أعلامانفوجرافيكس

عمرو بن كلثوم .. الشاعر والفارس الجاهلي الكبير

نشأ على الفروسية والكبرياء، وهو أحد العرب الذين يُعدون في طليعة الفرسان الفتاكين

الشاعر عمرو بن كلثوم:-

عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، من بني تغلب، أبو الأسود، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة، وتجوَّل فيها وفي الشام والعراق ونجد، أما تاريخ ولادته؛ فلا يوجد ما يؤكده تحديداً، وقد جعل المستشرق الفرنسي أرماند كوسان دي برسفال (المتوفى عام 1871 م)، سنة ولادة الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي في العام 525 ميلادي، وكل ما يمكن للمرء تأكيده، بأنه عاصر عمرو بن هند (554-570 م)، وأنه أدرك النعمان بن المنذر (850-602 م)، وهجاه أيضاً.

أسرته وشخصيته:-

عاش وترعرع الشاعر عمرو بن كلثوم في كنف أسرةٍ يحيط بها ويكتنزها ويُكللها العزُّ والأنفة والإباء، ليرثَ هذه الشيم والسِّمات برمتها من آبائه وأجداده، فوالده هو كلثوم بن مالك أفرسُ العرب، وجدهُ لوالدته هو المهلهل بن ربيعة شقيق كُليب بن ربيعة بن وائل أعزُّ العرب، لتجتمع كل هذه السجايا في شخص عمرو الذي كان من أعز الناس نفساً، ومن الفتاك الشجعان، هو أحد العرب الذين يُعدون في طليعة الفرسان الفتاكين، وبذلك يضرب به المثل، فيقال: “أفتكُ من عمرو بن كلثوم”، كما ساد قومه تغلب وهو فتى، وعمَّرَ طويلاً.

اشتهر عمرو بن كلثوم التغلبي بقوته وفروسيته فضلاً عن مكانته الشعرية
اشتهر عمرو بن كلثوم التغلبي بقوته وفروسيته فضلاً عن مكانته الشعرية

نشأ عمرو بن كلثوم على الفروسية والكبرياء في بيت أسياد تغلب، هذه القبيلة المرهوبة الجانب، فكان من الطبيعي أن يكون معتداً بنفسه، فخوراً بأهله وقومه، ويظهر جلياً بأنه حاز غالبية السمات الحميدة كالشاعرية، والخطابة، والفروسية، والشجاعة، والكرم.

إنْ تَسْــــألي تَغْلِبــاً وإِخْوَتَهُــمْ .. يُنْبُـــوكِ أَنِّــي مِنْ خَيْرِهِمْ نِسِبِــــا

أنْمــي إلى الصَّيْـــدِ مِــنْ رَبِيعَــــةَ .. أَخْيَــــارِ مِنْهُــمْ إِنْ حُصِّــلُوا نَسَبــا

وعمرو شاعرٌ مطبوع، تميز شعره بالفخر والحماسة، واعتبره ابن سلّام في صدرِ الطبقة السادسة من طبقات الشعراء الجاهليين، وهم بالإضافة إلى عمرو بن كلثوم؛ كل من الحارث بن حلزة، وعنترة بن شداد، وسويد بن أبي كاهل.

كثيرون يعتبرون الشاعر عمرو بن كلثوم الشخصية الأكثر جمعاً للقدرات والمواهب بين نظرائه من شعراء المعلقات
كثيرون يعتبرون الشاعر عمرو بن كلثوم الشخصية الأكثر جمعاً للقدرات والمواهب بين نظرائه من شعراء المعلقات

قتل عمرو بن هند ملك الحيرة:-

وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان سبب ذلك أن عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أن أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟
فقالوا: نعم، عَمرو بن كلثوم، قال: ولم ذلك؟ قالوا: لأن أباها المُهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك بن عتَّاب أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد من هو منه.

فأرسل عَمْرُو بن هند إلى عَمْرُو بن كُلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بنى تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه مملكته فحضروا، وأتاه عَمْرُو بن كُلثوم في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقة، ودخلت ليلى بنت مهلهل أم عمرو بن كلثوم على هند في قبة في جانب الرواق، وهند أم عمرو بن هند عمة امرئ القيس الشاعر، وليلى بنت مهلهل أم عمرو بن كلثوم هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة أم امرئ القيس، وقد كان أمر عمرو بن هند أمه أن تنحى الخدم إذا دعا بالطرف، وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها، فأكلوا، ثم دعا بالطرف.

فقالت هند: يا ليلى ناولينى ذلك الطبق! فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحت، فصاحت ليلى: واذلاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه، ونظر إلى عَمْرُو بن هند، فعرف الشر في وجهه، فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق، وليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند حتى قتله، ونادى في بني تغلب، فانتهبوا جميع ما في الرواق، وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة، ففي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:

بِأَيِّ مَشِـيْئَـــةٍ عَمْــــرَو بْـنَ هِنْـــدٍ .. تُطِيْـــعُ بِنَا الوُشَاةَ وَتَزْدَرِيْنَا

تَهَـــــدَّدُنَـا وَتُــوْعِـــدُنَا رُوَيْـــــداً .. مَتَــــى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَــوِيْنَا

وقال أفنون التغلبي متغنياً ومفتخراً بما فعله عمرو:

لعمرك ما عمرو بن هندٍ وقد دعا .. لتخــــدُم ليلــــى أُمَّــهُ بموَفَّـــــقِ

فقام ابن كلثوم إلى السَّـيفِ مُصْلِتـاً .. فأمسَــــكَ مِن ندمــــانه بالمُخَنَّــقِ

وجلَّلــــهُ عَمْرو على الرَّأسِ ضَرْبَـــــةً .. بذي شطب صافي الحديدةِ رَوْنَقِ

معلقة عمرو بن كلثوم:-

أشهر شعره معلقته التي مطلعها “ألا هبي بصحنك فأصبحينا“، يقال: إنها كانت في نحو ألف بيت، وإنما بقي منها ما حفظه الرواة، وفيها من الفخر والحماسة العجب، يقول الشاعر عمرو بن كلثوم فيها:

أَلاَ هُـبِّــي بِصَحْـنِــــكِ فَــاصْبَحِـينَـــا .. وَلا تُبقــي خُمــورَ الأَنــدَرينا

مُشَـعشَعَـــةً كَــــأَنَّ الحُـصَّ فيــــه .. إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخـينا

تَجــــورُ بِذي اللُبانَــــةِ عَــن هَــــواهُ .. إِذا مـا ذاقَـــها حَتّـــى يَلـــينا

تَرى اللَحِــــزَ الشَحيـــحَ إِذا أُمِـرَّت .. عَلَيــــهِ لِمالِـــهِ فـيها مُهـــينا

صَـبَنتِ الكَــــأسَ عَنّـا أُمَّ عَمــرٍو .. وَكـــانَ الكَأَسُ مَجراها اليَمينا

وبلغ من عِناية القبائل بالشِّعْر أنَّ بني تغلب كانوا يعظِّمون قصيدة عمرو ابن كلثوم المُعلَّقة، وكان يرويها صغارهم وكبارهم حتى هُجوا بذلك، فقال بعضُ شُعراء بكر بن وائل:

ألْـهَــى بَـنِـي تَـغْلِـبٍ عَـنْ كُـلِّ مَــكْـرُمَـةٍ.. قَصِــيدةٌ قــالَهَـا عَـمْرُو بِنُ كُــلْثُـومِ

يَـرْوُونَــهَـا أَبَــدَاً مُـــذْ كَـــانَ أَوَّلُــهُـــمْ.. يَـا لِلِّـرِجَــالِ لِــشِعْرٍ غيـرِ مَسْـئُـومِ

مميزات معلقة عمرو بن كلثوم:-

  • الشاعر نَظَمها على مرتين: في مفاخرته ليكون عند عمرو بن هند، وفي حادثة أمه، وقد وقف بهذه المعلقة في سوق عكاظ فأنشدها في موسم الحج، وقد كان بنو تغلب يعظمونها ويرويها كبارهم وصغارهم، لما تضمنته من الفخر والحماسة مع جزالتها وسهولة حفظها.
  • تمتاز كما يمتاز شعر عمرو بن كلثوم بالبديهة والارتجال، وبأسلوبه الرائق، وأغراضه العالية.
  • المعلقة مشهورة بالرقة والسلاسة والسهولة.
  • فيها تكرير في بعض معانيها وألفاظها.
  • فيها مبالغة واضحة شديدة في الفخر والوعيد والتهديد مما لم يؤلف نظيرها في الشعر الجاهلي.
  • بدأها بوصف الخمر، وهذه المعلقة فريدة بين نظيراتها من هذه الناحية، إذ لم تبدأ أي قصيدة جاهلية بوصف الخمر سواها، ولعل ذلك مرتبط بطبيعة موقع تغلب حيث كانت النصرانية موجودة في بعض أرجائها، وأن الخمر كانت شائعة في هذه الربوع.
  • يذكر فيها وقائع قومه مفتخراً بها على بكر، ومنها يوم خزاز.

الَعرَبُ في الجاهلية لم يكُن لهُم شعورٌ قويٌ بأنَّهُم أُمَّة!، إنَّمَا كانَ الشُّعورُ القويَُ عندهم؛ شعور الفردِ بقبيلته، ذلكَ أنَّنا إذا رجِعْنا إلى ما نُرَجِّح صحَّتِه من الشِّعر الجاهلي، وجدنَاهُ مملوءاً بالشُعور القِبَلي، فالعربيُّ يمدَحُ قبيلته، ويتغنَّى بانتصارِها، ويُعدِّدُ محاسِنَهَا، ويهجو القبيلةَ الأُخرى من أجلِ قبيلتهِ.

— أحمد أمين ، ضُحَى الإسلام.

عمرو بن كلثوم والمنذر بن ماء السَّماء :-

قال أبو  الفرج الأصبهاني : ” أخبرني علي بن سليمان قال: أخبرنا الأحوَل عن ابن الأعرابي، قال:

زعَموا أنَّ بني تَغلِبَ حارَبو ا المُنذِرَ بن ماء السَّماء (ملك الحيرة) فلحقوا بالشَّام خيفة منه، فمرَّ بهم عمرو بن أبي حُجر الغسَّاني، فتلقَّاه عمرو بن كلثوم، فقال له عمرو: ما مَنعَ قومَك أن يتلقَّوني؟! فقال له : يا عَمرو: يا خيرَ الفِتيان، فإنَّ قومي لم يستيقظوا لحربٍ قطُّ إلَّا علا فِيها أمرُهُم، واشتدَّ شأنُهم، ومَنعوا ما وراء ظُهورهم، فقال له: أيقاظ نَومةٍ ليس فيها حُلُم ، أجتثُّ فيها أصولهم، وأنفي فلَّهُم (القوم المنهزمون) إلى اليابس الجَرَدِ (الموضع الذي لا نبات فيه)، والنَّازِح (الذي نفذ ماؤه)  الثَّمَدِ (الماء القليل لا يدوم).

فانصرف عمرو بن كلثوم وهو يقول:

ألا فاعْلَمْ، أبَيْتَ اللَّعْـــــنَ، أَنَّـــــــا .. على عَمْــــدٍ سَنَـــــــأتي ما نُـــرِيدُ

تَعلَّـــــمْ أَنَّ مَحْـمِـلَنَــــــا ثَقِيْــــــــلٌ .. وأنّ زِنَـــــــادَ كُـبَّتِنــــا شَـدِيدُ

وأَنَّـــا لَيْــسَ حَيٌّ مِنْ مَعَــــدٍّ .. يُوازينـــــــــا إذا لُبِـــسَ الحَدِيدُ

**وأَبَيْتَ الَّلعْنَ: عبارة كانت العرب تتوجَّه بها إلى ملوكها مدحاً، وتعني إيُّها الملك، بما تأتي من مكارِم ومحامد، جعلْتَ الناس يبتعدون مِن لعنك.

بَلَغَ عمرو بن كلثوم أنَّ النُّعمان بن المنذر، ملك الحيرة أوكبيرها، يتوعَّده، فدَعَا كاتباً من العرب، فَكَتَبَ إليه:

أَلا أَبْـلــغِ النُّعْمَـــانَ عَنِّــي رِسَـــالَـةً.. فَـمَـدْحُــكَ حَـوْلِيّ وذَمُّــكَ قَـــارِحُ

مَتَــى تَلْقَــنِي فـي تَغْلِــبَ ابْنَــةِ وائِــلٍ.. وَأشيَــاعِهَـا تَرْقَـى إليْكَ المســالِحُ

وخارج معلقته؛ قال عمرو بن كلثوم:

إنَّ للـــهِ علــــينــا نِــعَمـــــاً.. وَلأيـــــدينــا على النَّــاسِ نِعَــمْ

فلَنــا الفضــــلُ عليهِــــم بالـــذي.. صَنَــعَ اللــهُ مَن شـاءَ رغمْ

دُونَنــا في النَّـــاسِ ســـعيٌ واســـــعٌ.. لا بدايتنــا في النَّــاسِ كَرَمْ

ففضــلنــاهُم بــعِــــزٍ بــــــاذِخٍ.. ثابـــــتُ الأصــلِ عزيز المدَّعَــمْ

وفاته:-

لم تأت المصادر العربية على تاريخ ومكان وفاة الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبي الكبير المرهوب الجانب، لكنه من المؤكد أنه عمَّر طويلاً، وفي هذا الصدد؛ ذكر أبو الفرج الأصفهاني أنَّهُ عمَّر قرابة المئة وخمسين عاماً، بينما قال دي برسفال إنه عاش مئة سنة، وعيَّن الأب لويس شيخو لوفاته السنة 600 ميلادية، في وقت ذهب فيه كل من خير الدين الزركلي وعمر كحَّالة إلى أن منيته قد حانت في سنة 40 قبل الهجرة.

أحمد أمين يصف شعور العزة والأنفة عند العرب

المصادر:

  • الأعلام (5/84).
  • الشعر والشعراء (1/228/رقم 16).
  • ديوان العرب، معلقة عمرو بن كلثوم، هيئة أبو ظبي للسياحة.
  • ديوان عمرو بن كلثوم، دار الكتاب العربي.
  • اختيارت من الشعر الجاهلي، الأعلم الشنتمري.
  • موسوعة شعراء العصر الجاهلي، دار أسامة.
  • مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ناصر الدين الأسد.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى