أعلام

الشريف الرضي .. نقيب العلويين

من أهل الفضل والأدب والعلم، ابتدأ بنظم الشعر وعمره تسع سنوات، وكان شديد الذكاء والنباهة

الشريف الرضي:-

محمد بن الحسين بن موسى بن محمد، الشريف الرضي أبو الحسن الموسوي، نقيب العلويين، أشعر الطالبيين وأشعر شعراء قريش، وُلِد ببغداد سنة 359هـ، لقَّبه بهاء الدولة بالرَّضِي ذي الحَسَبَين، ولقَّب أخاه بالمرتضى ذي المجدين.

مكانته العلمية:-

كان من أهل الفضل والأدب والعلم، ابتدأ بنظم الشعر وعمره تسع سنوات، وكان شديد الذكاء والنباهة، وقد تتلمذ على يد علماء عصره في بغداد من رجال الشيعة وغيرهم، فأخذ اللغو والنحو عن أبي علي الفارسي، وابن جِنِّي، والْمَرْزُبَانِي، وأخذ الاعتزال من القاضي عبد الجبار، وأخذ الفقه وأصول العقيدة الإمامية عن الشيخ المفيد.

تتلمذ الشريف الرضي على يد علماء عصره في بغداد
تتلمذ الشريف الرضي على يد علماء عصره في بغداد

وكان له حظ من علم التفسير وعلم الحديث، حيث اشتغل بهما، وقد كان أبوه يتولى نقابة الطالبين، ويحكم فيهم أجمعين، وينظر في المظالم والحج بالناس، ثم رُدَّت هذه الأعمال كلها إلى ولده الشريف الرضي سنة 388هـ وأبوه حي.
أسس الشريف الرضي داراً للعلم، فتحها للطلاب، ورصد لهم جميع ما يحتاجون إليه.

شعر الشريف الرضي:-

كان محمد بن الحسين بن موسى شاعراً محسناً، له ديوان شعر كبير مشهور، وشعره من الطبقة الأولى رصفاً وبياناً وإبداعاً، قال الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، سمَّاه الأدباء النايحة الثكلى؛ لرقة شعره.

ويدل شعر الشريف الرضى على أنه تأثر أشد التأثر بالمتنبي، فقد أكبَّ عليه يقرؤه المرة والمرات، محبّاً له متعاطفاً معه، متمثلاً لكل ما يقول من شكوى الزمان، وأنه لا يعطيه ما يستحقه، وكان المتنبي يريد أن يكوِّن دولةً عربيةً، والدهر يناهضه، وكان الرَّضِي يشعر في أعماقه بأنه خليق أن يكون هو الخليفة دون أبناء عمه العباسيين، وتدفعه الضرورة إلى مصانعتهم بمديح لا يزال يزخر -مثل مديح المتنبي- بالفخر والشكوى من الأيام التي لا تنيله مبتغاه، حتى ليقول للإمام القادر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدر:

عَطفاً أَمـيرَ المُؤمِنينَ فَإِنَّنا
ما بَينَنا يَومَ الفَخارِ تَفاوُتٌ
إِلّا الخِــلافَةَ مَـيَّزَتكَ فَإِنَّني
في دَوحَـةِ العَلياءِ لا نَتَفَـرَّقِ
أَبَداً كِلانا في المَعالي مُعرِقُ
أَنا عاطِـلٌ مِنها وَأَنتَ مُطَـوَّقُ

وقال الشاعر الشريف الرضي في طلب المعالي:

رَمَتِ المَعالي فَاِمتَنَعنَ وَلَم يَزَل
وَصَبَرتُ حَـتّى نِلتُهُــنَّ وَلَـم أَقُــل
أَبَـداً يُمانِعُ عاشِـقاً مَعشوقُ
ضَجَراً دَواءُ الفارِكِ التَّطليقُ

ومن جميل شعره قوله:

يا قلـبُ مـا أنتَ مِـن نجــدٍ وسـاكنــه
راحــت نـــوازع مـــن قلبـي تتْبَعُـــــه
يـا صـاحبيَّ قِفـا لــي واقضيـاً وَطَـــرًا
هَلْ رُوضَتْ قاعُهُ الوَعْساء أم مُطِرَتْ
أم هَــــلْ أبيـتُ ودارٌ دون كــاظمــــةٍ
تضــوع أرواحُ نجــــدٍ مــن ثيـابهـــمُ
خلَّفت نَجْدًا وراء المُدْلِجِ السّاري
عَلَـــى بقـايــا لبــانــاتٍ وأوطـــــار
وحَـــدّثـانـي عَــنْ نجْـــدٍ بأخبــــار
خميلة الطَّلْح ذات البـان والغـارِ؟
داري، وسُمّار ذاك الحيّ سُمّـاري
عند القـدوم بقرب العهـد بالـدّار

ومن حكم الشريف الرضي قوله:

اشْــتَرِ الْعِــزَّ بِمَــا شِـئْـ
بِالْقِصَارِ الصُّفْرِ إِنْ شِئْـ
لَيْـسَ بِالْمَغْـبُونِ عَقْـلًا
إِنَّمَـــا يُــدَّخَـــــرُ الْمَـــا
وَالْفَتَى مَنْ جَعَلَ الْأَمْـ
ــتَ فَمَا الْعِـزُّ بِغَــالِ
ـتَ أَوِ السُّمْرِ الطِّوَالِ
مَـنْ شَـرَى عِـزًّا بِمَـالِ
لِ لِحَاجَـاتِ الرِّجَــالِ
ــوَالَ أَثْمَـانَ الْمَعَالِي

ومن شعر الشاعر الشريف الرضي في الوجد:

يَا طَائِـرَ الْبَـانِ غِرِّيــدًا عَلَى فَــنَنٍ
هَلْ أَنْتَ مُبْلِغُ مَنْ هَامَ الْفُؤَادُ بِـهِ
جِـنَايَــةً مَـا جَـنَاهَـا غَــيْرُ مُقْلَــتِهِ
لَـوْلَا تَذَكُّــرُ أَيَّـامِــي بِــذِي سَلَــمٍ
لَمَّا قَدَحْتُ بِنَارِ الْوَجْدِ فِي كَبِدِي
مَا هَـاجَ نَوْحُـكَ لِي يَا طَائِـرَ الْبَانِ
إِنَّ الطَّلِـيقَ يُـؤَدِّي حَاجَـةَ الْعَانِي
يَوْمَ الْوَدَاعِ وَوَاشَوْقِي إِلَى الْجَانِي
وَعِــنْدَ رَامَــةَ أَوَطَــارِي وَأَوْطَــانِي
وَلَا بَلَلْـتُ بِـمَاءِ الدَّمْــعِ أَجْــفَانِي

نوادره:-

أُحْضِرَ الشريف الرضي إلى ابن السيرافي النحوي وهو طفل لم يبلغ عمره عشر سنين فلقَّنَه النحو، وقعد معه يوماً في حلقته، فذاكره بشيء من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا: رأيت عمر، فما علامة النصب في عمر؟ فقال له الرضي: بغض علي؛ فعجب السيرافي والحاضرون من حدة خاطره.

وكان الشريف الرَّضِي يُكثِر من رثاء أصدقائه من الكُتَّاب والشُّعراء، وقد رثى أبا إسحاق الصابئ بقصيدته الدالية مفتتحاً لها بقوله:

أَعَلِمتَ مَن حَمَلوا عَلى الأَعوادِأَرَأَيتَ كَيفَ خَبا ضِياءُ النادي

وعاتبه الناس في ذلك؛ لكونه شريفاً من سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورثى صابئاً، فقال: “إنما رثيت فضله”.

ما قيل فيه:-

قال الخطيب البغدادي: ” سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ -وكان أحد الرؤساء- يقول: سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب، يقولون: الرضي أشعر قريش، فقال ابن محفوظ: هذا صحيح، وقد كان من قريش من يجيد القول إلا أن شعره قليل، فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي”.

وقال ابن كثير: “كان نقيب الطالبيين ببغداد بعد أبيه، وكان فاضلاً ديِّناً، قرأ القرآن بعد ثلاثين سنة من عمره، وحفظ طرفاً جيداً من الفقه وفنون العلم، وكان شاعراً مُطَبِّقاً، سخياً جواداً ورعاً”.

ابن كثير تحدَّث عن فضائل الشريف الرضي

وقال أبو منصور الثعالبي: “أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر وفضل باهر وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم … ولو قلت: إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالي القدح الممتنع عن القدح، الذي يجمع إلى السلاسة متانة وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مدها”.

مؤلفات الشريف الرضي:-

  1. ديوان الشريف الرضي.
  2. الحَسَن من شعر الحسين: هو مختارات من شعر ابن الحجاج، مرتبة على الحروف في ثمانية أجزاء.
  3. المجازات النبوية.
  4. تلخيص البيان عن مجاز القرآن.
  5. مختار شعر الصابئ.
  6. حقائق التأويل في متشابه التنزيل.
  7. خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

وفاته:-

توفي محمد بن الحسين بن موسى « الشريف الرضي » في بغداد، 5 محرم، سنة 406هـ، وقد عاش 47 سنة، ودُفِنَ في داره بمسجد الأنبار بالكرخ، وقد خربت الدار ودرس القبر، وولي مناصبه أخوه الشريف المرتضى، ومضى أخوه الشريف المرتضى إلى مشهد موسى بن جعفر؛ لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة، وقد رثاه أخوه الشريف المرتضى بقوله:

يَا لِلرِّجَالِ لِفَجْعَةٍ جَذَمَتْ يَدِي
مَـا زِلْـتُ آبَى وِرْدَهَـا، حَـتَّى أَتَتْ
وَمَطَـلْتُـهَا زَمَنـًا، فَلَمَّـا صَمَّمَـتْ
لَا تُنْكِرُوا مِنْ فَيْضِ دَمْعِي عَبْرَةً
وَاهًا لِعُمْـرِكَ مِـنْ قَصِيرٍ طَـاهِرٍ
وَوَدِدْتُهَــا ذَهَــبَتْ عَلَـيَّ بِرَاسِـــي
فَحَسَوْتُهَا فِي بَعْضِ مَا أَنَا حَاسِي
لَـمْ يَثْنِهَا مَطْلِي، وَطُـولُ مِكَـاسِي
فَالــدَّمْـعُ خَـيْرُ مُسَاعِدٍ وَمُــؤَاسِ
وَلَـرُبَّ عُمْـــرٍ طَـــالَ بِالْأَرْجَـــاسِ

المصادر:

  • الأعلام (6/99).
  • البداية والنهاية (15/566).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (5/277)، و(5/360)، و(5/371).
  • تاريخ بغداد (3/40/رقم 664).
  • العبر في خبر من غبر (2/213).
  • الكامل في التاريخ (7/608).
  • وفيات الأعيان (4/414/رقم 667).
  • الوافي بالوفيات (2/276).
  • يتيمة الدهر (3/155).
  • الصورة الرئيسية من صفحة ديوة خانه الخاتون على الفيس بوك
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق