّفـسِ عني بـحَـلْـفَـةٍ .. كمـــا شقَّتِ الشَّقراءُ عنها جلالـهـا

الشماخ بن ضرار يرثي عمرًا بن الخطاب :-

رثى الشماخ عمرًا بن الخطاب – رضي الله عنه- فأحسن وأجاد، بعد حادثة مقتله غدرًا في صلاة الفجر على يد أبي لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة، فقال:

جَـزَى الله خيــرًا من أميــرٍ وباركــتْ .. يد الله في ذاك الأديم المـمـزَّقِ

فمن يَسْعَ أو يركبْ جَنَاحَيْ نعامةٍ .. ليُدركَ ما حاولتَ بالأمس يُسْبَـقِ

أَبَعــدَ قَتيــــلٍ بِالمَدينَــــةِ أَظلَمَـت … لَــهُ الأَرضُ تَهتَزُّ العِضاهُ بِأَسؤُقِ

تَظَــلُّ الحَصــانُ البِكـرُ يُلقــي جَنينَهـا .. نَثـا خَبَرٍ فَوقَ المَطِيِّ مُعَلَّقِ

قضيتَ أمـورًا ثم غــادرتَ بعدهـــا .. بوائـقَ في أكمامها لم تـفـتّـق

ومـا كنتُ أخشــى أن تكــون وفاتـــه .. بكَفَّــيْ سَبَنْتَي أزرقِ العين مُطْرِقِ

الشماخ بن ضرار بن حرملة من شعراء الطبقة الثالثة.

أقوالٌ في الشماخ بن ضرار :-

  • قال الجمحي: “كان الشَّماخ بن ضرار أشدّ كلامًا من لبيد، إلا أن فيه كَزَازة(أي يبسٌ وتقبض لبداوة لفظه وغرابته)، وكان لُبيد بن ربيعة أسهل منه مَنطِقًا”.
  • وقال الحُطَيْئَةُ في وصية له: “أبلغوا الشَّمّاخَ أنه أشعر غطفان”.
  • وقال المَرْزبَانِيُّ: “وكان شديدَ متونِ الشّعر، صحيح الكلام؛ وأدرك الإسلام فأسلم، وحسَنُ إسلامه”
  • وقال ابنُ الكَلبِيِّ: “كان الشمّاخ أوصف الناس للحمر وللقوس”.
  • وقال ابن قُتيبة: “كان الشّمّاخ أرجز الناس على بديهة”.

الشماخ وعَرَابة الأوسي:

قَدِم الشماخ بن ضرار  إلى المدينة، فاحتفى به عَرَابة بن أوس، وسأله عن سبب قدومه المدينة، فقال له: “أردتُ أن أمتارَ لأهلي”، فكَساه وأكرمه، وبالغ في ضيافته، وزوّد له راحلته بالتمر والزّاد والماء، وكان عَرَابة مشهورًا بالجود والكرم، فشكرَ له الشماخ حُسن صنيعه، وقال مادحًا إياه:

رأيـتُ عَـــــرَابــةَ الأوســيّ يسـمـــو .. إلــى الخيراتِ منقطع القرينِ

إذا مـــا رايــــــةٌ رُفعـتْ لمجـدٍ .. تلقَّاهــــا عَـرابةُ باليمينِ

إذا بلَّغتِني وحَملتِ رَحلي .. عرابة، فاشْرقي بدمِ الوتينِ

ومثــلُ سـراة قـــومـك لـم يُجــــاروا .. إلــى ربع الرهان ولا الثَّمينِ

وقد عاب عليه البعض قوله مخاطبًا ناقته التي حملته: “فاشرقي بدم الوتين”، أي أنه يبشرها بالنّحر، وقالوا: إنه كان ينبغي له أن ينظر إليها مع استغنائه عنها، وأول مَن عاب عليه ذلك هو ممدوحه عَرَابة الأوسي، الذي أنشأ هذه القصيدة مدحًا له؛  فقال عندما بلغه قوله ذاك:”بئسما كافأتها به”، مُتأسِّيًا عرابة في ذلك بالنبي – صلى الله عليه وسلم – حينما أتتْه الأنصارية المأسورة بمكة، بعدما نَجتْ على ناقةٍ لها، فقالت: يا رسول الله إني نذرتُ إنْ نجوتُ عليها أن أنحرَها، فقال – صلى الله عليه وسلم – :لَبئس ما جزيتها، وقد عاب عليه أيضًا  الشاعر أحيحة بن الجلاح هذا القول حينما أنشده إياه.

قصيدة القوس العذراء :-

كانت القوس للفارس العربي بمثابة الضلع لا تنفكّ عن صاحبها، وكانت بالنسبة إليه أكثر من سلاحٍ أو أداة، ففيها استودع الفارس جزءًا من كرامته وقوته وعزّة نفسه، وقد اشتهر الشماخ بن ضرار بقصائده التي يتغزل فيها بالقوس، ويصفه، ولعل من أشهر هذه القصائد قصيدته الزائيّة، التي يتحدث فيها عن قوسه التي قطعها وقوّمها بدقة وعناية، وسوّاها وأسنّها، وكانت رفيقة دربه وعمره، حتى اضطرته الفاقة والعَوز لبيعها في موسم الحج، فلم يكن الأمر عليه بالهيّن، وسطّر عنها تلك القصيدة.

وكانت هذه القصيدة الشهيرة منبع الوحي والإلهام الذي استقى منه المعاصرون كثيرٌ من المعاني والأفكار والألفاظ والأساليب، فهذا هو المحقق والأديب محمود شاكر قد استوحى من قصيدة الشماخ قصيدته الشهيرة بعنوان “القوس العذراء” في مائتين وتسعين بيتًا،  نسج فيها محمود شاكر قصة مطولة يُصور ويُجسّد فيها العلاقة الخاصة بين الصياد وقوسه، التي باتت بين يديه كمحبوبته الجميلة،  ويعيش مزيجًا من التردد والصراع والحيرة والبؤس حينما يساومه عليها المشترون بثمن بخس، ويتجرع المرّ مِرارًا لاضطراره المساومة في بيع قوسه العذراء.

يقول الشماخ بن ضرار في قصيدته الزائية:

تَخَيَّرَهــا القَــوّاسُ مِن فَرعِ ضـالَةٍ .. لَهــا شَذَبٌ مِن دونِها وحَواجِزُ

نَمَت في مَكــانٍ كَنَّهــا وَاِستَوَت بِهِ .. فَمـــا دونَها مِن غيلِها مُتَلاحِزُ

فَمـــا زالَ يَنجو كُــلَّ رَطبٍ وَيابِــسٍ .. وَيَنغَـلُّ حَتّى نالَها وَهوَ بارِزُ

فَأَنحــى إِلَيهــا ذاتَ حَـدٍّ غُرابُـهـــا .. عَـدُوٌّ لِأَوساطِ العِضاهِ مُشارِزُ

فَلَمَّــا اِطمَــأَنَّت في يَدَيهِ رَأى غِنـىً .. أَحـــاطَ بِهِ وَاِزوَرَّ عَمَّن يُحاوِزُ

فَمَظَّعَهــا عامَينِ مــاءَ لِحائِهـــا .. وَيَنظُــرُ مِنها أَيَّها هُوَ غامِزُ

أَقـــامَ الثِقافُ وَالطَــريدَةُ دَرأَهـــا .. كَمــا قَوَّمَت ضِغنَ الشَموسِ المَهامِزُ

فَـوافى بِهــا أَهـلَ المَواسِـمِ فَاِنبَرى .. لَهــا بَيِّعٌ يُغلي بِها السَومَ رائِزُ

فَقـــالَ لَهُ هَــل تَشتَريهــا فَإِنَّهـــا .. تُبــاعُ بِما بيعَ التِلادُ الحَرائِزُ

فَقـــــالَ إِزارٌ شَـــرعَبِــيٌّ وَأَربَــــعٌ … مِــنَ السِيَـراءِ أَو أَواقٍ نَواجِزُ

ثَمـانٍ مِنَ الكيـــرِيِّ حُمــرٌ كَأَنَّهـــا .. مِــنَ الجَمرِ ما ذَكّى عَلى النارِ خابِزُ

وَبُردانِ مِن خــالٍ وَتِسعــونَ دِرهَمـــاً .. ومع ذاكَ مَقروظٌ مِنَ الجِلدِ ماعِزُ

فَظَــلَّ يُناجــي نَفسَــهُ وَأَميرَهـــا .. أَيَأتـــي الَّذي يُعطى بِها أَم يُجاوِزُ

فَقالـــوا لـــهُ بايِــع أَخــاكَ وَلا يَكُـــن .. لـكَ اليومَ عَن رِبحٍ مِن البَيعِ لاهِزُ

فَلَمَّـا شَـراها فـاضَتِ العَينُ عَبـرَةً .. وفـي الصدرِ حُزّازٌ مِن الوَجدِ حامِزُ

وفاته:-

تُوفي الشماخ بن ضرار مُجاهدًا في سبيل الله؛ فقد غزا أذربيجان مع سعيد بن العاص، واستشهد في فتح مُوقَان في زمن الخليفة عثمان بن عفان، وكانت وفاته نحو سنة 22ھ-642م، وقِيل: سنة 24ھ.

المصادر:-

● ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج3، ص285.
● أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج3، ص 175.
● البغدادي، خزانة الأدب، ج1، ص526.
● المرزباني، الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء، ص79.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى