أعلام

معروف الرصافي .. القامة التي سخّرت شعرها للنضال ضد الظلم

دعا في شعره إلى القضاء على التخلف والجهل، واتسم بالوطنية والقومية

اسمه ونشأته:-

معروف بن عبد الغني البغدادي الرُّصَافي، أحد أبرز أعلام الشعر العراقي، وُلِدَ معروف الرصافي في بغداد سنة 1294هـ-1877م، ونشأ بها في الرُّصافة.

مسيرة معروف الرصافي التعليمية:-

درس الرصافي في الكُتَّاب، وتعلم في المدرسة الابتدائية لمدة ثلاث سنوات، انضم بعدها للمدرسة الرشيدية العسكرية، واهتم بعد ذلك بدراسة الدين والأدب، فتتلمذ على يدي محمود شكري الآلوسي لمدة اثنتي عشرة سنة، وهو الذي أطلق عليه لقب “الرُّصَافي”؛ نسبة إلى الرُّصافة في بغداد.

الرصافي الذي لم يترك مناسبة إلا وعبر خلالها عن مواجهته للظلم والإحتلال
الرصافي الذي لم يترك مناسبة إلا وعبر خلالها عن مواجهته للظلم والإحتلال

مسيرة الرصافي العلمية والنضالية:-

برع في الشعر الذي سخره للنضال ضد الظلم والطغيان، ورحل إلى إسطنبول ليصبح معلماً للغة العربية في المدرسة الملكية، وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني، وهجا دعاة الإصلاح واللامركزية من العرب.

رحل إلى دمشق بعد الحرب العالمية الأولى ليصبح معلماً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، رجع بعد ذلك إلى بغداد ليصبح نائباً لرئيس لجنة الترجمة والتعريب، ثم أصدر جريدة «الأمل» اليومية سنة 1923م.

تم تعيينه مفتشاً في المعارف، فمدرساً للعربية وآدابها في دار المعلمين، فرئيساً للجنة الاصطلاحات العلمية، واستقال من الأعمال الحكومية سنة 1928م، فانتُخِبَ عضواً في مجلس النواب، خمس مرات، مدة ثمانية أعوام.

جنود إنجليز في العاصمة العراقية – عام 1932 م – مكتبة الكونغرس

بقي يناضل ضد الانتداب والحكومات اليت أوجدها، ونظَّم في ذلك عدة قصائد؛ مثل: «غادة الانتداب»، و«حكومة الانتداب»، و«كيف نحن في العراق؟»، ومن أشعاره النضالية هذه الأبيات:

أنا بالسياســـة والحكـــومة أعرف .. أَأُلام في تفنيــدها وأُعنـَّف

علـــم ودستـــور ومجلــس أمــــة .. كـــل عن المعنى الصحيح محرَّفُ

أسمــاء ليس لنا سوى ألفاظـهـــا .. أمـــا معانيـها فليست تُعـرف

قال: “إن المعاهدة التي تقع بين ضعيف وقوي كالمعاهدة العراقية البريطانية؛ لا يجوز في عُرف السياسة  أن تسمَّى معاهدة إلَّا عن طريق التمويه والمخادعة والمواربة بالكَلِمات والألفاظ، وإنَّما هي ظُلم وإرهاق  وكل من قَبِلَ الظُّلم والإرهاق لا يكون حراً، ومن لم يُكن حُرَّاً كان بعيداً عن الاستقلال بُعد الثريا عن الثرى” وأنشد:

والعهـد بيـن الإنكـــليز وبيننــا .. كــالعهــد بين الشَّـاة والرئبــالِ

من ذا رأى ذئب الذئــــاب معاهِداً .. بصداقةِ حَمَلاً من الأحمــالِ

ولمّا وُقِّعت المعاهدة العراقية – البريطانية بنهاية شهر يونيو حزيران من سنة 1930 ، في عهد وزارة نوري السَّعيد، ونُشِرَت نصوصها؛ قال فيها الرُّصافي:

نشــروا المُعــــاهدةُ التي في طيِّهـــا .. قَيــدٌ يعضُّ بأرجـُــلِ الآمــالِ

قـد أبلـعونــا حبَّــــةَ استغلالِنــــا .. لَكِــن مموَّهــــة بالاستقــــلالِ

كَتََبـــوا لنـــا تِلكَ العهـــود وإنَّمــا .. وضعوا بها قِفْـــلاً على الأغلالِ

شُلَّــت أكُــفُّ موقِّعيهــــا إنَّهُــم .. حَـلَّـت عَليهِم لَعنَةُ الأجيـــالِ

وخاطب الوزراء في قصيدة “حكومة الانتداب” قائلاً:

هَـذي كَــرَاسي الــوِزارة تحتَكُـــم .. كـــادَت لفَرْطِ حيائهــا تتقصَّفُ

أنتم عليهــا والأجــانــب فوقـكــم .. كُــلٌّ بسلطتهِ عليكُم مُشرِفُ

وكان الرُّصافي يهاجم التدخُّل البريطاني في بلاده في كُلِّ مناسبة، ويشهِّر بالحكومة والوزراء لخضوعِهم لهذا التدخُّل، حيث قال في الوزراة:

إنَّ الـــوزارةَ – لا أبا لـك- عندنـــا .. ثــوبٌ يُفصَّــل في معامـِـلِ لَندنـَــا

لا يرتديهِ سِــوى امرئٍ أضحى لـــهُ .. طبعــاً ودادُ الإنكليز وديدنــا

قال العديد من القصائد دعماً لثورة رشيد عالي الكيلاني في مصر، وصادف ذلك أثناء زيارته لمصر سنة 1936م.

سمات شِعر معروف الرصافي:-

اتسم شعره بالقوة والجزالة، وتنوع شعره بين الهجاء والمجون والوصف والنضال، وتنافس والزهاوي وتهاجياً، وكان لكلٍّ مجاله الخاص: الرُّصافي بوصفه، والزهاوي بفلسفته.

نهر دجلة الذي يشطر بغداد – الصورة تعود للعام 1932 م

كما دعا في شعره إلى القضاء على التخلف والجهل، واتسم بالوطنية والقومية، كما تحدث في بعض القصائد عن بعض الإنجازات التي تمت في عصره؛ كالقطار والسيارة والكهرباء، كما نظَّم قصائد قصيية مثل: «اليتيم في العيد»، و«الفقر والسقام»، و«أبو دلامة والمستقبل» التي يقول فيها:

قضت المطــــامـع أن نطيل جـــدالا .. وأبَيْنَ إلا باطلا ومِحالا

في كــل يــوم للمطــــامــع ثــــورة .. باسم السياسة تستجيش قتالا

ما ضرَّ من ساســـوا البلاد لوَ أنَّهــم .. كــــانوا على طلب الوفاق عِيالا

غرسوا المطامع واغتدوا يسقونها .. بدم هريقَ على الثرى سيالا

نثروا الدماء على البطاح شقائقاً .. وتوهموها الروضة المِحلالا

معروف الرصافي وشعر الغزل: –

وللرُّصــافي غَزَلٌ حِسّيٌ يصِف فيه مفاتن المرأة في كل عضو من أعضائها في قصيدة عنوانها “بداعة لا خلاعة”، قال فيها:

هــــي غمـــــازة اللَّحــــاظِ لعـــــوبُ .. ذات دلّ طريفة لحـــانه

بضــة ، نعمــة ، لمـيـس ، رداح .. غــــادة ، أحــورية بهنــانه

ناهِد النــوديلين محطوطــة المــتنين .. خــود ، رجراجـة ، وركـانه

خدلــة ساقها ، مهفهفــة الخَــصْر .. كعــاب ، براقــة ، سيقانـــه

الرثاء عند الرصافي:-

على الرغم من المنافسة الحادة والسِّجالات التي شهدتها الساحة الأدبية في العراق بين الرُّصافي من جهة  وجميل صدقي الزَّهاوي الشاعر الكبير الآخر من جهة، ثانية، غير أن الأول تأثر كثيراً بوفاة الثاني.

فلمَّا قضى الزَّهاوي في 23 شباط فبراير من العام 1936 م؛ وقف الرُّصافي على قبره بين مشيعيه يبكي بكاءً مُرَّاً، وألقى أبياتاً يُقال إنه ارتجلها لساعته:

أيُّــها الفيلسوفُ قد عِشْتَ مُضنى .. مثل مَيتٍ وصِرْتَ بالمـــوتِ حــيَّا

سَوفَ يبقى بين الــورى لَكَ ذِكرٌ .. نـاطـــقٌ بالبقــاءِ لم يخْشَ شيَّــا

أنتَ فــردٌ فــي الفضـــل حيَّــاً وميِّتــاً .. حُــزتَ في الحالتين ذِكــراً عَلِيـــا

سَــوفَ أبكــي عليــــكَ شجــواً وإنـي .. كُنْـتُ أبكيـكَ في الحياةِ شجيَّـــا

معروف الرصافي ينتقد الانقسام الطائفي:-

في عهده ؛ كان عدد سكَّان العراق زُهاء 5 ملايين نسمة، في مجتمع منقسمٍ على نفسه بين شيعة وسُنَّة، وهو أمرٌ انتقده الرُّصافي الذي رأى في ذلك تعطيلاً لتقدَّم ووحدة البلاد ذات التَّاريخ الطويل.

ويقول : ” ولكن المسلمين لما استولى عليهم من الجُمود في الفِكر والجمود في الطَّبع؛ لم يكتفواً من تفرُّقهم بشيعة وسُنَّة، وشيعي وسُنِّي، بل أصبحوا مقلِّدين حتى في مسائل الوضوء والاستنجاء، فهذا جعفريٌ وهذا حنفيٌ وذاك شافعيٌ والآخر مالكيٌ أو حنبليٌ إلى غير ذلك من المذاهب..، والتي أصبح كلُّ واحدٍ من أهلها يزدري الآخر، ويقول بتخطئته  ويعاديه، فضاعَت بذلك وحْدة الإسلام التي جاء بها محمد بن عبد الله”.

ويضيف: ” فالمسلم الصَّحيح يجب أن يكون وأن يتسمَّى مُسلماً لا غير ، فلا هو شيعي، ولا هو سُني، كما كان أصحاب رسول الله مسلمين لا غير”.

ويزيد ” كذلك يجب أن يكون المسلم حُرَّاً في حياته، وُحرَّاً في تفكيره أيضاً، ومعنى كونه حُرَّاً في حياته أن لا يقبل حُكماً إلا لله، ولا يخضع لسُلطانٍ إلَّا سُلطان الله، وحُكم الله وسُلطانه لا يتجليان إلَّا في الشَّرع الذي أنزلهُ الله على نبيه محمد، وفي القانون الذي أجمَعَ عليه المسلمون، لأنّ  إجماع المسلمين مُنبعثٌ من وحدتهم، فهو يحمل روحَ الإسلام الذي هو دين الوحدة”.

ويختم الرُّصافي بالقول: ” فلذا؛ يكون حُكمه وسُلطانه كحُكم الله وسُلطانه، فعلى المسلم ألَّا يقبل حُكماً إلَّا لله، وأن لا يخضع إلَّا لسُلطان الله، وإذا كان كذلك؛ كان بلا ريبٍ حُرَّاً في حياته”.

كتب الشاعر معروف الرصافي:-

  1. ديوان الرصافي.
  2. دفع الهجنة.
  3. دفع المراق في لغة العامة من أهل العراق.
  4. رسائل التعليقات: نقد فيها كِتابا زكي مبارك «النثر الفني»، و«التصوف الإسلامي».
  5. نفح الطيب في الخطابة والخطيب.
  6. محاضرات الأدب العربي.
  7. ديوان الأناشيد المدرسية.
  8. تمائم التربية والتعليم: شعر.
  9. آراء أبي العلاء.
  10. على باب سجن أبي العلاء.
  11. الآلة والأداة : في أسماء الأدوات والآلات التي يحتاج إلى استعمالها.

وفاته:-

توفِّي الشَّاعر العراقي الوطني الكبير معروف الرُّصافي في عام 1945 م، وقد كان شخصية قيادية مُناهِضة للاستعمار والحُكومات العربية المحسوبة عليه، قد لعب دور رأس الرُّمح في كثير من القضايا الوطنية التي شهدتها بلاده، منذ نهاية القرن التاسع عشر.

كما كان الرُّصافي من أبرز دُعاة توحُّد أبناء بلاده وحشد قواهم لتحقيق التنمية والتحرُّر بعيداً عن الانقسامات والتجاذبات الطائفية التي أكد غير مرَّة أنَّها مختلقة، ولا تتصل بالإسلام في شيء.

وقد ترك الرُّصافي مؤلفات قيمة تنوعت بين الشعر والرواية والنثر، لكنه لم يُنجِب ذريةً، إذ انفَصَلَ مُبكِّراً عن زوجته التركية ، وبقي أعزباً طيلة حياته التي تخللها عمله مدرساً في مدينة القُدس وإصداره عدة صُحف ببغداد وتمثيل منطقته في مجلس النوَّاب العراقي .

وصيته:-

وبينما كانَ أصدقاء الشَّاعر الكبير في داره يستعدون لتشييعه  إلى مثواه الأخير ؛ ذُكِرَت وصية الرُّصافي التي كَتَبها وأودَعَها الأخيرُ عند صديقه المحامي محمود السنوي، الذي أعطاها بدوره للراوي مصطفى علي الذي قرأها على الحاضرين، ومما ورد فيها:

  • كل ما كتبتُ من نظمٍ ونثر لم أجعل هدفي منه منفعتي الشخصية، وإنَّما قصَدتُ منه منفعة المجتمع الذي عِشْتُ فيه، والقوم الذين أنا منهم، ونشأت بينهم ، فلذا لم أوفَّق إلى شيء في حياتي يسمَّى بالرَّفاهية والسَّعادة في الحياة.
  • لا أملك سوى فراشي الذي أنام فيه، وثيابي التي ألبسها، وكل ما عدا ذلك من الأثاث الحقير الذي في مسكني ليس لي، بل هو مال أهله الذين يساكنوني.
  • بما أن عبد بن صالح الذي هو معاوني في العيش في مسكني؛ كنتُ أنا السبب في زواجه، وقد ولد له بنات صِغار، وليس له من أسباب المعيشة والكسب ما يجعله قادراً على إعاشتِهِن، أرجو من أهل الخير في الدُّنيا، ومن أصدقائي الكِرام الأحرار أن يسعوا في إيجاد شُغلِ له يكسَب به ما يقوم بإعاشتهن وأن الله لا يُضيعُ أجر المحسنين.
  • كل ما عندي من الكُتُب المخطوطة التي كتبتها أن نُباع لمن يرغب في شرائها، على أن يكون له حق الطَّبع والنَّشر، ولا يكون لي فيها سوى الأسم، ويُدفع المال الحاصِل من بيعها إلى بنات عبد (الذي كان يقوم على مساعدته).
  • أُدفن في أي مقبرةٍ كانت، على أن يكون قبري في طرفٍ منها، وأن يكون في أرضٍ مظلومة، وهي التي لم تُحفَر قبلاً.
  • كُلُّ من اعتدى عليّ في حياتي فهو في حلٍ مِني، وإن كان هناك من اعتديتُ عليه فهو بالخيار إن شاء عفا عنّي، وإلَّا قضى بيني وبينه الله الذي هو أحكم الحاكمين.
  • إن كانت الحياة نعمةً سابغةً من الله على عباده، فإن الموت رحمةً واسعة منه عليهم، فالموت هو رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء.

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى