أعلام

ناصيف اليازجي.. الشاعر المؤثر في حركة الأدب العربي الحديث

طبع له ابنه إبراهيم بعد موته تعليقاته على ديوان المتنبي «العرف الطيب في ديوان أبي الطيب»

الأديب ناصيف اليازجي:-

ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط، أبو حبيب اليازجي، شاعر من كبار الأدباء في عصره، أصله من مدينة حمص السورية، وُلِدَ الأديب ناصيف اليازجي في كفر شيما اللبنانية، 25 آذار، سنة 1214هـ-1800م.

أسرة الكاتب:-

معظم أفراد أسرته يعتقدون عقيدة الأرثوذكس اليونانيين، وكان لهم ذكر منذ القرن السابع عشر في شمال الشام، خاصة في حمص وطرابلس وغيرهما؛ باعتبارهم سكرتاريين مهرة للمسؤولين الأتراك؛ لذا عرفت أسرته باسم أسرة الكاتب.

ابن جبير يصف مآثر مدينة حمص ورجالها

مواصفاته الشخصية:-

كان ناصيف اليازجي معتدل القائمة فوق الربعة ممتلئ الأعضاء، حنطيِّ البَشَرَة، أسود الشَّعر، أجشّ الصَّوت، مهيب المنظر، شهماً وقوراً، متواضعاً، متأنياً في حديثه وانفعالاته، قليل الضَّحِك، عفِّ اللِّسان، لم تُسمَع منه كلمة بذيئة قطّ، لذا ، فإنَّه لم يهجُ أحداً في كلامه أو شعره، فقال فيه أحمد فارس الشِّدياق:

ما كــانَ يهجـو ولا يهجي ولا حَجَبت .. ذَكـَا قريحته أحلاكُ حدَثَان

فلم يُضِـعْ سـَـاعةً مِن عُمـرِه عَبَـثاً .. ولَـمْ يَضَـعْ قَـولهُ في غَيرِ إِحسَـانِ

وما يؤكِّد على أنَّه ابتعَدَ عن الهجاء وترفُّعه عن كلِّ ما يشين قوله:

يا ناظِـمين الهِجــا خلَّــوا قصــائدكــم .. لِمَـن يبين لنا في عرضهِ أثرُ

إذا ضربتُم بسيـفٍ قــاطِعٍ حَجَراً .. تثلَّــمَ السَّـيف إذ لا يشعُرُ الحجرُ

وكما أشرنا؛ فقد تمتَّع ناصيف اليازجي بالتواضع وخفض الجناح للجميع، وتلافيه ما ليسَ بحق شأن الرَّجُل الصَّادق المخلص الأمين لربِّه ولنفسه قوله:

النَّاسُ تنسِــبُ لي ما فَـــوقَ مَرتبَتـي .. مِــن كُـلِّ علمٍ وفنٍ لَسْتُ أدريه

يا أيُّهـا النَّاسُ قُـولوا حِيــنَ غِبْتُ كَمَـا.. شئتُــمُ فَمَـا لثنائِكُم مَـنْ يُماريهِ

مكانته العلمية:-

وكان والده من مشاهير أطبَّاء عصره على مذهب الشيخ الرئيس ابن سينا، كما أن أباه كان صاحب ميولٍ أدبية، لينقل شغفه بالأدب والشِّعر لنجله ناصيف، الذي شَرَعَ مبكِّراً في مُطالعة كُتُب النَّحو والصَّرف والبديع والعرُوض والقوافي ودواوين فحول الشِّعر، كما اطَّلَع اليافع على العلوم الطبية، وكان له اهتمام كبير بالموسيقى.

إذاً؛ فقد ناصيف شغوفاً منذ صباه بقراءة الكتب والشعر، كما حفظ القرآن الكريم وديوان المتنبي عن ظهر قلب.

كان ناصيف سكرتيراً للبطريرك الكاثوليكي اليوناني، ولفت نبوغه انتباه الأمير بشير الشهابي، فعيَّنه سكرتيراً له من 1828م إلى 1840م.

وبعد إبعاد بشير الشهابي إلى مالطا اتجه اليازجي إلى بيروت، فاشتغل بالتدريس والتأليف بنشاط كبير، وظل مستقلاً بعيداً عن تأثيرات القوى الأجنبية المختلفة، ولم يكن يعرف اللغات الأوربية، ومع هذا فقد ساعد الإرساليات الأمريكية في ترجمة الإنجيل، وقام بالتدريس في أرقى المدارس، وقد ألَّف ما لا يقل عن خمسة عشر كتابًا مدرسياً، خاصةً في النحو والبلاغة والشعر والمنطق.

الأديب ناصيف اليازجي

حياته الشعرية:-

تأثر كثيراً بالمتنبي، وقد طبع له ابنه إبراهيم بعد موته تعليقاته على ديوان المتنبي «العرف الطيب في ديوان أبي الطيب». وكان اليازجي شاعراً تقليدياً ملتزماً بنهج القصيدة العربية التقليدية، ولم يكن يميل للخروج عن نسقها، بل إنه لم يكن يميل حتى للموشحات، وقد جمعت أشعاره في ثلاثة مجلدات.

ونَظَمَ أشعاراً أرسل فيها الحكمة وضرب المثل متأثراً بالمتنبي قائلاً:

لعمـــرُك ليـــسَ فَـــوقَ الأَرْضِ بـَــاقِ .. ولا مِمَّا قضاهُ اللهُ وَاقِ

ومَــا للمَـــرءِ حَــــظٌّ غيــرَ قوتٍ .. وثَــــوبٍ فَوْقَهُ عقدُ النِّطَــاقِ

ومَــــا للمــيِّــــتِ إِلَّا قَيْـــدُ بــَـــاعٍ .. ولَــــو كَـــانَتْ لهُ أرضُ العِرَاقِ

وكَمْ يمضي الفِــــراقُ بلا لقـــاءٍ .. ولَــكِنْ لا لقَــاء بِلا فِــرَاقَ

أَضَلُّ النَّاسِ في الدُّنيـــا سبيـــلاً .. مُحِـــبٌّ باتَ مِنْها في وِثَاقِ

وأَخســرُ مــا يُضِيعُ العُمـــرٌ فيهِ .. فضُــولُ المَــالِ تُجمَعُ للرِّفَـاقِ

وقال مادحاً الخليفة العثماني:

خَليفــةُ اللَّهِ ظِــلٌّ في خليقتـِـهِ .. ظَـــلَّتْ به تتقِي الدُّنيـا وتَستتَـِرُ

لا تَـرتضي غيرَه ُالــدُّنيــا لهَــا مَلِكـــاً .. لَــو كَــانَ جبريـلُ يأتيهـا أو الخَضِرُ

مُهذَّبُ النَّفــسِ صافي القلبِ طاهـِرُهُ .. مُــؤَيَّدُ العَـزْمِ مـاضي الأمْـرِ مُقتـدِرُ

وقال متغزِّلا:

باللهِ يَـا ريــــحَ الصِّبــا قبـلَ الضُّـحَى .. إنْ جِئْتِ هَـاتيك الدِّيارِ فسلِّمي

قَسَــمَـاً بِـهَــا إلا وقعتِ بِصَـدرِهــا .. بيــنَ النُّهــُودِ ولا أقول لكِ الثمي

وقال في الغزل أيضاً متأثراً بعنترة العبسي :

أتظنُ هَــذا الخَــالَ فَـــوْق المَبْسَــــمِ .. إلَّا عبيـداً حارِساً دُرَّ الفَمِ

وتظُـــنُّ هَـــذا الـــدُّرّ دُرَّاً حَـــوْلهُ .. مَــــاءٌ كمـاءِ البحرِ مِثْلَ العَلقَمِ

لا والذي خَـــــــلَقَ الميــــاهَ فَمَـــا بِـــهِ .. إلا رضاب كوثريّ المطعمِ

حتَّى دَخَلْتُ الـــدَّارَ سَـاعةَ غفْلَـــةٍ .. وعَـــــرِفتُ ربع الدَّار بعد توهُّمِ

شهرة ناصيف اليازجي في أوروبا:-

وحقق اليازجي شهرة في الشرق وأوربا كآخر مثل لكتاب المقامات التقليدية، ولا زالت مجموعة مقاماته البالغة ستين مقامة والتي تحمل عنوان «مجمع البحرين» تحظى بالإعجاب في سوريا، وقد ترجمت مقاماته إلى اللغات الأوربية، ولمقاماته قيمة إثنوجرافية، وليست لغوية فحسب.

ولقد أثَّر ناصيف اليازجي بالتأكيد في الأدب العربي الحديث رغم أن كتاباته كانت تقليدية، فقد كان هو وبطرس البستاني ركيزتين للحركة الأدبية الجديدة في الشام.

ولم يكن اليازجي مولعاً بالعلم ولا طريقة الحياة الأوربية كبطرس البستاني، أو المصري رفاعة رافع الطهطاوي، وإنما كان مجال اهتمامه الأساسي هو اللغة العربية وآدابها.

ولقد أثبت من خلال دروسه وأسفاره أن ذلك القول القديم “العربية لا تتنصَّر” لم يعد صحيحاً، ومن هنا فقد مهَّد اليازجي لحركة القومية العربية.

نوادر ناصيف اليازجي :-

كان ناصيف اليازجي واسع الاطلاع، كثير النكات والنَّوادِر، يروي القصَّة آخذاً بعين اعتبار تفاصيلها الدقيقة من حيث الزَّمان والمكان والأشخاص، مستعينا بذاكرته القويَّة، ومن أمثلة ذلك:

  • كان إذا نَظَمَ الشِّعر لا يكتبه بيتاً بيتاً، إنَّما كان ينظم القصيدة في ذاكرته ثم يكتبها، وقيل: إنه أملى في فترة مرضه الأخيرة 18 بيتاً دفعةً واحِدة.
  • ألَّفَ المقامة الميمية وهوَ على ظَهْرِ الفَرَس، وكان يعتزم التوجُّه لأهل بيته بحمدون وذلك سنة 1853 م، بقصد الاصطياف، فلمَّا انتهى إليها؛ أخَذَ قِرطَاساً فعلقها.
  • كان قويُ الذَّاكِرَة إلى حدِّ الغَرَابة، يحفظ زبدة كلَّ كِتابٍ يقرأه، فيرسَخُ في ذِهنهِ فلا تذهَب بهِ الأيَّام، وقلَّما طَالَعَ كِتاباً وتطلَّب الأمرُ مطالعته مرَّةً ثانية.
  • كان يحفظ القرآن الكريم آيةً بعد آيةٍ، وشِعْرِ المتنبي بيتاً بعد بيتٍ لا يخلُّ بحرف، ولم يسمع بيتاً شعريَّاً إلا عَرِفَ قائله وأحياناً يتناول السبب الذي قيل من أجله، ووعي في صَدْرِهِ أيَّام العرب وأخبارها وأشعارها ونوادر أخبارها.
  • كان يذكر أموراً كثيرة وأحاديث غريبة وَقَعَتْ له أو سمعها حينما كان طفلاً صغيراً.

نبوغ أبناء الأديب ناصيف اليازجي:-

حقق عدد من أفراد أسرة الشيخ ناصيف اليازجي شهرة أدبية:

  1. إبراهيم (1847-1906م) حقق شهرة كلغوي حريص على صفاء اللغة العربية ونقائها، ووضع كثيراً من المصطلحات العربية، وأحيا عدداً كبيراً من آثار والده، وطبعها أو نشرها في دوريات الشام ومصر، ولإبراهيم أشعار طيبة، ومعظم أعماله الكبرى لم يتمها.
  2. خليل (1858-1889م) عُرِفَ بأنه أول من ألَّف التراجيديات العربية الأصيلة مستوحياً وقائعها من تاريخ شبه الجزيرة العربية القديم، فقد كتب في سنة 1876م «المروءات والوفاء»، وظل يحرر في مصر لفترة «مرآة الشرق»، ثم عاد إلى لبنان فأصدر طبعة مدرسية لكتاب «كليلة ودمنة» سنة 1885م، وعُرِفَ كشاعر من خلال ديوانه «نسمات الأوراق» الذي نُشِرَ في القاهرة سنة 1888م، وله معجم لم يكتمل عن العربية المحكية.
  3. وردة (1838-1924م) كانت واحدة من أوائل النسوة الكاتبات باللغة العربية في القرن التاسع عشر، وقد تزوجت من فرنسيس شمعون سنة 1866م، وعاشت معظم سنوات حياتها في مصر، ولها ديوان بعنوان «حديقة الورد».
  4. حبيب (1833-1870م) علق على بعض كتب أبيه، وعمل بالترجمة، وقد رثا أبوه فكانت آخر قصيدة رثاء يقولها.

ذَهَبَ الحَبِيبُ فيا حَشَاشَـة ذوبي .. أَسَــفَاً عَـليهِ ويا دموع أَجيبي

ربـيتـــهُ للبيـــنِ حَــتَّـــى جــــــاءَهُ .. فـــي جُنِــحِ ليلٍ خـاطِفاً كالذِّيبِ

يأ أيُّهَـــا الأُمّ الحَــــزيِنةُ أَجمِْلـــي .. صَـــبْراً فإنَّ الصَّبْرَ خيرُ طبيبِ

لا تَخْــلعِــي ثَـــوْبَ الحِـــدَادِ ولازِمي .. نَدْبَـــاً عليهِ يليقُ بالمندوبِ

هذا هُوَ الغُصْنُ الرَّطيــبُ أصَـــابَهُ .. سهــمُ القَضَاء فمَـاتَ غيرَ رَطيبِ

لا أَستحـي إنْ قُـــلْــتُ قَـلَّ نظيـــرُهُ .. بيـــنَ الرِّجَــالِ فلَسْتُ غيرَ مُصِيبِ

إِنِّي وَقَفْتُ على جَـــوانبِ قَــــبرهُ .. أَسْقِــي ثراهُ بمدمعي المصبوبِ

لكَ يا ضريحُ كــــرامةٌ ومحبَّــــةٌ .. عِنـــدي لأَنَّـكَ قد حويتَ حبيبي

كتب الأديب ناصيف اليازجي:-

  • مجمع البحرين ، وقد جرى فيه على أسلوب مقامات كل من بديع الزَّمان الهمذاني والقاسم الحريري، وقد ضمَّن تلك المقامات كثيراً من الفنون الأدبية ولا سيما معجزات البديع، ولا تخلو مقامة من مقاماته من أمثال يضمِّنُها المقامة ثم يشرحها شرحا مُشبَعاً.

الحمْدُ للهِ الصَّمَد حال السرور والكَمَدْ

اللهُ لا إلهَ إلَّا .. الله مَولاكَ الأحَدْ

لا أُم َّلله ولا .. والدٌ لا ولا ولَدٌ

أوَّل كُلُّ أوَّل .. أَصل الأُصول والمَدَدْ

من مقامته الرملية.
  • فصل الخطاب في قواعد اللغة العربية.
  • الجوهر الفرد في فن الصرف.
  • نار القرى في شرح جوف الفرا في النحو.
  • مختارات اللغة.
  • نقطة الدائرة في علمي العروض والقافية.
  • العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، هذَّبه وأكمله ابنه إبراهيم.

دواوين شعرية:-

  1. النبذة الأولى.
  2. نفحة الريحان.
  3. ثالث القمرين.

وفاته:-

توفي الأديب ناصيف اليازجي في بيروت فجأة، 8 شباط فبراير، سنة 1287هـ-1871م.


المصادر:

  • الأعلام (7/350).
  • الشيخ ناصيف اليازجي ، عيسى ميخائيل سابا.
  • معجم المؤلفين (13/72).
  • موجز دائرة المعارف الإسلامية (32/10187).
  • العربي الجديد.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى