أخبار العرب

عبيد بن الأبرص .. الشاعر الداهية

أحد أصحاب «المجمهرات»، والتي هي عبارة عن سبعة قصائد تأتي في الطبقة الثانية بعد المعلقات

الشاعر عبيد بن الأبرص:-

الشاعر عبيد بن الأبرص بن عوف بن جُشَم بن عامر، أبو زياد الأسدي، شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، ويعتبر أحد أصحاب «المجمهرات»، والتي هي عبارة عن سبعة قصائد تأتي في الطبقة الثانية بعد المعلقات.

عبيد بن الأبرص.. مناقبه الشخصية:-

سلَّط شارح ديوان عبيد بن الأبرص الأسدي، وهو أشرف أحمد عدرة، الضوء على المناقب الشخصية لشاعرنا التي استمدها من بيئته التي كانت تُعلي من شأن الفصاحة والشجاعة.

وهَــل رامَ عن عَهــدي وُدَيْكَ مكــانَهُ ..

إلى حيثُ يُفضِي سَيــلُ ذاتِ المَســاجِدِ

فَنِيتُ وَأفْنـــــانيَ الزَّمــــانُ وَأصْبَحَتْ ..

لِـــــدَاتي بَنُو نَعْشٍ وَزُهْرُ الفَــــرَاقِدِ

ويقول شارح الديوان -الذي نشره دار الكتاب العربي في بيروت- عن ابن الأبرص: “كان فارساً شجاعاً، وسيداً من سادات قومه من بني أسد، وقد عاش شجونهم وشؤونهم، وكان شاعرهم دون منازع، والناطق باسمهم، والمُشيد بمآثرهم، ورسولهم إلى الملوك وسادات القوم، والهاجي لخصومهم”. ويزيد ” تميز عبيد برجاحة العقل وحصافة الرأي، وبعد النظر، والخبرة والدراسة وتدبُّر الأمور ومعالجتها”.

وَاعـــلَمَــنْ عِــلْمـــاً يَقِينــاً أنَّـــهُ ..

لَــيسَ يُــرْجى لَكَ مَن ليــسَ مَعَكْ

كما اتَّصف الشاعر عبيد بن الأبرص بالخُلُق الكريم والحكمة الناضجة، حيث أكَثَر من ذِكر الثواب والعقاب، والتأمل بالوجود والمصير، والحثِّ على فعل الخير، والتحلي بالخصال الحميدة، بحسب ما أورده شارح ديوانه.

لمن دمنــةٌ أقوتْ بحرّةِ ضرغــدِ.. تلــوحُ كعنوانِ الكِتـابِ المجدِّدِ

لسَـعدةَ إنْ كـانت تُثيبُ بودِّهــا.. وإذْ هي لا تلقــاكَ إلَّا بأسـعَدِ

وإذ هي حـوراءُ المدامِعِ طَفْلــةٌ.. كمثـلِ مهــاةٍ حُـرةٍ أمِّ فرقَــدِ

تُـراعي بهِ نبتَ الخَمائلِ بالضُّحى.. وتأوي بـهِ إلى أَراكٍ وغرقَـدِ

وتجعَـلُهُ في سِرْبِهَا نُصبَ عينِها.. وتُثني عليهِ الجيدَ في كُلِّ مرقَـدِ

من خارج معلقة ابن الأبرص

الشاعر عبيد بن الأبرص ومعاصرته لامرئ القيس:-

عاصر الشاعر عبيد بن الابرص امرأ القيس «الملك الضَّليل»، وله معه مناقضات ومناظرات، وهو القائل له:

يا ذا المُخَوِّفَــــنا بِقَتـ ..ـــلِ أَبيــــهِ إِذلالاً وَحَــــينا

أَزَعَمتَ أَنَّكَ قَد قَـــتَلـ ..تَ سَراتَنا كَـــــذِباً وَمَــــينا

هَلّا عَلى حُــــجرِ بنِ أُمِّ .. قَطامٍ تَبكــــي لا عَلَيـــنا

إِنّا إِذا عَــــضَّ الثِــــقافُ.. بِرَأسِ صَـــــعدَتِنا لَوَينا

نَحمي حَقيقَتَنا وَبَعــ ..ـضُ القَومِ يَسقُطُ بَينَ بَينا

هَلّا سَأَلتَ جُموعَ كِنـ ..ــــــدَةَ يَومَ وَلَّوا أَينَ أَينــــا

أَيّامَ نَضرِبُ هامَــــهُم ..بِبَــــواتِرٍ حَتّى اِنحَـــــــنَينا

امرؤ القيس .. أحد أكبر شعراء العربية على الإطلاق
امرؤ القيس .. أحد أكبر شعراء العربية على الإطلاق

مناظرات عبيد بن الأبرص وامرؤ القيس:-

ولقي امرؤ القيس يوماً عَبِيد بن الأبرص، فقال له عبيد بن الأبرص: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال: قل ما شئت تجدني كما أجبت.

مَا حَيّــــــةٌ مَيْتَــــةٌ قَامَتْ بمِــــيتَتِهَا .. دَرْدَاءُ مَا أنْبَــتَتْ سَــــنّاً وَأضــــرَاسَا

فقال امرؤ القيس:

تِلكَ الشَّعِيرَةُ تُسْــقَى في سَنَابِلِـــهَا ..

فأخرجَتْ بعد طول المُكثِ أكداسَا

فقال عبيد بن الأبرص:

ما السُّودُ والبِيضُ وَالأسماءُ وَاحدَةٌ ..

لا يَستَطيعُ لهُـنّ النّاسُ تَمــــسَاسَا

فقال امرؤ القيس:

تِلكَ السّحَابُ إذا الرّحمَانُ أرْسلَــها ..

رَوّى بها من مُحولِ الأرْضِ أيْبَاسَـــا

فقال ابن الأبرص:

مَا مُرْتِجَاتٌ عَلى هَــــوْلٍ مَرَاكِــــبُها ..

يَقطعنَ طولَ المدى سَيراً وَإمرَاسَا

فقال امرؤ القيس:

تِلكَ النّجُــومُ إذا حَانَتْ مَطالِعُـــهَا ..

شَبّهْتُهَا في سَـــوَادِ اللّيلِ أقــــبَاسَا

فقال الشاعر عبيد بن الأبرص:

مَا القَاطِعاتُ لأرضٍ لا أنِيــــسَ بهَا ..

تأتي سِرَاعاً وَمَا يَرْجِـــعنَ أنْـــكاسَا

فقال امرؤ القيس:

تِلكَ الرّيَاحُ إذا هَــــبّتْ عَوَاصِـــفُهَا ..

كَــــفَى بأذَيالَــــها للتُّرْبِ كَـــــنّاسَا

معلقة عبيد بن الأبرص:-

وتعتبر قصيدة «أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب» من أشهر قصائده؛ حيث ألحقها التبريزي بالمعلقات العشر، وأدخلها صاحب «جمهرة أشعار العرب» في المجمهرات التي ذكرها بعد المعلقات، وفيها يقول:

أَقْـفَر منْ أَهْلِــــهِ مَلْــــحُوبُ ..فالقُطَّــــبِيّاتُ فالـذَّنُـــوبُ

فَرَاكِــــــسٌ فَثُــــعَيْلِــــــباتٌ ..فَــذاتُ فِرْقَــــينْ فالقَليبُ

فـــعَرْدَةٌ، فَــــــقَفَا حِــــــبِرٍ، ..لَيْـسَ بِهَا مِنْهُمُ عَـــــرِيبُ

وبُدّلَتْ مِنْ أَهْلِــها وُحــــوشاً ..وغَـيّرَتْ حَالَها الخُـــطُوبُ

أرضٌ تَـوَارَثُـــــها شَـــــــعُوبُ ..وكـلّ مَن حَلّها مَــــحرُوبُ

إمّـا قَــــتيلٌ وإمّـا هَـــــــالِكٌ، ..والشّيبُ شَينٌ لمن يَشيبُ

إنْ يَكُ حُـــوّلَ منها أهــــلُها، ..فَـــلا بَــــدِيٌّ ولا عَجِــــيبُ

فكلّ ذي نِعْمَــــةٍ مَخْلُـــوسٌ ..وكـــلّ ذي أملٍ مَكــــذُوبُ

وكــلّ ذي إبِـــــلٍ مَــــــوْرُوثٌ ..وكـلّ ذي سَلَبٍ مَسْلُـــوبُ

وكــلّ ذي غَيْبَــــــةٍ يَــــــؤُوبُ ..وغائِبُ المَــــوْتِ لا يَـؤُوبُ

أَفْلَحَ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بال ..ضَّعفِ وقد يُخـدَعُ الأرِيبُ

قد يُوصَلُ النّازِحُ النّائي وقـد ..يُقْطَعُ ذو السُّهْمَةِ القَريبُ

الشاعر عبيد بن الأبرص.. عند النقَّاد:-

هناك تباين واختلاف وخلاف حول المنزلة التي يجب أن ينزلها الشاعر عبيد بن الأبرص وشعره، والدرجة التي ينبغي أن يحل فيها من بين قائمة فحول الشعر العربي الجاهلي.

  • قال عنه الأصفهاني في كتابه “الأغاني”: ” هو شاعرٌ فحلٌ، فصيحٌ، من شعراء الجاهلية”.
  • ابن قتيبة قرن ابن الأبرص بطرفة بن العبد من حيث قلة الشِّعر المتاح والمنسوب لهما، قائلاً: “وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد إلا القليل”.
  • أما الحطيئة؛ فيرى أن عبيداً هو أشعر الناس.
  • ابن سلَّام قام بوضع ابن الأبرص في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، واصفاً إياه بـ”قليل الشعر في أيدي الناس، على قِدَمِ ذكره وعظيم شهرته”.
مكانة مرموقة يتمتع بها شاعرنا عبيد بن الأبرص لكنها لا ترفعه لمستوى أصحاب الطبقة الأولى من الشعراء
مكانة مرموقة يتمتع بها شاعرنا عبيد بن الأبرص لكنها لا ترفعه لمستوى أصحاب الطبقة الأولى من الشعراء

حَالَ الْجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ:-

هذا مثل مشهور، وأول من نطق به عبيد بن الأبرص لما لقي النعمان بن المنذر اللخمي آخر ملوك الحيرة في يوم بؤسه وعزم على قتله، وكان ذلك عادته، فأحس به عبيد فاستنشده شيئاً من شعره، فقال له: “حال الجَرِيْضُ دُوْنَ القَرِيْض” فسارت مثلاً، والجريض: الغصة، والقريض: الشعر، فكأنه قال: حالت الغصة دون إنشاد الشعر.

وفاة عَبِيْد بن الابرص:-

عمَّر طويلاً حتى قتله النعمان بن المنذر سنة 25ق.هـ الموافق 600م، وقد وفد عليه في يوم بؤسه، ويقال: إنه لقيه يومئذ وله أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما رآه النعمان قال: هلَّا كان هذا لغيرك يا عَبِيد! أنشدني فربَّما أعجبني شعرك! فقال له عبيد: “حال الجَرِيْضُ دُوْنَ القَرِيْض”، قال: أنشدني «أَقفَرَ مِن أَهلِهِ مَلحوبُ»، فأنشده عبيد بن الابرص:

أَقفَرَ مِن أَهلِــــهِ عَبِيدُ ..فالـــيوم لا يُبدي ولا يُعيـــدُ

عَنَّتْ لــــهُ مَنِيَّــــةً نَكُــودُ ..وحـــانَ مِنهـــــا لَــــهُ وُرُودُ

فسأله: أيُّ قتلةٍ تختار؟ قال الشاعر عبيد بن الأبرص: اسقني من الرَّاح حتَّى أثمل، ثم افصدني الأكحل، ففعل ذلك به، ولطَّخ بدمه الغريِّين، والغريَّان: بناءان عاليان كان يلطخهما بدماء القتلى يوم بؤسه، وكان بناهما على نديمين له، وهما خالد بن نضلة الفقعسي، وعمرو بن مسعود، وهو موضع معروف بالكوفة، يقال له: الغريَّان.


المصادر:

  • الأعلام (4/188).
  • جمهرة أشعار العرب (379).
  • ديوان امرِئ القيس تحقيق المصطاوي (112).
  • الشعر والشعراء (1/259/رقم 22).
  • طبقات فحول الشعراء (1/137/رقم 163).
  • وفيات الأعيان (4/329).
  • ديوان عبيد بن الأبرص، دار الكتاب العربي.
  • موسوعة شعراء العصر الجاهلي، دار أسامة.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى