أعلاممعلومات تاريخية

” في الشعر الجاهلي “… الكتاب المثير للجدل لطه حسين

قال: إن أغلبَ ما وصلنا من الشعرِ الجاهليّ يكاد يكون خاليًا من مظاهر الوثنية

تمهيد:-

إنَّ نُشوبَ الصراعات هو أمرٌ حتميّ حِيال الإنتاجات الفكريةِ الجديدةِ غير المعهودة، بل هو جزءٌ لا يتجزأ منها، لكنّ الشخصيات المُناضلة أصحاب القضايا التجديدية لا يَتَوانون عن مُجابهةِ شتَّى الصراعاتِ في سبيل قضاياهم، والأهم من ذلك أن يتحلَّوا بالشجاعةِ الكافيةِ لمُجابهةِ أخطائهم حال الوقوع فيها؛ لأنّ هذه الطفرات الفكريّة – بلا شك – وليدة عقول بشريّة لم تتَّسم يومًا بالكمال.

كتابُ ” في الشعر الجاهلي “:-

كتابٌ أثارَ ضجةً، وأحدث جدلًا وأزمةً، وأشعل المعاركَ القلميّة، في الساحات الدينيّة والأدبيّة؛ لما تم اعتباره مساسًا بكثيرٍ من القيمِ الراسخةِ، والأصولِ الثابتةِ في التاريخ العربي، إنّه كتاب ” في الشعر الجاهلي ” لِعميدِ الأدبِ العربيِّ طه حسين (1889- 1973م).

صدر كتاب ” في الشعر الجاهلي ” عام 1926م، وأحدث ضجة هائلة على جميع المستويات، لأنه ابتدع طفرةً غيرَ مسبوقة في النّهج النقديّ آنذاك، وتناول قضايا حساسةً وآراءً جريئةً يمكن أن تُصيبَ الأدب العربي وتاريخه في مقتل، حيث يرى طه حسين أنّ غالبيةَ الشعر الجاهلي منحولٌ ولا يَمتُّ إلى الجاهليَّةِ بصلةٍ، وتناول كثيرًا من الأشعار الجاهليةِ بالنقدِ، واتهمها بالتلفيقِ والانتحالِ، وبأنها نُسبت إلى أصحابها لأغراضٍ سياسية ودينية – على حدّ قوله – بعد ظهور الإسلام.

دلائل وأسباب انتحال الشعر الجاهلي :-

استدل عميد الأدب العربي على اجتهاده واستنتاجه بأن أغلبَ ما وصلنا من الشعر الجاهلي يكاد يكون خاليًا من مظاهر الوثنية؛ لذا فلا ريب أنه تعرّضَ لحذفٍ وتنقيحٍ حتى يبدو على صورته التي وصلتنا، كما أن أغلب هذه الأشعار تمثل بيئةَ المسلمين وحياتهم أكثر مما تُمثّل حياةَ الجاهليين حيث يقول :«لا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء»، ومن ثمَّ – كما يرى – فلا يجوز البتَّة أن نستشهدَ بهذه الأشعار في تأويلِ القرآن والأحاديث، بل إنّ الأدقَ هو الاستشهاد بالقرآن والأحاديث في تأويل الشعر الجاهلي ، كما استدل على ذلك بوجود بعض المصطلحاتِ والمفرداتِ القرآنيةِ ضمنَ الأشعارِ الجاهليةِ.

ويوضح أيضًا أن المطامعَ السياسية للقبائل العربية التي دخلت الإسلام كانت أحد الأسباب القوية التي دفعت تلك القبائل لتلفيق أشعار على لسان أحد أبنائها لتنال مجدًا وسبقًا بين القبائل، فهم محتاجون أن يجمعوا بين اعتناقهم واعتزازهم بهذا الدين وبين منافعهم ومطامعهم ومكانتهم السياسية – على حد قوله – إذ يقول :”هم مسلمون لم يظهروا على العالم إلا بالإسلام، فهم محتاجون أن يعتزوا بهذا الدين ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه، وهم في الوقت نفسه أهل عصبيّة وأصحاب مطامع ومنافع؛ فهم مضطرون إلى أن يراعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم”.

الشعر الجاهلي طه حسين

كما لم يَخل الأمر من المنافع الدينية، مستشهدًا باليهود والنصارى الذين انتحلوا كثيرًا من الشعر بعد ظهور الإسلام، ونسبوه لأبناء ديانتهم.

منهج طه حسين في كتاب الشعر الجاهلي:

اتبع طه حسين في تشريحه للشعر الجاهلي منهج وآراءَ كثيرٍ من المُستشرقين، وعلى رأسهم منهج الشك الديكارتي، والذي يتخذ من الشكِّ أساسًا لكي يصل به إلى الحقائق العلمية، ذلك المنهج الذي قاعدته الأساسية أن يستقبل الباحث موضوع بحثه خالي الذهن تمامًا مما قيل فيه قبلًا، ومُتحررًا من كل شيء كان يعلمه من قبل، وهذا ما صرَّح به في مَطلعِ كتابه إذ يقول : «إنى سأسلك فى هذا النحو من البحثِ مَسلك المحدثين من أصحابِ العلمِ والفلسفةِ فيما يتناولون من العلم والفلسفة، أريد أن أصطنع فى الأدب هذا المنهج الفلسفى الذى استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء فى أول هذا العصر الحديث».

تأثره بالمستشرقين:-

لا يختلف اثنان على مدى تأثر طه حسين بالمستشرقين، وقد كان مُطلعًا بنَهَمٍ على آرائهم، ودائمًا ما كان يتحين الفرص ليُثني عليها ويُبدي إعجابه بها إذ يقول :”إني شديد الإعجاب بالأستاذ هوار وبطائفة المستشرقين، وبما ينتهون إليه في كثيرٍ من الأحيانِ من النتائجِ العلميةِ القيمةِ في تاريح الأدب العربي”، وقد ذهبَ بعضُ الدّارسين أنّ طه حسين قد تأثّر في كتابه هذا بالمستشرق صموئيل مرجليوث لصدور بحث مرجليوث “أصول الشعر العربي” قبل عدة أشهر فقط من صدور كتاب ” في الشعر الجاهلي “.

طرفة بن العبد البكري شاعر جاهلي من الطبقة الأولى (543 م - 469 م)، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره، وأشهر شعره معلقته التي مطلعها "لخولة أطلال ببرقة ثهمد"

بعض المقاطع المثيرة للجدل في الكتاب:-

للوقوف على وجهة نظر طه حسين في اجتهاده فيما أتي به في كتابه ” في الشعر الجاهلي ” من نقدٍ كان لابد
من استقطاع بعض المقاطع من الكتاب ومنها:

● قاده هذا المنهج إلى نَسفِ بديهيات ومُسلّمات موروثة خاصة في النص الديني حيث يقول في أكثر
المقاطع إثارة للجدل: “للتوراة أن تُحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يُحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود
هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي
تُحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المُستعربة فيها”.

● استنكر المعارضون دعوته لإفراغِ العقلِ من كل شيء ومن كل نزعةٍ – دينية أو قومية – ومن المُسلمات أيضًا إذ يقول في كتابه :”نعم يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضادّ هذه القومية، وما يضادّ هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلاّ مناهج البحث العلمي الصحيح”

● ويُتابع طه حسين شرحه لمنهجه الجديد مُلوِّحًا بدعوته لتطبيق المنهج الديكارتي بلا قيود فيقول :”وليس حظ هذا المذهب مُنتهيًا عند هذا الحد، بل هو يُجاوزه إلى حدودٍ أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرًا، فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ، وهم قد ينتهون إلى الشّك في أشياءٍ لم يكن يُباح الشك فيها”.

● ويقول أيضًا :”كانت قريش مُتدينةً قويةَ الإيمانِ بدينها، ولهذا الدين وللإيمان بهذا الدين، جاهدت ما جاهدت، وضحّت ما ضحّت”.

موقف الكتاب من رواة القرن الثاني الهجري:-

وجَّه كتاب ” في الشعر الجاهلي ” أصابع الاتهام لرواة صدر الإسلام بانتحال الشعر الجاهلي بعد ظهور
الإسلام، ونسبته عمدًا إلى شعراء الجاهلية، واتهم تحديدًا رواة القرن الثاني الهجري بذلك، ومنهم حمّاد
راوية الكوفة، وخلف الأحمر راوية البصرة، هؤلاء وأمثالهم – كما وصفهم طه حسين – لم يترددوا في
انتحال أشعار كثيرة لشعراء الجاهلية أمثال امرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن قميئة، وطرفة
بن العبد، والحارث بن حلزة.

الشعر الجاهلي

معارضةٌ عنيفةٌ وردود أفعالٍ غير محمودة:-

أثارَ ” في الشعر الجاهلي ” معارضةً شديدة، وفتح على طه حسين أبواب الخصومة على مصراعيها وأقام
الدنيا ولم يُقعدها إلّا بسحب الكتاب من الأسواقِ نظرًا لمخالفته الأسلوب النقدي القديم المُتوارث، وأُصدر
قرار من قِبَلِ إسماعيل صدقي – رئيس الوزراء آنذاك- بفصل طه حسين من عمادة كلية الآدابِ، ووصل الأمر
إلى اتهامه في إيمانه وعقيدته، وقد أُحيل إلى النيابة للتحقيق معه وتشكيل لجنة لِتفنيدِ الكتابِ، هذه
المعارضة الشديدة أثارها وقادها رجال الأزهر الشريف، وقد أُلِّفت كتبٌ خصيصًا للرد على الكتاب ونقض ما
فيه، ومن أشهر هذه الكتب:

● “تحت راية القرآن” لمصطفى صادق الرافعي
● “الشهاب الراصد” لمحمد لطفي جمعة
● “نقض كتاب في الشعر الجاهلي” لشيخ الأزهر محمد الخضر حسين.
● “النقد التحليلي في كتاب في الأدب الجاهلي” لمحمد أحمد الغمراوي.

إنّ هذا الهجوم الشديد على طه حسين دفعه للإعتذار، وحذف بعض الجمل من كتابه، وإعادة صياغة بعض
الفقرات التي تحوي تحاملًا نقديًا على بعض الأشعار الجاهلية، وتهكمًا على الثوابت الدينية -بحسب ما تم
اتهامه به – وأُعيد إصدار الكتاب في العام التالي 1927م، تحت عنوان “في الأدب الجاهليّ”.

خاتمة:-

سيظل طه حسين – بما له وما عليه – محتفظًا بمكانته الأدبية المتميزة في وجدان أمة لا تنكر كفاحه ونضاله
ودعوته المستميتة للتجديد، وسيظل كتابه ” في الشعر الجاهلي ” – بأفكاره الصائبة والخاطئة – موضع
خلاف وإثارة للجدل، تمامًا كشخص كاتبه.

المصادر:-

  • في الشعر الجاهلي ، طه حسين.
  • في الأدب الجاهلي، طه حسين.
  • بين الرافعي وطه حسين تحت راية القرآن، صابر عبد الدايم، 2005.
الوسوم

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق