أعلام

ولي الله الدهلوي .. الفقيه والمفسر والمتكلم

ظل يتبع تدريس الحديث الشريف زمنا طويلاً بأسلوب يتسم بالروعة والعظمة

ولي الله الدهلوياسمه ونسبه ولقبه وكنيته:-

ولي الله الدهلوي هو الشيخ: أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين الشهيد بن معظم بن منصور بن أحمد بن محمود بن قوام الدين بن قاسم بن كبير الدين بن عبد الملك بن قطب الدين بن كمال الدين بن شمس الدين بن شيرملك بن محمد بن أبي الفتح بن عمر بن عادل بن فاروق بن جرجيس بن أحمد بن محمد بن عثمان بن ماهان بن همايون بن قريش بن سليمان بن عفان بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي رضي الله عنه.

ولي الله الدهلويمولده:-

ولد الإمام ولي الله الدهلوي صباح يوم الأربعاء في 14 شوال 1114 هـ / 2 من مارس 1703 م في بيت أخواله بقرية فلت في مديرية مظفر نكر بدلهي بالهند.

وذلك في أواخر عهد السلطان أورنجزيب (أحد سلاطين الدول التيمورية العظام).

نشأته:-

نشأ ولي الله الدهلوي في بيت علم وصلاح، فأبوه الشيخ عبد الرحيم، كان عالمًا ماهرًا في علوم مختلفة، وله في ذلك الوقت ستون سنة،

أنشأ المدرسة الرحيمية في دلهي وسميت على اسمه، وخرجت تلك المدرسة الكثير من علماء دلهي، بل كل علماء دلهي في ذلك العصر، وهم الذين انتشروا بعد ذلك في الهند دعاة وقضاة ومعلمين، وكانت تدرس كل العلوم الإسلامية والعربية والعقلية، وكانت العقيدة المعتمدة في التدريس هي عقيدة أهل السنة والجماعة على المذهب الأشعري الذي لا يكفر أحداً من أهل القبلة، مبتعداً عن التجسيم والتعطيل والتشبيه.

جهود أمه في تربيته:-

كانت أمه “فخر النساء” كريمة تقية ترعى أولادها بالرعاية العظيمة وتربيهم في ظلال الشريعة، كانت تمتاز ببراعة فائقة في العلوم الدينية.

قلما توجد في مثلها من النساء، ولهذه الأم الحنونة العالمة مساهمة كبيرة في تربية الإمام ولي الله الدهلوي، وكان هدف أمه أن يصبح ابنها عالمًا كبيرًا.

جهود والده رحمه الله:-

كان لوالد ولي الله الدهلوي المشاركة في تدوين ومراجعة “الفتاوى الهندية” على المذهب الحنفي التي عهد إليه بها السلطان عالمكير، وأشرف السلطان على إخراجها، ولم يكن متعصباً للحنفية وكان صوفياً على طريقة الفقهاء، وورث ذلك منه ابنه صاحب الترجمة.

طلبه للعلم منذ الصغر:-

أدخله أبوه في الكتاب في الخامسة من عمره، وبعد سنتين تعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم في أواخر هذه السنة. وبدأ قراءة الكتب الفارسية والكتب الابتدائية المختصرة في العربية.

وفرغ ولي الله الدهلوي من دراسة الكتب المدرسية المتداولة في الهند في مختلف العلوم والفنون في هذه السنة نفسها. وحصل من والده على إجازة التدريس والتعليم فبدأ التدريس في مدرسة أبيه “المدرسة الرحيمية” المشهورة حينذاك.

ولما بلغ السابعة عشرة من عمره مرض والده، وفي هذا المرض وافاه الأجل، فأجازه والده قبل وفاته بأخذ البيعة وأذن له بالتوجيه والإرشاد.

الهند التي يمثل المسلمون فيها شريحة مهمة من السكان

يقول الدهلوي:

«بعد أن توفي الوالد اشتغلت بتدريس الكتب الدينية والعقلية لمدة تقارب اثنتي عشرة سنة فتضلعت في العلوم بأنواعها. وكلما قمت بالمراقبة الروحية والتأمل لدى قبر الوالد انحلت مسائل التوحيد وفتحت أبواب السلوك وظفرت بالنصيب الوافر من المعرفة وازدحمت العلوم الوجدانية في ذهني. وبعد دراسة المذاهب الأربعة وكتبها الأصولية والأحاديث التي تستدل عليها هذه المذاهب عرفت بنور البصيرة إن الطريق هو طريق الفقهاء المحدثين».

زواجه في سن صغير:-

ولما كان ولي الله الدهلوي في السنة الرابعة عشرة من عمره؛ تزوج بابنة خاله (أمة الرحيم) “الشيخ عبد الله الصديقي الفلتي”.

رحلته إلى الحرمين الشريفين:-

لما كان ولي الله الدهلوي في الثلاثين من عمره؛ رحل إلى الحرمين الشريفين سنة ١١٤٣ هـ/ ١٧٣٠ م، وأدّى فريضة الحج في تلك السنة ومرة أخرى في السنة التالية.

وأقام في الحجاز نحو عامين. فحصلت له فرص واسعة للتعلم من العلماء الماهرين في الحديث خاصة والعلوم الأخرى عامة.

فتلمّذ على الشيخ أبي طاهر المدني، وقرأ عليه أطرافا من الكتب الصحاح الستة والموطأ والمسند للدارمي وكتاب الآثار للإمام محمد ونال منه إجازة بقية الكتب وتلمّذ أيضًا على الشيخ وفد الله، وأيضًا على الشيخ تاج الدين القلعي الحنفي الذي كان مفتيا بمكة المكرمة، وكان متبحرًا في علوم الحديث والتفسير والفقه فسمع منه الصحاح الستة وموطأ مالك بن أنس وغيرها.

وأعطاه الشيخ إجازة رواية الحديث ولم يكتف بإجازة شفوية فقط بل كتبها بقلمه على ورقة. يدل هذا على ورعه ودقة نظره وعلى شوقه إلى حصول العلوم.

توفي الفضيل بن عياض في الديار المقدسة
أثره بالغ على المسلمين في شبه القارة الهندية

عودته إلى المدرسة الرحيمية:-

وبعد سنتين؛ عاد ولي الله الدهلوي من الحرمين الشريفين في رجب 1145 هـ / يونيو حزيران 1732 م. واستأنف أيضا عملية التدريس في المدرسة الرحيمية.

وظل يتبع تدريس الحديث الشريف زمنا طويلاً بأسلوب يتسم بالروعة والعظمة، واشتغل في تدريس الطلاب بكل جهد وشغف حتى لا يعطي للأعمال الأخرى مثل الوعظ والإفتاء وفصل الخصومات إلا وقتًا يسيرًا.

وكان يربي الطلاب تربية روحية ويؤدبهم بآداب السلوك والطريقة. وكان شغله الشاغل وتركيزه الكامل في هذه الفترة هو صناعة الرجال وتكوين الشخصيات.

فازداد عدد الطلاب الذين يجيئون إليه بعد عودته من الحرمين الشريفين زيادة ملحوظة حتى من خارج البلد. وهذه الحقيقة مما يدعو إلى الإعجاب وإثارة الدهشة.

تعرف مكانة الدهلوي بكثرة تلاميذه وغزارتهم العلمية وقدرتهم على التصنيف والتأليف وبراعتهم في الدرس والإفادة، كما تعرف بعض الأشجار بثمارها. وبعد ثلاثين سنة من حياته الأخيرة أوقف عملية التدريس والإفادة العامة تدريجياً.

زواجه للمرة الثانية:-

أشرنا إلى زواج ولي الله الدهلوي الأول لما كان في الرابعة عشر من عمره من ابنة خاله التي أنجبت له ابنًا يسمى محمد، وبعد وفاة هذه الزوجة الأولى تم زواج الدهلوي بكريمة السيد ثناء الله السونيبتي المسماة “السيدة أرادت”.

وأنجبت له أبناءه الأربعة المعروفين: الشاه عبد العزيز، والشاه رفيع الدين عبد الوهاب، والشاه عبد القادر، والشاه عبد الغني وبنتا واحدة.

أعمال الشاه ولي الله الدهلوي:-

وإذا تهيأنا للبحث في أعماله وجدناها تدور على القرآن، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والعقائد، والكلام، والفلسفة، والسياسية، والاجتماع، والتصوف، والتاريخ، والسيرة الذاتية، والشعر العربي، والنحو، والأخلاق، والعلوم الروحية، والعلوم النفسية.

من مؤلفات ولي الله الدهلوي :-

  1. حجة الله البالغة.
  2. البدور البازغة.
  3. حسنة العقيدة.
  4. مكتوب مدني.
  5. الخير الكثير.
  6. المقدمة السنية في الانتصار لفرق السنية.
  7. عقد الجيد.

ويقال: إن أعماله يكون عددها بين ثمانين وتسعين، وفي قول آخر يكون عددها بين تسعين وألف، وقد ورد ذكر بعض مؤلفاته في ثنايا الإجازات والمقالات الصوفية والكتب والرسائل الأخرى.

وفاة ولي الله الدهلوي:-

قال ابنه عبد العزيز الدهلوي عن وفاة والده الشاه ولي الله الدهلوي:

«إن الوالد الماجد لم يكن يعتل إلا قليلاً لكنه أصيب بمرض في بداية ذي الحجة سنة ١١٧٥ هـ / أواخر يونيو ١٧٦٢ م فاشتد مرضه، وكانت بدايته في قرية “بدهانه” من مديرية مظفربور. فلما طال المرض جيء به إلى دهلي في التاسع من ذي الحجة سنة ١١٧٥ هـ / يوم الأول من يوليو ١٧٦٢ م حيث نزل في بيت واحد من مريديه اسمه بابا فضل الله الكشميري في داخل أسوار جامع روشن الدولة، وقد بذل الأطباء جهدهم في مداواته ولكن الداء ظل يشتد وأخيرا حان الأجل المحتوم ولفظ نفسه الأخير وقت الظهيرة ٢٩ محرم ١١٧٦ هـ / ٢٠ أغسطس ١٧٦٢ م».

اقرأ أيضاً: قلعة صلخد .. شاهد على تقلب الممالك

مصادر ترجمته:-

اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني الدهلوي، وأبجد العلوم للقنوجي، وفهرس الفهارس، والحطة للقنوجي، والأعلام للزركلي، ومعجم المؤلفين، ومقدمة المسوى شرح الموطأ.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى