أعلام

الشريف المرتضى .. المتكلم والأديب والشاعر

أحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي، وهو أكبر منه

الشريف المرتضى:-

الشريف المرتضى هو السيد علي بن حسين بن موسى، أبو القاسم القرشي العلوي الحسيني البغدادي، من سلالة الإمام جعفر الصادق، ومن أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي، وهو أكبر منه، وُلِد ببغداد سنة 355هـ، كان يُلقَّب بـ «المرتضى ذي المجدين» «علم الهدى».

وارتضع الشريف المرتضى لبان العِز والسؤدُد والشَّرَف من والدته الكريمة الشَّريفة السيدة فاطمة بنت أبي محمد الحسن النَّاصر الصغير ابن أبي الحسين أحمد بن محمد النَّاصِر الكبير بن علي بن الحَسَن بن علي الأصغر ابن عمر الأشرف ابن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وكان أبوه عظيم المنزلة عند خلفاء بني العباس والبويهيين، وتولى نقابة الطالبيين مرات، وتولى المظالم والحج بالناس دفعات، وقد لُقِّب بالطَّّاهر الأوحد، ذي المناقب، لقَّبه بذلك الملك بهاء الدولة البويهي، لما توافر عليه من مناقب جَمَّة ومزايا رفيعة، أهلته لتولي المهام الجسيمة، والاطلاع بالمسؤوليات الخطيرة.

مكانته العلمية والأدبية:-

كان الشريف المرتضى نقيب الطالبيين، إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، بارعاً في المناظرة، معتزلياً على مذهب الشيعة الإمامية، وقد اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم.

أبيات من الحكمة للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -

كانت دُورُه منتجعاً لأهل العلم وطالبي الفضل والمعرفة، يرتادونها للتعلُّم والمُدارسة والرِّفادة ويستريح في رحابِها الوافدون عليه من شتَّى الجِهات، بعد أن يكون قد أجهدهم تعب المسير إليه، فكان قلب السيد المرتضى يسعهم كما اتسعت لهم دُورُه، فقد كان يغدق عليهم من خيراته ومن الثروة الطائلة التي وهبها الله له.

كان الشريف المرتضى من أيسر العُلماء حالاً وأثراهُم، فقد كانت له فيما يذكره أكثر مؤرخيه أملاك وعقارات وقُرَى تمتدُّ بين بغداد وكربلاء يخترقها نهر كبير يجري إلى الفُرات تقطعه السُّفُن في مواسِم الزِّيارات، وكانت ثمار تلك الأشجار المتهدلة بها على حافتي النَّهر طُعْمَة سائغة من السَّيد المُرتضى لأولئك العابرين بهذا النهر، لا يصدهم عنها أحد، ولا يمنعهم من اقتطافها مانع.

كما عُرِفَ عنه – ولعله أول من بدأ ذلك- إجراؤه الرواتب الشهرية على تلامذته، مما يعينهم على التفرُّغ لتحصيل العِلم ومواصلة الاشتغال به.

روى عن: سهل بن أحمد الدِّيباجِي، وأبي عبد الله الْمَرْزُبَانِي، وغيرهما.

أساتذة الشريف المرتضى :-

تتلمذ الشريف المرتضى وشقيقه الشريف الرَّضي على يد مجموعة من أكابر العلماء والأدباء والنُحاة في عصرهما، ومن بين أبرز هؤلاء الأساتذة:

  • الشاعر الأديب أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي (توفي سنة 405 هجرية)، حيث تلقيا عنه فنون العربية من النَّحو والصَّرف والتصريف والمعاني والبيان والبديع.
  • الشيخ أبو عبد الله العكبري البغدادي (الشيخ المفيد)، وقد نهلا من علومه في ميادين الفقه وأصوله وفي الكلام والتفسير، وتوفي الشيخ المفيد سنة 413 هجرية وشهد جنازته قرابة 80 ألف مشيِّع، وقد رثاه تلميذه المرتضى بقوله:

من على هذه الدِّيــار أقــامـــا … وضــفـــا ملبس عليه فدامـا

عج بنـــا نندب الذين تــولَّـــوا … باقتـيــاد المنون عاماً فعامـا

  • الشيخ أبو عبيد الله محمد بن عمران الكاتب المعروف بالمرزباني الخرساني الأصل، الإمام المعتزلي في الأدب والشِّعر المتوفى ببغداد سنة 384 هجرية، كانت داره مقصد العلماء والمتأدبين، مهيأة بالكُتُب والورق والمِداد، مُعدَّة بالطَّعام وسُبُل الرَّاحة والنَّوم المخصَّصة لطلبة العلم.
  • من أساتذته أيضاً، أبي القاسم بن جنيقا الدقاق، وأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب، والشيخ أبي عبد الله بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، وأخذ أيضاً عن سهل بن أحمد الديباجي، وعن أبي الحسن الجندي، وعن أبي الحسين أحمد الكوفي الكاتب، وعن أبي القاسم التلعكبري.

شعر الشريف المرتضى:-

كان الشريف المرتضى جيد الشعر، وله ديوان شعر كبير، وإذا وصف الطيف أجاد فيه، وقد استعمله في كثير من المواضع؛ من ذلك قوله:

مــازالَ يخدعُني بأسـبــابِ الكَـرى .. حتَّى حـسبْتُ بأنَّــهُ حقّـاً معــي

ولقد عجبْتُ على المسافةِ بيننــا .. كيــف اهتدى مِنْ غير هادٍ موضعي؟

ومن ذلك قوله:

وزَوْرٍ تخـطّـــى جَنــوبَ المَـــلا .. فنـــاديت أهــلاً بــذا الزّائــرِ

أتـانـي هـــدوّاً وَعــينُ الـرّقــي.. ب مطروفةٌ بالكرى الغامرِ

فأعجب بهِ يُسعف الهاجعينَ.. وتُحرمــه مُقلــةُ السّـاهـــرِ

وعـهــدي بتمويــه عيـــن المحــبّ .. تنُـــمُّ علـى قلـــبه الطّـائــرِ

فَلَـــمّا اِلتَقــينــا بـرغـــم الـرّقـــــا.. دِ مَــوّه قلبـي على ناظــري

وبيـضُ العـــوارضِ لـمّا بـــرز.. ن بـرّحـــن بالقمـر الباهــرِ

يُعِرْن الحليمَ خُفــوفَ السّفيـهِ .. ويحلُــلْن عَقْدَ الفتى الماهرِ

أبيات من الحكمة للمتكلم المعتزلي الشريف المرتضى

وقال السيد المرتضى أيضاً في الطيف:

أمِنكِ سرى طيفٌ وقد كان لا يسري.. ونحن جميعاً هاجعون على الغَمْرِ

تعـجّبتُ مـنه كـيــف أمَّ رِكـابنـا.. وأرحُلَنــا بين الـرِّحال وما يـدري

وَكـيف اِهتـدى والقاعُ بيني وبينـه.. ولمَّاعــةُ القُطرين منَّاعةُ القَطْــرِ

عبَّر الشريف المرتضى عن جزعه على فقدان أخيه الرضي بقصيدة أبان فيها توجعه وتفجعه وذهوله من ذلك المُصاب الجَلَل (الموت) بقوله:

يا للرجالِ لفجعة جذمت يدي .. ووددتها ذهبت عليَّ برأسي

ما زلتُ أحذر وردها حتى أتت .. فحسوتها في بعضِ ما أنا حاسِ

ومطلتـهـــا زمنـــاً ولمــــا صممــت .. لــم يجِدني مطلي وطول مكاسي

لا تنكروا من فيض دمعي عبرة .. فالدَّمع خيرُ مساعدٍ ومواسي

لله عمــــرك من قصيــرٍ طـــاهرٍ .. ولــرب عُمـرٍ طال بالأرجاسِ

ما قيل فيه:-

  • قال ابن خلَّكان: “مِلَحُ الشريف المرتضى وفضائله كثيرة”.
  • وقال الذهبي: “ديوان المرتضى كبير، وتواليفه كثيرة، وكان صاحب فنون … كان من الأذكياء الأولياء، المتبحرين في الكلام والاعتزال، والأدب والشعر”.
  • وقال الخطيب البغدادي: “كتبت عنه، وكان رأساً في الاعتزال، كثير الاطلاع والجدل”.
  • وقال الصفدي: “كان فاضلاً ماهراً أديباً متكلماً، له مصنفات جمة على مذهب الشيعة”.
  • وقال السيد علي خان في “الدرجات الرفيعة” : ..”فقد كان المرتضى أوحَد زمانه فضلاً وعِلماً وفقها وكلاماً وحديثاً وشعراً وخِطابةً وكرماً وجاهاً إلى غير ذلك”.
  • وقال ابن أبي طي عنه : “هو أول من جَعَلَ داره دار العِلم، وقدَّرها للمناظرة، ويقال: إنه أُمِّرَ ولم يبلغ العشرين، وكان قد حصَّل رئاسة الدُّنيا: العلم مع العمل الكثير في الوقت اليسير، والمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام الليل، وإفادة العِلم، وكان لا يؤثر على العِلم شيئاً، مع البلاغة، وفصاحة اللَّهجة”.
  • وقال ابن الجوزي : وكان يناظر عنده في كُلِّ المذاهب.
  • وقال ابن بسام الأندلسي في المنقول عنه في “مرآة الجِنان” لليافعي: “.. إمام أهل العراق بين الاختلاف والافتراق، إليه فَزَعَ علماؤها، وأخذ عنه عظماؤها، صاحب مدارسها وجامع شارِدها وآنسها، ممن سارت أخباره، وعُرِفت بها أشعاره، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره، وتواليفه في أصول الدِّين، وتصانيفه في أحكام المسلمين؛ مما يشهد أنه فرع تلك الأصول، ومن أهل ذلك البيت الجليل”.

وكــأن الدَّهـــرَ ألبسَــني ســــوادا … أروقُ به الغزالة والغزالا

نعمتُ بصبغــهِ زَمَنَـــاً قصيــــراً … فلمَّـــا حالت الأعوامُ حالا

من كتابه “في الشيب والشباب”.

مؤلفات الشريف المرتضى:-

  1. غُرَر الفوائد ودُرَر القلائد: المعروف بأمالي السيد المرتضى، وهي على ما قيل: كان السيد المُرتضى يُملي هذه الغُرَر والدُّرَر على تلامذته في طريق الحِجاز كلما نزل منزلاً، فجمعوها بالترتيب الذي سمعوا منه، وقد فَرَغ من إملائها سنة 413 هجرية.
  2. تكملة الغُرَر: وهي طائفة من المسائل التي اختارها مما كان يعرض له في مجالسه فيما بعد، وأشار بأن تُضاف إلى الغُرَر والدُّرَر نظراً للتَّشابه بينهما في المنهج والمنحى، وبها يتم كتاب الأمالي.
  3. ديوان شعر السيد المرتضى: ويقال إن فيه عشرين ألف بيتٍ.
  4. شرح القصيدة البائية للسيد الحميري.
  5. رسائل الشريف المرتضى في الفقه والأصول.
  6. الشيب والشباب: ويتألف من 99 صفحة وطُبِع في الأستانة سنة 1302 هجرية باسم “الشهاب في الشِّيب والشباب”.
  7. الذخيرة في الأصول.
  8. المسائل الناصريات: وهي عبارة عن 207 مسألة استلها الشريف المرتضى من فقه النَّاصر الكبير جدَّه لأمه، وشرحها وصحَّحها واستدل على صحتها من الكتاب والسُّنة والاجماع.
  9. تنزيه الأنبياء والأئمة، وقد أوَّلَ فيه الآيات والأحاديث الدَّالة على وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء والأئمة بتأويلات حَسَنَة، أبانَ فيها عن فضله وسِعَة اطلاعه، وبسَطَ يده وطول باعه.
  10. إنقاذ البشر من الجبر والقدر، ويتألف من 112 صفحة.
  11. تفضيل الأنبياء على الملائكة.
  12. المنع عن تفضيل الملائكة على الأنبياء.
  13. الأُصول الاعتقادية.
  14. طيف الخيال: مقدمة في الأصول الاعتقادية، ويتألف من 115 صفحة.
  15. الشافي في الإمامة وإبطال حجج العامة، والذي تصدَّى فيه السيد للرد على كتاب المُغني للقاضي عبد الجبار ، شيخ المعتزلة في عصره، وقد ردَّ أبو الحسين البصري المعتزلي على كتاب السيد المرتضى وانتصرَ للقاضي عبد الجبار.
  16. الانتصار لما انفردت فيه الإمامية.
  17. الذَّريعة إلى أُصول الشَّريعة: وقد حققه أبو القاسم كرجي سنة 1387 هجرية.
  18. الحدود والحقائق: في تعريفه المصطلحات الشَّرعية، ويتألف من 32 صفحة.
  19. جمل العلم والعمل : وقد ذكر فيه ما يجب اعتقاده في جميع أصول الدِّين، ثم ما يجب عمله من الشَّرعيات التي لا يتأكَّد المكلَّف من وجوبها عليه لعموم البلوى بها.
  20. المقنع في الغيبة: ألَّفه للوزير أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي المتوفى سنة 418 هجرية، كما ألَّفَ له رسالة في الولاية عن الجائر سنة 415 هجرية.
  21. مجموعة في فنون من علم الكَلام.
  22. رسالة في أحكام أهل الآخرة.
  23. رسالة في العِصمة.
  24. الفصول المختارة.

وفاته:-

توفي الشريف المرتضى ذي المحدين علم الهدى ببغداد يوم الأحد، 25 ربيع الأول، سنة 436هـ، ودُفِنَ في داره عشية ذلك النهار.


المصادر:

  • الأعلام (4/278).
  • البداية والنهاية (15/693).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (5/371).
  • الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (8/465).
  • نور الانتصار للسيد المرتضى، تقديم السيد محمد رضا السيد حسن الخرسان.
  • سير أعلام النبلاء (17/588/رقم 394).
  • وفيات الأعيان (3/313/رقم 443).
  • الوافي بالوفيات (20/231).
  • https://tile.loc.gov/storage-services/service/pnp/matpc/13200/13222v.jpg#h=770&w=1024

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى