أعلام

أبو دلامة .. الشاعر صاحب الطرائف والنوادر

نبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي

أبو دلامة الشاعر:-

الشاعر أبو دلامة هو زند بن الجون شاعر من أهل الظرف والدعابة، كان أسود عبداً حبشياً مولى لبني أسد، وكان أبوه عبداً لرجل منهم يقال له قصاقص فأعتقه.

مكانة الشاعر زند بن الجون الأدبية:-

كان زند بن الجون صاحب نوادر وحكايات وأدب ونظم، أدرك آخر بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى السفاح والمنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون نوادره، ومدح المنصور وذكر قتله أبا مسلم من جملة قصيدة، فقال فيها:

أبا مسلم خوفتني القتل فانتحى .. عليك بما خوفتني الأسد الورد

أبا مسلم ما غـــير الله نعــــــمــة .. عـلى عبده حتى يغيرها العــبد

وأنشدها المنصور في ملأ من الناس فقال له: احتكم، فقال له: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا به قال: أما والله لو تعديتها لقتلتك.

وكان السفَّاح مولعاً بأبي دُلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً وذلك لكثرة نوادره وجودة شعره، ومعرفته بأيَّام النَّاس وأخبارهم، وكان أبو دلامة يهرب منه جهد المستطاع، ويأتي حانات الخمَّارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وفي عهد المنصور؛ حصلت له مع الخليفة مجموعة كبيرة من المواقف والنوادر والمِلَح، وحظي لديه أيضاً بمكانة كبيرة.

دينار ذهبي يعود للدولة العباسية
دينار ذهبي يعود للدولة العباسية

الشاعر أبو دلامة – نوادره:-

  1. له مع الخلفاء نوادر كثيرة، من ذلك لما ماتت زوجة المنصور حمَّادة بنت عيسى ابنة عم أبي جعفر فحضر جنازتها وجلس لدفنها وهو متألم لفقدها كئيب عليها وهي زوجته، فأقبل الشاعر أبو دلامة وجلس قريباً منه، فقال له المنصور: ويحك! ما أعددت لهذا المكان وأشار إلى القبر؟ فقال: ابنة عم أمير المؤمنين، فضحك المنصور حتى استلقى، ثم قال له: ويحك، فضحتنا بين الناس.
  2. أمر المهدي أبا دُلامَة بالخروج نحو عبد الله بن علي، فقال أبو دلامه: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تحضرني شيئاً من عساكرك فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها، وأخاف أن يكون عسكرك العاشر، فضحك منه وأعفاه.
  3. اتفق أن أبا دُلامَة تأخر عن الحضور بباب أبي جعفر أياماً ثم حضر، فأمر بإلزامه القصر، وألزمه بالصلاة في مسجده، ووكل به من يلاحظه في ذلك، فمر به أبو أيوب المورياني وهو إذ ذاك وزير أبي جعفر، فقام إليه أبو دلامه ودفع رقعة مختومة، وقال: هذه ظلامة لأمير المؤمنين، فأوصلها أعزك الله إليه بخاتمها، فأخذها أبو أيوب، فلما دخل على أبي جعفر أوصلها إليه فقرأها فإذا فيها:

ألم تعلــموا أن الخليـفة لزني.. بمسجده والقصر، ما لي وللقـصر

أصلي به الأولى مع العصر دائماً.. فويلي من الأولى وويلي من العصر

ووالله مــا لــي نيـــة في صلاتِــهــم .. ولا البر والإحسان والخير من أمري

ومــا ضـــره واللــه يصــلــح أمـــره .. لــو أن ذنوب العالمين على ظـهري

فضحك المنصور وأمر بإحضاره، فلما حضر قال: هذه قصتك؟ قال: دفعت إلى أبي أيوب رقعة مختومة أسأل فيها إعفائي من لزوم الذي أمرني بلزومه، فقال له أبو جعفر: اقرأها، قال: ما أحسن أن أقرأ، وعلم أنه إن أقر بكتابته لها يحده بذكره الصلاة وتعريضه بها، فلما رآه يحيد من ذلك، قال له: يا خبيث أما لو أقررت لضربتك الحد، ثم قال: لقد أعفيتك من لزوم المسجد، فقال الشاعر أبو دلامة: أو كنت ضاربي يا أمير المؤمنين لو أقررت قال: نعم، قال: مع قول الله عز وجل {يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء : 226]، فضحك منه وأعجب من انتزاعه، ووصله.

  1. كان المنصور قد أمر بهدم دور كثيرة، وكان من جملتها دار أبي دُلامَة، فكتب إلى المنصور:

يابن عـــــم النبي دعـــوة شــــيــخ .. قـد دنا هـــدم داره وبـــــــواره

فهو كالماخض التي اعتادها الطل.. ق .. فـقرت وما يقـر قـراره

لكــــم الأرض كلــــها فأعـــيروا.. عبدكم ما احتوى عليه جداره

فأمر له بدار عوضاً عنها.

  1. كان أبو عطاء السندي مولى بني أسد قد هجاه بقوله:

ألا أبلـــغْ هُــــدِيْتَ أبــا دُلامَــة … فـليــس من الكرام ولا كرامة

إذا لبس العمامة كــان قرداً … وخنزيــراً إذا وضع العمامــة

فلم يتعرض له الشاعر أبو دلامة.

شعر أبي دُلامَة:-

للشاعر زند بن الجون أشعار كثيرة، وله بيت من الشعر كان يعد أشعر بيت في المقابلة، حيث كان الخلفاء العباسيون كثيراً ما يتساءلون عن أشعر بيت قالته العرب، كما كانوا يتساءلون بنوع من التخصيص عن أشعر بيت في فن من الفنون الشعرية، فقد تساءلوا عن أحسن بيت في النسيب، المدح، الهجاء، الرثاء، وغيرها. وتلقى تساؤلاتهم مجيباً لها؛ ومن ذلك أن أبا جعفر المنصور سأل أبا دُلامَة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر في المقابلة ؟ فرد الشاعر أبو دلامة: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو ذلك ؟ قال:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا..

وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

ونرى أنه جمع بين ستة أضداد في بيت واحد، فقد قابل الشاعر بين أحسن بأقبح، والدين بالكفر، والدنيا بالإفلاس، فجمع بيته ما لم يجمعه بيت قيل قبله في التقابل، ولا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله، وأما بعده؛ تغلب عليه الشاعر أبو الطيب المتنبي بجمع عشر مقابلات في بيت واحد، بقوله:

أزورهم وسواد الليل يشفع لي ..

وأنثني وبياض الصبح يغري بي

لكن نجد أن بيت المتنبي فضل بالكثرة وأما بيت أبي دلامة أفضل بجودة المقابلة.

وقد نَظَمَ الشاعر أبو دلامة قصيدة هَجا فيها بغلته ويتراوح عدد أبياتها تسعة وخمسون بيتاً يقول فيها:

أبَعدَ الخَــيــلِ أركَبُهـــا وِراداً … وَشُــقــراً في الرَّعيلِ إلى القِتالِ

رُزِقـــتُ بُغَـيـلَــةً فيهــا وِكَــــالٌ … وَخَـيــرُ خِصَالِها فَرطُ الوِكَالِ

رَأيـتُ عُيُــوبَهــــا كَثُـــرَت وَعَــالَـت .. وَلَــو أفنَيتُ مُجتَهِداً مَقَالي

ليُحصَى مَنطِقِــي وَكَــلامُ غَيرِي .. عُشَيــرَ خِصَالها شَرَّ الخِصَالِ

فأهـــوَنُ عَيبِــها أنّــي إذا مــــا … نَــزَلـــتُ وقُلــتُ إمشي لا تُبَالي

تَقُومُ فما تَريــمُ إذا استُحِـثَّــت .. وَتَرمَحُنـــي وَتَأخُذُ في قِتَالي

وإنّي إن رَكِــبتُ أَذَيتُ نَفسِـــي .. بِضَـــربٍ باليَمينِ وبالشِّمالِ

وبالرِّجــلَيــنِ أركِضُــهــا جميعـــاً … فَيَــا لَكَ في الشَّقَاءِ وفي الكَلالِ

رِياضَةُ جَــاهِـــلٍ وعُلَيـــجِ سُــــوءٍ … مِـنَ الأكـرادِ أَحبنَ ذي سُعالِ

شَتِيــمِ الــوَجــهِ هِلبَـــاجٍ هِـــدانٍ … نَعُــوسٍ يَومَ حلٍّ وارتِحَالِ

فــأدَّبَهــــا بأخـــلاقٍ سِمَــــاجٍ … جَـــــزاهُ اللهُ شرّاً عَن عِيَالي

فَلَمَّــــا هَدَّنِــي ونَفَــى رُقَـــادِي … وطَــــالَ لِذَاكَ هَمِّي واشتِغالي

أتَيتُ بهـــا الكُنَاسَــــةَ مُستَبيعــــاً .. أُفَكِّــــرُ دائباً كَيفَ احتِيالِي

بِـعُهــدَةِ سِلـعَــةٍ رُدَّت قَديـمـــــاً .. أطُــــمُّ بها على الدَّاءِ العُضَالِ

ما قيل فيه:-

  • قال ابن تَغْري بَرْدي: “كان عبداً حبشياً فصيحاً خليعاً ماجناً، وهو ممن ظهر ذكره في الدولة العباسية من الشعراء”.
  • وقال عنه ابن المعتز: “كان الشاعر أبو دلامة مطبوعاً مفلقاً ظريفاً كثير النوادر في الشعر، وكان صاحب بديهة، يداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم، ينفرد في وصف الشراب والرياض وغير ذلك بما لا يجرون معه، وكان مدَّاحاً للخلفاء”.

سمات شعر أبي دلامة:-

  • انعكست شخصيته ذات الطابع الفُكاهي على شعره الذي جاء ساخراً عبثياً.
  • الهِجاء كان له النصيب الأكبر من شعره.
  • اقتفى أثر الأولين من حيث نظمه على عدة بحور منها الوافر والبسيط والكامل والرجز..
  • غلبة قافية اللام على قصائده ومقطوعاته، كما سيطر الروي المكسور على المضموم والمفتوح، ذلك لأنه مال في شعره إلى اللين لأغراض استدرار عطف الخلفاء وذوي الجاه.
  • استعماله أين وكيف وهل ومن وأي والهمزة لأغراض الاستفهام، كما استعمل أبو دلامة الأمر بصيغة الفعل، أما النَّهي؛ فله صيغة واحدة.
  • تنوُّع الجمل الإنشائية لديه ما بين النِّداء والاستفهام والأمر والنَّهي، كما أقدم على تنويع الحروف المستخدمة، فقد استعمل الهمزة و يا للنداء.

يـا قـَــومِ رأيتُ الفيـلَ بعدكــمُ..

لا بــارَكَ الله لي في رؤيــةِ الفيــلِ

وفاته:-

توفي الشاعر أبو دلامة سنة 161هـ في خلافة المهدي، ويقال: إنه عاش إلى أيام هارون الرشيد، وكانت ولاية الأخير في سنة 170هـ، ولكن هذا لم يثبت.

إِنَّـي لأحسَـبُ أن سَـأٌمسِـي مَيِّتــاً..

أو سـوفَ أصبـحُ ثـمَّ لا أُمسِــي

أبو دلامة.

المصادر:

  • الأعلام (3/49).
  • ديوان أبي دُلامة، دراسة أسلوبية، دنفوش سلاف، الجزائر.
  • سير أعلام النبلاء (7/347/رقم 138).
  • طبقات الشعراء لابن المعتز (54).
  • معجم الأدباء (3/1327).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (2/39).
  • وفيات الأعيان (2/320).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى