أعلام

حافظ إبراهيم .. شاعر النيل والشعب

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها ... أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الشاعر حافظ إبراهيم :-

الشاعر محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم، الملقب بـ “شاعر النيل” و”شاعر الشعب“، وُلِدَ بالذهبية عروس النيل سنة 1287هـ – 1871م، وتوفي أبوه بعد أربع سنوات من ولادته، فانتقلت به أمه إلى ديروط، وسرعان ما توفيت، فنشأ محمد حافظ ابراهيم يتيماً.

وبعد ذلك اليُتم؛ تولَّى أمره خاله محمد نيازي الذي أدخَلَ حافِظ إلى المدرسة الخيرية بالقلعة، ثم ما لبثَ أن نقله إلى مدرسة القربية الابتدائية، فمدرسة المبتديان ثم المدرسة الخديوية الثانوية.

وخلال تواجده بالمدرسة الخيرية؛ تزامل حافظ إبراهيم مع الزَّعيم مصطفى كامل، علماً بأن أم حافظ وأم مصطفى بنتي خالة، قبل أن يفترقا ثم يلتقيان ثانيةً في شبابهما وذلك في إطار حركات الجهاد الوطني الذي خاضاه في مجابهة الاستعمار.

نضاله وأدبه:-

حافظ إبراهيم شاعر مصر القومي، ومدون أحداثها نيفاً وربع قرن، نظَّم الشعر في أثناء الدراسة، ولما شبَّ أتلف شعر الحداثة جميعاً، واشتغل محامياً مع بعض المحامين في طنطا، ثم في القاهرة، ولم يكن للمحاماة يومئذ قانون يقيدها.

مشهد عام لمدينة القاهرة في العام 1870 م
مشهد عام لمدينة القاهرة في العام 1870 م

التحق الشاعر حافظ إبراهيم بعد ذلك بالمدرسة الحربية، وتخرَّج سنة 1819م برتبة ملازم ثان بالطوبجية، وسافر مع حملة السودان، فأقام مدة في سواكن والخرطوم، وألَّف مع بعض الضباط المصريين جمعية سرية وطنية، اكتشفها الإنجليز فحاكموا أعضاءها ومنهم حافظ إبراهيم، فأحيل إلى الاستيداع، فلجأ إلى الشيخ محمد عبده، وكان يرعاه، فأعيد إلى الخدمة في البوليس.

الحديثُ عن حافظ، حديثٌ لا يفرَغ ولا يُمَل، فقد كان أمَّةً في رَجُل .. كان ملء القلوب والأسماع والأبصار من رجال جيلنا الماضي في كل أرجاء عالمنا العربي.

محمد إسماعيل كاني، مُحقِّق ديوان حَافِظ إبراهيم.

أحيل بعد ذلك إلى المعاش، فاشتغل محرراً في جريدة «الأهرام»، ولُقِّب بشاعر النيل، وطار صيته واشتهر شعره ونثره، وكانت مصر في ذلك الوقت تغلي وتتحفز، ومصطفى كامل يوقد روح الثورة فيها، فضرب حافظ على وتيرته، فكان شاعر الوطنية والاجتماع والمناسبات الخطيرة.

وصف الشاعر خليل مطران شاعر النيل بقوله: إنه أشبه بالوعاء يتلقى الوحى من شعور الأمة وأحاسيسها ومؤثراتها في نفسه، فيمتزج ذلك كله بشعوره وإحساسه، فيأتى منه القول المؤثر المتدفق بالشعور الذي يحس كل مواطن أنه صدى لما في نفسه.

كانَ أُستاذاً في السِّياسة، وأُستاذاً في الاجتماع؛ نصَّبَ نفسهُ وأوقَفَ حياتهُ من أجلِ رسالتهِ التي ارتضاها لنفسِه، والتي دفعهُ إليها حُبَّه المِثالي لوطنِهِ ولبنيهِ وللعُروبة كافة.

محمد إسماعيل كاني، مُحقِّق ديوان حَافِظ إبراهيم.

شعر حافظ إبراهيم:-

انقطع شاعر النيل للنظم والتأليف زمناً، وعين رئيساً للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية سنة 1329هـ-1911م، واستمر إلى قبيل وفاته، وكان شاعرنا قويَّ الحافظة، راوية، سميراً، مرحاً، حاضر النكتة، جهوريَّ الصوت، بديعَ الإلقاء، كريمَ اليد في حال بؤسه ورخائه، مهذَّب النفس.

وفي شعر حافظ إبراهيم إبداع في الصوغ امتاز به عن أكثر أقرانه، ومن أروع أشعاره التي تمتلئ حكمة قوله:

فَالنــاسُ هَــذا حَظُّـــهُ مـــالٌ وَذا .. عِلـــمٌ وَذاكَ مَكــارِمُ الأَخـــلاقِ

وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِــرهُ مُحَصَّــناً .. بِالعِلمِ كــانَ نِهايَـــةَ الإِمــلاقِ

وَالعِلــمُ إِن لَم تَكتَنِــفهُ شَمائِلٌ .. تُعليــهِ كانَ مَطِيَّـــةَ الإِخــفاقِ

لا تَحسَبَــنَّ العِلــمَ يَنفَـــعُ وَحــدَهُ .. مــا لَـم يُتَـــوَّج رَبُّــــهُ بِخَــــلاقِ

كَم عالِمٍ مَــدَّ العُلــومَ حَبائِــلاً .. لِوَقيعَـــةٍ وَقَطيعَــــةٍ وَفِـــراقِ

وَفَقــيهِ قَـومٍ ظَلَّ يَرصُـدُ فِقــهَهُ .. لِمَكــيدَةٍ أَو مُســتَحَلِّ طَـــلاقِ

يَمشي وَقَد نُصِبَت عَلَيهِ عِمامَةٌ .. كَالبُرجِ لَكِن فَــوقَ تَــلِّ نِفــاقِ

يَدعونَـــهُ عِندَ الشِــقــــاقِ وَمـــا دَرَوا .. أَنَّ الَّذي يَدعونَ خِــدنُ شِقاقِ

وَطَبيبِ قَــــومٍ قَــد أَحَـــلَّ لِطِــبِّـــهِ .. مــا لا تُحِــلُّ شَريعَــةُ الخَــلّاقِ

قَتَـلَ الأَجِنَّـــةَ في البُطــونِ وَتـارَةً .. جَمَــعَ الدَوانِــقَ مِن دَمٍ مُهراقِ

وَمُهَــندِسٍ لِلنيــلِ بـاتَ بِكَفِّــــهِ .. مِفتــاحُ رِزقِ العامِــلِ المِطراقِ

وَأَديبِ قَـــومٍ تَستَحِــــقُّ يَمينُـــهُ .. قَطــعَ الأَنامِلِ أَو لَظى الإِحراقِ

يَلهــو وَيَلعَـبُ بِالعُقــولِ بَيانُــهُ .. فَكَأَنَّــــهُ في السِـحرِ رُقيَــةُ راقي

مختارات من روائع أشعار حافظ إبراهيم
مختارات من روائع أشعار حافظ إبراهيم

وقال الشاعر حافظ إبراهيم في مدح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في القصيدة العمرية:

حَسبُ القَوافي وحَسبي حين أُلْقيها .. أَنِّي إلى ساحَــةِ الفاروقِ أُهْــدِيها

لا هُــمَّ، هَــبْ لي بياناً أستَعـينُ بــه .. على قــضاءِ حُقــوقٍ نامَ قاضِيها

قـــد نازَعَتنـــي نَفســـي أن أوَفِّيَـــها .. وليس في طَوقِ مِثلي أنْ يُوَفِّيـها

فمُــرْ سَـــرِيَّ المَعــاني أنْ يُواتيَنــي .. فيها فإنِّي ضَعيفُ الحالِ واهيها

قال حافظ إبراهيم هذه القصيدة على أثر الاعتداء عليه بإطلاق النَّار في محطة القاهرة إذ كان مسافراً للإسكندرية وذلك في صيف سنة 1924 م.

أَحْمَــــدُ اللهَ إذْ سَلِمْـــتَ لِمِــصْـــــرٍ .. قـد رمَاها في قَلْبِها مِنْ رَماكَا

أَحْمَــــدُ اللهَ إذْ سَلِمْــــتَ لِمِصْـــــرٍ .. ليـــس فيها لَيوْمِ جِدَّ سِواكَا

أَحْمَـــدُ اللهَ إذْ سَلِمْتَ لِمِصْــــرٍ .. وَوَقـــاهَــا بِلُطْفِهِ مَنْ وَقَاكَا

قد شُغِلْنَا يا سَعْدُ عَنْ كُلِّ شَيءٍ .. وشُغِلْنا بأنْ يَتِمَّ شِفَاكَا

في سَبِيلِ الجِهَادِ والوَطَن المَحْبُوبِ .. ما سالَ أَحْمَرَاً مِنْ دِمَاكَا

قُلْ لِذَاكَ الأثِيم والفـاتِكِ المَفْتُـــونِ : لا كُنْتَ، كَيْفَ تَرْمِي السِّماكَا ؟

إنَّمــا قـد رَمَيْتَ فـي شَخْــصِ سَعْــدٍ .. أَمَّـــةً حُرَّةً فَشُلَّتْ يَدَاكَـا

آثار الشاعر حافظ إبراهيم:-

  1. ديوان حافظ إبراهيم.
  2. البؤساء: ترجم به جزءين من «البؤساء» لفيكتور هيجو.
  3. ليالي سطيح.
  4. كتيب في الاقتصاد.
  5. التربية الأولية: كتاب مدرسي مترجم.
  6. الموجز في علم الاقتصاد: شارك في ترجمته عن الفرنسية.

كان شخصيةً فذَّةً متعدَّدَةَ الجوانب، حَمَلَ لواءَ الشِّعر الوطني والاجتماعي ما عاش، يُلهِب حَمَاسَ الجَماهير ويدفعهم دفعاً إلى الثَّورة على الاستعمار والمستعمرين، ويقرعهم بقوارص الكَلِم إذا وَجَدَ منهم استنامةً أو استرخاء، ويحيي دارس الأمل فيهم، ويُبعِد عنهم أشباح اليأس وعوامل الاستسلام، ويتناول عيوبهم الاجتماعية فيبصرهُم بها في غير هَوادة ولا مُداراة، ويبيِّن لهُم سوء أثرها في مجتمعهم ومآلهم ومآل بلادهم.

محمد إسماعيل كاني، مُحقِّق ديوان حَافِظ إبراهيم.

وقد أنشد هذه القصيدة في فندق الكونينتال وذلك في الحفل الذي أُقيم لتكريمه في مايو أيار من عام 1912 م.

مَلَكْتَــم علــيَّ عِنـــانَ الخُطَبْ .. وُجــزْتُــمْ بِقَدْرِي سَماءَ الرُّتَبْ

فَمَــــنْ أَنَا بَيْــنَ مُلُــــوكِ الكَــــــلام .. ومَــن أنا بَيْنَ كِرَامِ الحَسَبْ

أتَسْعَــى إليَّ حُمــــاةُ القَــرِيـض .. وتَمشِــي إليَّ سَراةُ العَرَبْ

وتَنْظِـــــمُ فـــيَّ عُقــــودَ الجُمــــان .. وَتَنْثُــــرُ فوقيَ نِثَارَ الذَّهَبْ

وأكـــــرَم حتَّـــى كـــــــأنِّـي نَبَغْـت .. وقُــمْـتُ لِمِصْرَ بما قدْ وَجَبْ؟

فمـــــاذا أَتَيْـتُ مِـنْ البــاقِيـــــــات .. وهَـــذا شَبَابِيَ ضَيَاعاً ذَهَبْ

عَمِلْـــتُ لقَـــــوْمِــيَ جُهْـــدَ المُقِـــــلّ .. علـــى أنَّهُ عَمَلٌ مُقْتَضَبْ

فَلَـــمْ يُغْـــنِ شَيْئــاً وَلَــمْ يُجْدِهِـــــمْ .. وَلَـــمْ يَبْقَ إلَّا بَقَاءَ الحَبَبْ

وهَـــــل أنا إلَّا امــرُؤٌ شـــــاعِرٌ .. كثيـــــــرُ الأَمَانِي قليلُ النَّشَبْ

يَقُـــــــولُ ويُطـــــــرِبُ أَتـــــرابَــــــه .. ويَقْنَـــــــعُ منهمْ بذاكَ الطَّرَبْ

تَعَلَّقْتُ حِينَــــاً بِذَيْـــلِ البَيــــــــــان .. وأَدْخَلْــتُ نَفْسِيَ فِيمَنْ كَتَبْ

فــلا السَّبْــــقُ لي في مَجـــالِ النُّهـــى .. ولا ليَ يَوْمَ الفَخَارِ الغَلَبْ

ولا أنـا مِـــنْ عِـلْيَـــــــةِ الكـــــاتِبِيـــن .. ولا أنا بالشَّاعِــرِ المُنتَخَبْ

ولكِـــنْ سَمَــــا بـيَ عَطْـفُ الأَمِيــــر .. ورَأَيُ الوَزِير وفَضْلُ الأَدَبْ

شخصية إنسانية بارَّة:-

لقد كان حافظ كريماً جواداً بارَّاً بأهله، يزورهم ويتفقد ما ينقصهم، ولم يَنسَ معروف خاله المرحوم محمد نيازي الذي تكفَّل بتعليمه وتأديبه بعد وفاة أبويه.

فقد حرِصَ حافظ على كفالة زوج خاله أمينة هانم وذلك بعد فقدانها زوجها بالوفاة، حيث واظب على يُمكِّنها من أن تعيش حياة معزَّزة مكرمة، لتصبح سيدة داره والقيِّمة عليه، إلى أن توفيَت قبل موته بثلاث سنوات.

الأُمُّ مَدرَسَــةٌ إِذا أَعدَدتَهــا ..

أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعـراقِ

وقد كفِلَ حافظ طفلة تُدعى جليلة، ربَّاها في كَنَفِه حتى كَبُرَت فزوَّجها وتكفَّل بتأثيث بيتها، كما واصل رعايتها في بيت زوجها إلى أن غادر دُنياه، كما أقدم على تربية طفلةٍ أخرى تربطها صلة قرابة بزوج خاله، واسمها رفيعة، والتي ظلَّت تحت رعايته حتى كبُرَت ولحقت بأهلها.

من الجدير ذكره أن حافظ إبراهيم تزوَّج إحدى قريبات زوج خاله، لكن الانفصال كان مصير هذه العلاقة التي لن تَدُم طويلاً، ولم يكرِّر التجربة لاحقاً.

وفاته:-

توفي الشاعر حافظ إبراهيم بالقاهرة سنة 1351هـ-1932م، وقد رثاه الشِّاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري قائلاً:

نَعَــوا إلى الشِّعر حُـرَّا كــان يرعـاهُ .. ومَـنْ يَشُقُّ على الأحــرارِ مَنعـــاهُ

أَخنَى الزَّمــانُ على نــادٍ “زها” زَمَــناً .. بحافِــظٍ واكتسى بالحُــزنِ مغنـاهُ

واستُدْرِجَ الكَوكَــبُ الوضَّاءُ عن أفُقٍ .. عالي السَّنــا يُحسِرُ الأبصارِ مَرقــاهُ

حــوى التُّــراب لِســاناً كُلُّــــهُ مُلَـــحٌ .. مـا كُـلُّ محترفٍ للشِّعـرِ يُعطــاهُ

للأريحيــَّة مَنْشــــاهُ، ومَصْــدَرُهُ .. وللشَّجــاوةِ والإينــــاسِ حَـدَّاهُ

جَمُّ البَدَائِهِ ، سَهْــلُ القـولِ، ريِّضُهُ .. وطالمـــا أعوزَ المِنطيقَ إبداهُ

إنَّــا فَقَـدنـــاه فَقْـدَ العَيــن مُـقلَتهــــا .. أو فَقْدُ ســــاعٍ إلى الهيجــاءِ يُمناهُ

ما انفَكَّ ذِكـرُ الرَّدى يَجري على فَمـِهِ .. وما أمــرَّ الــرَّدى ، بل أُحيلاه

وَمَنْ تُبَــرِّحْ تَكَــاليفُ الحيـــَــاةِ بهِ .. ويَلمِسُ الــرُّوحَ في مَــوتٍ تمنَّــاهُ

إنّــي تعشَّقْتُ مِنْ قَبــلِ المُصــابِ بهِ .. بيتــاً لَــهُ جاءَ قَبــلَ الموتِ يَنعاهُ:

لبستـــه ودُموعُ الـــــعَينِ فائضــةٌ .. والنَّفـــسُ جيَّاشــةٌ والقَــلبُ أوَّاهُ


المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى