أعلامانفوجرافيكس

الحسين بن الضحاك .. الشاعر الخليع

الشاعر الحسين بن الضحاك:-

الشاعر الحسين بن الضحاك بن ياسر ، أبو علي البصري، المعروف بالخليع، أصله من خراسان، وُلِدَ في البصرة سنة 162هـ، ونشأ بها، وسُمِّي بالخليع؛ لكثرة مجونه وخلاعته.

مكانته الشعرية:-

الحسين بن الضحاك شاعر ماجن من شعراء الدولة العباسية، حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، واتصل في مجالسه الخلفاء إلى ما لم يتصل إليه إلا إسحاق بن إبراهيم النديم الموصلي، فإنه قاربه في ذلك أو ساواه، وأول من صحب منهم الأمين محمد بن هارون الرشيد، وكان اتصاله به في سنة 198هـ وهي السنة التي قتل فيها الأمين، ونادم من بعده المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر ابنه.

جزع الحسين بن الضحاك جزعاً شديداً حين توفي الأمين، وهذا سبب عدم اتصاله بالمأمون فلم يدخل عليه ولم يخالطه؛ لأنه رثى الأمين بمراثي كثيرة، وكان مما قال فيه باكياً متفجعاً:

هــــــلا بقــــيـت لســــد فاقــــتنــا .. أبـداً وكان لغــيرك التلـــف

وقد كـــان فيك لمن مضــى خلف .. فاليوم أعوز بعدك الخلف

فلما ورد المأمون بغداد؛ أمر أن يكتب من يصلح لمنادمته من أهل الأدب فأثبت له قوم وذكر فيهم الحسين بن الضحاك فقال: أليس القائل: وكان لغيرك التلف؟ والله لا أرى وجهه على الطريق؛ فلم يحظ في أيام المأمون بشيء.

لم يحظ الشاعر الحسين بن الضحاك الباهلي في أيام الخليفة العباسي المأمون بشيء، وذلك لأنه رثى الخليفة الأمين فقال "وكان لغيرك التلف"
لم يحظ الشاعر الحسين بن الضحاك الباهلي في أيام الخليفة العباسي المأمون بشيء

علاقته بالمأمون حسب رواية ابن الأثير:-

لكِنَّ ابن الأثير يطرح رأيه مخالفاً وذلك في كتابه الشَّهير “الكامِل في التَّاريخ”، حيث يفيد بأن المأمون عاد ليُكرم ابن الضحَّاك وذلك بعد مرور مدَّةٍ على مقتل الأمين.

ويقول ابن الأثير: إنَّ الحُسين بن الضحَّاك أسرَفَ في مراثي الأمين، وذمِّ المأمون، ولم يسمع مديحه مُدَّة، ثم أحضرهُ يوماً، فقال له أخبرني! هل رأيتَ يوم قُتل أخي هاشمية قُتِلَت وهُتِكَت؟، قال: لا، فقال الخليفة العباسي له: فما قولك :

ومِمَّا شَجَــا قَلبـــي وكَفكًــفَ عَبرَتـــي .. مَحــــارِمُ مِن آلِ النَّبــيِّ استُحِلَّــتِ

ومَهتوكَةٌ بالخُلْدِ عَنهـا سُـــجُوفُها .. كَعابٌ كَقَرْنِ الشَّمـــسِ حيـــــنَ تَبَدَّتِ

إذا خفَرَتْهــــــا رَوْعَــةٌ مِن مُنـــــازعٍ .. لها المِرْطَ عـــاذَتْ بالخُشـوعِ وَرَنَّــتِ

وسِرْبُ ظِبــاءٍ مِــن ذُوآبــــةِ هاشِـــمٍ .. هَتَفْـــنَ بِدَعْوَى خَــــيــرِ حَـيٍّ و ميِّــــتٍ

أرُدُّ يـَداً منّي إذا مَـــــا ذَكَرْتُـــــــــهُ .. عَلــى كَبِــــــدٍ حَرّى وَقَلـبٍ مُفَتَّــتِ

فلا بــــاتَ لَيْـــــلُ الشَّـامِتينَ بِغِبْطَــةٍ .. وَلا بَلَغَــت آمـــــالهــــا مـــا تَمَنَّـــــــتِ

فقال الضحَّاك: يا أميرَ المؤمنين! لوعة غلَبتْني، وروعة فاجأتني، ونعمة سُلبتُها بعد أن غَمَرتْني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيّدٌ فقدتُه فأقلقني، فإن عاقبتَ فبحقِّك، وإن عَفَوتَ فبِفضلِك.

فدمعتْ عين المأمون (بحسب ابن الأثير)، وقال: قد عفوتُ عنَّك، وأمرتُ بإدرارِ أرزاقك عليك، وعطائك ما فاتَكَ متمَّماً، وجعلتُ عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامِك. ثم أنَّ المأمون رضيَ عن الشَّاعر وسَمِعَ مديحه.

المتابعة مع الخلفاء التاليين:-

وقد كان وقت خدمته للمتوكل ضعف كبراً فكتب إليه يستعفيه من الخدمة بأبيات:

أسلفــت أسلافـــــك مـن خدمتـي .. فــي مدتي إحدى وستينا

وكنت ابن عشــرين وخمـس وقد .. وفيـت بضــــعاً وثمـانينا

إنــي لمعـــروف بضــعف القــــوى .. وإن تجلــــدت أحـاييــنا

فــإن تحملــــت علــى كــــبرتي.. خــــدمة أبناء الثــلاثينا

هدت قـــواي ووهـــت أعظـــــمي .. وصـرت في العلـة عزونا

وعزون هذا كان نديماً للمعتصم ثم للمتوكل.

ويعد الشاعر الحسين بن الضحاك في الطبقة الأولى من الشعراء المجيدية، وكانت بينه وبين أبي نواس مناظرات ومجالسات لطيفة ووقائع حلوة، ومن شعره قوله:

صِــلْ بِخَـدِّي خَدَّيْكَ تَلْــقَ عَجِيْبـــا .. مِـنْ مَعَانٍ يَحَارُ فِيْهَا الضَّمِيْرُ

فَبِخَــــدَّيْكَ لِلرِّيَــاضِ رَبِيْــــعٌ.. وَبِخَــــدَّيَّ لِلدُّمُـــوْعِ غَــــدِيرُ

سمي الحسين بن الضحاك بالشاعر الخليع لكثرة مجونه وخلاعته.

وكان الحسين بن الضحاك في مجلس ذات مرة مع ندمائه، وكان في المجلس مغنية، فعبث الشاعر الخليع بالمغنية فصاحت واستخفت به، فأنشأ يقول:

لها في خدها عكــن.. وثلثا وجهها ذقن

وأسنان كريش البط.. بين أصولها عفـن

فضحك كل من في المجلس وبكت المغنية، حتى قيل: إنها عميت، وشاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما، وكانت إذا حضرت في مجلس أنشدوا البيتين فتجن؛ ثم إنها هربت من سر من رأى فما عرفوا لها بعد ذلك خبراً.

نوادر الشاعر الحسين بن الضحاك الباهلي:-

قال الشاعر الحسين بن الضحاك: كان يألفني فتى من أهل الشام عجيب الخلقة والشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك منه وكان حظي التعجب منه، وكان يأتيني بكتب عشقية له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي أن الشامي بجهله لا يميز بين الخطأ والصواب، ولا يفرق بين الابتداء والجواب، فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت على إفساد حاله عندها فسألته عن اسمها فقال: بصبص، فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها كان جاءني به:

أرقصني حبـــــك يا بصبـــــص .. والحُــب يا سيدتي يرقـص

أرمصت أجفــــاني لطـــول البــكـا .. فمَــــا لأجفانك لا ترمــــص

أوحشنـــي وجهـــك كــــذاك الذي .. كــــأنه من حسنه عصعص

قال: فجاءني بعد ذلك، فقال: يا أبا علي ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو إلا أن وصل إليها ذلك الكتاب حتى بعثت إلي: إني مشتاقة إليك والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعالى إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا، فقف بحياله حتى أراك؛ فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع، فبينما أنا واقف أنتظر مكلماً لي أو مشيراً إلي، وإذا شيء قد صب علي فملأني من فرقي إلى قدمي فأفسد ثيابي وسرجي وصيَّرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر.

وإذا هو ماءٌ قد خُلِطَ ببول وسواد وسرجين، وانصرفت بخزيٍّ، وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الطنز والضحك والصياح أعظم مما جرى علي ولحقني من أهلي ومن منزلي، وشر من ذلك وأعظم من كل ما ذكرت أن رسلها انقطعت عني جملة، قال الحسين بن الضحاك: فجعلت أعتذر إليه وأقول: إن الآفة أنها لم تفهم الشعر لجودته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر بالشماتة به.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن المعتز في الشاعر الحسين بن الضحاك: “له أشعار كثيرة، وهو أحد المفتنين في الشعر، جيد المدح، جيد الغزل، جيد الهجو، كثير المجون، صاحب جد وهزل، وهو عندهم في بحار أبي نواس، بل هو شعراً وأقل تخليطاً منه، وهو غلام أستاذه وَالِبَة بن الحُبَابِ”.
  • قال ياقوت الحموي: “كان شاعراً مطبوعاً حسن التصرف في الشعر، وكان أبو نواس يغير على معانيه في الخمر، وإذا قال شيئاً فيها نسبه الناس إلى أبي نواس، وله غزل كثير أجاد فيه، وهو أحد الشعراء المطبوعين الذين أغناهم عفو قرائحهم عن التكلُّف”.

وفاته:-

توفي الشاعر الخليع الحسين بن الضحاك الباهلي سنة 250هـ، وقد قارب 100 سنة.


المصادر:

  • الأعلام (2/239).
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (4/462).
  • سير أعلام النبلاء (12/191/رقم 68).
  • طبقات الشعراء لابن المعتز (268).
  • الكامل في التاريخ لابن الأثير.
  • معجم الأدباء (3/1063).
  • وفيات الأعيان (2/162).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى