أعلام

خليل مطران .. الشاعر والأديب البارع

غواص على المعاني، من كبار الكُتَّاب والأدباء، له اشتغال بالتاريخ والترجمة

خليل مطران:-

خليل بن عبده بن يوسف مطران «شاعر القطرين»، شاعر غواص على المعاني، من كبار الكُتَّاب والأدباء، له اشتغال بالتاريخ والترجمة، وُلِد الشاعر خليل مطران في بعلبكَّ بلبنان سنة 1288هـ-1869م.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية والأدبية:-

كان والد الشاعر خليل مطران تاجر محباً للأدب وأهله، وكانت والدته ذوَّاقة للشعر، فشجَّعا ابنهما على قراءة أشعار العرب، فقرأ في حداثة سنه ديوان ابن الفارض، وحفظ الكثير من القصائد لبعض الشعراء؛ كالمتنبي والبحتري وأبي تمام.

تعلم خليل مطران بالمدرسة البطريركية ببيروت، وأتقن اللغة العربية واللغة الفرنسية، وتأثر كثيراً بالشاعر إبراهيم اليازجي، الذي أشعل فيه روح الثورة على الظلم والاستبداد العثماني الذي كان يعاني منه الناس في ذلك الوقت، فدبت فيه الروح الوطنية، والتي عرَّضته لمحاولة اغتيال باءت بالفشل، سافر على أثرها إلى فرنسا؛ ليتابع نشاطه السياسي من هناك.

سكن بعد ذلك مصر، فتولى تحرير جريدة «الأهرام» بضع سنين، ثم أنشأ «المجلة المصرية»، وبعدها جريدة يومية باسم «الجوائب المصرية»، والتي نَاصَرَ بها مصطفى كامل باشا في حركته الوطنية، واستمرَّت أربع سنوات.

علت شهرته، وذاع صيته في الآفاق، وكان الشاعر خليل مطران غزير العلم بالأدب العربي والفرنسي، رقيق الطبع، ودوداً، مسالماً، قلَّ أن يذكر أحداً بغير الخير.

مشهد بانورامي لآثار بعلبك في العام 1860 م
مشهد بانورامي لآثار بعلبك في العام 1860 م

شعر خليل مطران:-

يعتبر الشاعر خليل مطران من شعراء المهجر، لُقِّب بشاعر القطرين: مصر ولبنان، وكان يُشبَّه بالأخطل، وقد شبَّهه مصطفى لطفي المنفلوطي بابن الرومي في تقديمه العناية بالمعاني على العناية بالألفاظ.

تأثر شعره بالوضع السياسي الذي كان يعيشه هو وأبناء جلدته، فتناول في شعره: الوطن، والطبيعة، والحب، والشعر القصصي التاريخي الاجتماعي، وشعر المناسبات، ومن أروع قصائد الشاعر خليل مطران «قصيدة بزرجمهر» التي ندَّد فيها بالظلم والاستبداد وقهر الشعوب، أنشد فيها:

سَجَــدُوا لِكِسْـرَى إِذْ بَــدَا إِجْـلاَلاَ.. كَسُجُـودِهِــمْ لِلشَّمْـسِ إِذْ تَتَـلاَلاَ

يَا أُمَّةَ الْفُرْسِ الْعَرِيقَــةَ فِي الْعُـلَى.. مَـــاذَا أَحَــالَ بِكِ الأسُــوُدَ سِخَـالاَ

كنْتُــمْ كِبَـاراً فِي الْحُــرُوبِ أَعِــزَّةً.. وَالْيـــوْمَ بِتُّــمْ صَاغِـرِيـــنَ ضِئَـالاَ

عُبَّـاد كِسْـرَى مانِحِيـهِ نُفُـوسَكُـمْ.. وَرِقَـابَكُــمْ وَالعِـــرْضَ وَالأَمْـــوَالاَ

تَسْتَقْـبِلُـونَ نِعَالَــهُ بِـوُجَـوهِكُــمْ.. وَتُـعَفِّــــــرُونَ أَذِلَّــــــةً أَوْكَــــــالاَ

إِنْ يُـؤْتِهِــمْ فَضــلاً يَمُـنَّ وِإِنْ يَـــرُمْ.. ثَــــأَراً يُبِــدْهُــمْ بِالْعَــــدُوِّ قِتَــالاَ

وَإِذَا قَضَــى يَـوْمـاً قَضَــاءً عَـادِلا.. ضَــرَبَ الأَنَــامُ بِعَـدْلِـــهِ الأَمْثَـالاَ

يَـا يَــوْمَ قَتْـل بُزَرْجُمَــهْرَ وَقَـدْ أَتَـــوْا.. فِـــيهِ يُـلَبُّــــونَ النِّــــدَاءَ عِجَــالاَ

مُتَأَلِّبِيـنَ لِيَشْهَــــدُوا مَــوْتَ الَّــذِي.. أَحْيَــا البِــــلاَدَ عَــدَالَــــةُ وَنَــوَالاَ

يُبْـدُونَ بِشْـراً وَالنَّفـوسُ كَظِيمَـةٌ.. يُجْفِلْـنَ بَيْــنَ ضُلُـوعِهِـمْ إِجْفَـالاَ

نَادَاهُـمُ الْجَـلاَّدُ هَلْ مِنْ شَـافِــعٍ.. لِــبُزَرْجُـمهْـــرَ فَقــالَ كُــــلٌّ لاَ لاَ

وَأَدَارَ كِسْرَى فِي الجَمَاعَةِ طَرْفهُ.. فـــرَأَى فَتَـــاةً كَالصَّبَــاحِ جَمَـالاَ

تَسْبِي مَحَــاسِنُهَا الْقُلُــــوبِ وَتَنْثَنِي.. عَـنْهَــا عُيُــونُ النَّـاظِـرِيــنَ كَــلاَلاَ

فَأَشَارَ كِسْرَى أَن يُـرَى فِي أَمْرِهَـا.. فَمَضَى الرَّسُولُ إِلى الفَتَاةِ وَقَالا

مَوْلاَي يَعْجَبُ كَيْفَ لَـمْ تَتَقَنَّعِـي.. قَــالَـتْ لَـــهُ أَتَعَـجُّبــاً وَسُــــؤَالاَ

أبدع الشاعر في استعارة مظاهر الطبيعة في قصيدة المساء ليُعبِّر من خلالها عن وجدانه وهمومه وآلامه، كقوله:

داءٌ ألَـــمَّ فَخِـلْـتُ فِـــيهِ شَفَـــائِــي.. مِــنْ صَبْوَتِي فَتَضَاعَفَتْ بُرَحَـائِي

يَـــا لَلضَّعِيفَـيْنِ اسْــتَبَـدَّا بِي وَمَــــا.. فِـي الظُّلْمِ مِثْلُ تَحَكُّمِ الضُّعَفَاءِ

قَلْبٌ أَذَابَتْــهُ الصَّبَابَــةُ وَالْجَـوَى.. وَغِـــلاَلَــــــةٌ رَثَّتْ مِــــنِ الأَدْوَاءِ

وَالــــرُّوْحُ بيْنَـهُمَـــا نَسِــــيمُ تَنَـهُّـــدٍ.. فِـي حَالَيَ التَّصْوِيبِ وَالصُّعَـدَاءِ

وَالعَقْلُ كَالمِصْبَــاحِ يَغْشَى نُـــورَهُ.. كَـدَرِي وَيُضْعِفُهُ نُضُوبُ دِمَائِي

كما كان للغربة أثر كبير في شعره، فهو الذي ترك الوطن ولكن الوطن ما زال في قلبه ووجدانه، فراح الشاعر البعلبكي خليل مطران يتغزل بوطنه في قصيدة “قلعة بعلبك تذكار الصبى”، قائلاً:

يغْنَـمُ المَـــرْءُ عَيْشَـــهُ فِي صِبَـــاهُ.. فَــإِذَا بَــانَ عَــاشَ بِالتِّــذْكَـارِ

إِيـــــهِ آثَـــــارَ بَـعْلَبَــــــكَّ سَـــــــلاَمٌ.. بَـعْـدَ طولِ النَّوَى وَبُعْدِ المَزَارِ

وَوُقِــيتِ العَفَـــاءَ مِـــنْ عَرَصَـــاتٍ.. مُقْــوِيَــاتٍ أَوَاهِـــلٍ بِالفَخَــارِ

ذَكَــــرِيني طُفُــــولَتِــي وَأَعِـــــيدِي.. رَسْمَ عَهْدٍ عَنْ أَعْيُنِي مُتَـوَارِي

مُسْتَطَابِ الحَالَيْنِ صَفْواً وَشَجْــواً.. مُسْتَحَبٍ فِي النَّفْعِ وَالإِضْـرَارِ

يَومَ أَمْشِي عَلَى الطُّـــلُولِ السْوَاجِـــي.. لا افْــتِرَارٌ فِيهِـنَّ إِلاَّ افْــتِرَارِي

من أشعار خليل مطران التي تحض على العمل والمثابرة
من أشعار خليل مطران التي تحض على العمل والمثابرة

يقول في قصيدة يرثي ويصف فيها مآثر الشَّهيد عمر المختار ويستنهض همَّة الأمَّة:

أَبَيْتَ، وَالْسَّيْفُ يَعْلُو الرَّأْسَ، تَسْلِيماَ .. وَجُدْتَ بِالرُّوحِ جُودَ الْحُرِّ إِنْ ضِيماَ

تُذَكِّـرُ الْعُـــرْبَ وَالأَحْــدَاثُ مُنْسِيَــةٌ .. مَـا كَانَ، إِذْ مَلَكُوا الدُّنْيَا، لَهُمْ خِيماَ

لِلـهِ “يَـا عُمَــــرُ الْمُخْتَـــارُ” حِـكْمَتُــهُ … فـي أَنْ تُلَاقِيَ مَـا لَاقَيْتَ مَظْلُومَــا

إِن يَقْتُـلُــوكَ فَمَا إنْ عَجَّلُــــوا أَجَـــلاً … قَـدْ كَانَ مُذْ كُنْتَ مَقْدُورَاً وَ مَحْتُومَـاَ

هَلْ يَمْلِكُ الْحَيَّ، لَوْ دَانَتْ لَـهُ أُمَــمٌ .. لِأمْـرِ رَبِّكَ، تَأخِيراً وَتَقْدِيمَاَ

لَكِنَّهَا عِظَةٌ لِلْشَــرْقِ أَوْسَـــعَهَـا .. مُصَـــابُهُ بِكَ في الأَخْلَادِ تَجْسِـيمَاَ

لَعَـلَّـــهُ مُسْتَفِيـــقٌ بَعْدَ ضَجْــعَتِـــهِ … أَوْ مُسْتَقِيلٌ مِنَ الْخَسْفِ الَّذي سِيمَاَ

ويرثي زعيم الأُمَّةِ سعد زغلول باشا قائلاً:

لِيَنْتَشِـرْ بَعْدَ طَيِّ ذَلِكَ العَلَـــمُ .. وَلْيَنْتَعِـشْ أَمَلٌ يَكْبُو بِهِ الْأَلَـمُ

لَا خَطْـبَ أكْبَرُ مِـمَّـــا رَاعَ أَثْبَتَـكُـمْ .. لَكِــنْ أُعِيذُكُمُ أَنْ تَضْعُفَ الْهِمَمُ

ذَاكَ اللِّوَاءُ الَّذِي لُفَّ الرَّئيـــسُ بِــهِ .. زِيْــدَتْ لَهُ الْيَوْمَ في أَعْنَاقِنَا ذِمَمُ

وَعَـــادَ أَوْلَــى بِإِجــــلَالٍ وَتفْدِيَـــةٍ .. مِـــنْ حَيْثُ أُدْرِجَ فِيهِ ذلِكَ العَلَمُ

إِنِّي أَرَى وَجْهَ مِصْــرَ تَحْتَ غُــرَّتِهِ .. يُخْفِــي تَقَرُّحَ جَفْنَيْهِ وَيَبْتَسِمُ

وَأَجْتَــلِي قَلْبَهَــا مَــا بَيْنَ أَنْجُمِــهِ .. يَهْتَــزُّ تِيهَـاً وِسَعْــدٌ فِيهِ مُرْتَسِمُ

أدب خليل مطران:-

  1. ديوان الخليل: وهو ديوان شعره.
  2. مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام.
  3. من ينابيع الحكمة: كتاب في القرآن الكريم والأمثال.
  4. مراثي الشعراء في محمود سامي البارودي.
  5. الموجز في علم الاقتصاد: ترجمه عن الفرنسية بالاشتراك مع الشاعر حافظ إبراهيم.
  6. ترجم عدة روايات من تأليف شكسبير وكورناي وراسين وهيجو وبول بورجيه.

موقف طريف:-

زارَ خليل مطران مسقِط رأسه، مدينة بعلبك، وأمضى فيها عطلة الصيَّف، فاحتفى به مواطنوه حفاوةً بالغة.

وفي يوم من الايام؛ دعته نسيبة له إلى الغداء، فأعدَّت له ما لذَّ وطاب، وبعد أن فرَغَ من تناول طعامه؛ قالت له، وقد كانت سيدة طيبة إلى حدِّ السذاجة: “إن لك لدينا منزلة سامية، تعالَ معي وانظُر مكتبتنا وفيها مجموعة لدواوينكَ الشِّعرية”.

مضى الشاعر الكبير يتناول كتبه واحداً تلو الآخر، فاكتشف أنها ما تزال بدون تقطيع أوراقها، وما مسَّتها بعد يدٌ لقراءتها، فقال للسيدة: “شكراً لك على اهتمامك بكتبي وحرصك الشَّديد عليها، بحيث أنَّكِ لم تفتحي بعد أي واحد منها، ولا أذنتِ لأحد في داركِ أن يمسَّها، بل تركتِها ذكراً طيباً للاجيال القادمة”.

تاريخ كبير تمتلكه مدينة بعلبك

وفاته:-

توفي الشاعر خليل مطران بالقاهرة سنة 1368هـ-1949م، ثم نُقِل جثمانه إلى بلده لبنان.


المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى