أعلام

السهروردي .. الفيلسوف الزاهد والمتكلم المقتول

كان فقيهاً، أصولياً أديباً شاعراً، حكيماً، متفنناً، فاق جميع من ناظرهم

اسمه ونشأته:-

يحيى بن حَبَشِ بن أَمِيْرَكَ، أبو الفتوح السُّهْرَوَرْدِيُّ الفيلسوف المقتول، وُلِدَ في سُهْرَوَرْدِ الإيرانية سنة 549هـ.

ويقول ياقوت الحموي واصفاً سهرورد وذلك في كتابه “معجم البلدان”: بلدة قريبة من زنجان بالجِبال، خرج منها جماعة من الصالحين والعلماء.

ألقابه:-

  • المؤيد بالملكوت : وذلك لمَ اُشتُهِرَ عنه من العلوم الإلهية والأسرار الربَّانية التي رَمَزَ الحُكماء إليها وأشار الأنبياء لها، ولمَ أُيدَ به من قوَّة التعبير عن هذه الأسرار وتلك العلوم التي تناولها في كتابه “حكمة الإشراق”.
  • خالق البرايا : وذلك لما كان يُظهِره في الحال من العجائب، وفي هذا الصدد؛ يروي الشهرزودي إن شخصاً رأى السهروردي في المنام، فقال له الأخير: لا تُسمُّوني بخالِق البرايا.
  • الشيخ المقتول: ذلك لأنه قُتِل بموجب إيعاز من النَّاصر صلاح الدين الأيوبي وذلك سنة (589 هجرية، 1193 ميلادية)، وهذا اللقب يفيد أيضاً لتمييزه عن غيره من الشخصيات التي تحمل اسم بلدته سهرورد، وكذلك يوحي الاسم بأنَّه قُتِلَ بشكل مستحق نظراً لكُفْره من وجهة نظر المعاصرين له من الفُقهاء.
  • الشَّهيد: وهو اللَّقب الذي أطلقه عليه تلاميذه الذين عدُّوه شهيد الفِكرة والعقيدة الاستشراقية.

مكانته العلمية:-

كان فقيهاً إسماعيلي المذهب، أصولياً أديباً شاعراً، حكيماً، متفنناً، نظاراً لم يناظره مناظر إلا خصمه وأفحمه.

وهو أحد أذكياء بني آدم، كان رأساً في معرفة علوم الأوائل، بارعاً في علم الكلام، مناظراً محجاجاً متزهداً، مزدرياً للعلماء مستهزئاً، رقيقَ الدِّين.

قرأ الحكمة وأصول الفقه على الشيخ مجد الدين الجيلي بمدينة مَرَاغَةَ من أعمال أذربيجان، إلى أن برع فيهما، وهذا مجد الدين الجيلي هو شيخ فخر الدين الرازي، وعليه تخرَّج، وبصحبته انتفع، وكان إماماً في فنونه، وكان شافعي المذهب، والبعض ينسبه إلى الإسماعيلية.

رحل إلى حلب، فدخلها في زمن الظاهر غازي بن أيوب سنة 579هـ، ونزل في المدرسة الحلاوية، وحضر درس شيخها الشريف افتخار الدين، وبحث مع الفقهاء من تلاميذه وغيرهم وناظرهم في عدة مسائل فلم يجاره أحد منهم وظهر عليهم، واشتهر اسمه، فعقد له الملك الظاهر غازي ولد السلطان صلاح الدين مجلساً، فبان فضله وبهر علمه، فارتبط عليه الظاهر واختص به.

الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب
الرحالة ابن جبير يصف مشاهداته في حلب

وله في النظم والنثر أشياء لطيفة، وله أشعار، فمن ذلك ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا:

خَلَعَتْ هياكِلَها بجَرعاءِ الحِمَى .. وَصَبَتْ لمعناها القديمِ تشوُّقا

وتلفَّتَتْ نحو الدِّيارِ فشاقَهـــــــــــــا .. ربعٌ عَفَتْ أطلالُه، فتمزَّقا

وقفَتْ تُسائِلُه، فردَّ جوابَهــــــــــــا .. رجعُ الصَّدى أنْ لا سبيلَ إلى اللقا

فإذا بهـــــا بَرقٌ تألَــــــــــّقَ بالحِمَى .. ثـــمَّ انطفى، فكأنَّه ما أبرقــــــــــــــا

استمر الجدل لسنوات طويلة حول أفكاره

ومن شعره المشهور:

أَبـــــداً تَحنُّ إِلَيكُـــــــــــــمُ الأَرواحُ .. وَوِصــــــــــالُكُم رَيحانُهــا وَالراحُ

وَقُلوبُ أَهـــــــــلِ وِدادكم تَشتاقُكُم .. وَإِلى لَذيذ لقائكــــــــم تَرتاحُ

وَا رَحمــةً للعاشِقينَ تَكلَّفــــــــــوا .. ستر الْمَحبَّةِ وَالهَوى فَضَّـــاحُ

بِالسِّرِّ إِنْ باحـــــــــــوا تُباحُ دِماؤُهم .. وَكَــــــــــــذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ

وَإِذا هُم كَتَمــــــــــــــوا تَحَدَّثَ عَنهُم .. عِندَ الوشـــــــــــاةِ الْمَدمعُ السَّفَّاحُ

خَفضَ الجَناحَ لَكُــــم وَلَيسَ عَلَيكُم .. لِلصَـّبِّ في خَفضِ الجَناح جُناحُ

لا ذَنبَ لِلعُشَّـــــــــــــــــــاقِ إِنْ غَلَبَ .. الهَوى كِتمانَهُم فَنمــــا الغَرامُ فَباحوا

أشهر أقوال السهروردي:-

  • “اعلم أنك ستعارض بأعمالك وأقوالك وأفكارك، وسيظهر عليك من كل حركة فعلية أو قولية أو فكرية صور جانية، فإن كانت تلك الحركة عقلية صارت تلك الصورة مادة لملك تلتذّ بمنادمته في دنياك وتهتدي بنوره في أخراك، وإن كانت تلك الحركة شهوية أو غضبية صارت تلك الصورة مادة لشيطان يؤذيك في حال حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد مماتك”.
  • “واللَّذيذ والمكروه قد يحصلان دون حصول لَذَّةٍ وألمٍ، كمن به سكتةٌ أو سُكرٌ شديد لا يتألَّم بالضَّرب، ولا يتلذَّذ بحضور المعشوق، فإذا النَّفسُ ما دامت مشتغلةً بهذا البدن لا يتألم بالرَّذائل ولا يتلذَّذُ بالفضائل لسكر الطبيعة، فإذا فارقَت؛ تتعذَّب نفوس الأشقياء بالجهل والهيئات الرديَّة الظلمانية والشَّوق إلى عالم الحِس”.
  • اعلم بأن النَّفس لا تبطل ببطلان البدن، لأنَّها ليست ذات محلٍ، فلا ضدَّ لها ولا مُزاحِم، ومبدؤها دائم، فتدوم به.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال السيف الآمدي: “رأيته كثير العلم، قليل العقل، قال لي: لا بد لي أن أملك الأرض”.
  • وقال ابن أبي أُصَيبعة: “كان السُّهْرَوَرْدِيُّ أوحد أهل زمانه في علوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية، بارعاً في أصول الفقه، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، وكان علمه أكثر من عقله. قال: ويقال عنه إنه كان يعرف علم السيمياء”.
ابن أبي اصيبعة تحدث عن السهروردي
  • وقال ابن شهبة: “كان دنيء الهمة، زري الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا يداً، ولا يقص ظفراً ولا شعراً، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه، وكل من يراه يهرب منه، وهذه الأشياء تنافي الحكمة والعقل والشرع”.
  • وقال ابن شدَّاد: “أقمت بحلب فرأيت أهلها مختلفين فيه، منهم من يصدقه ومنهم من يزندقه، والله أعلم”.
  • وقال عنه فخر الدين المارديني: “لم أر في زماني أحداً مثله، ولكني أخشى عليه من شدة حدته وقلة تحفظه”.
  • قال تلميذه الشهرزوري: “كانَ قدَّس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان، شديد الشَّوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له، قال في آخر المُطارحات: ها هو سني تقريباً ثلاثين سنة أو أكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتفحُّص عن مشارك مطَّلِع على العلوم، ولم أجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة، ولا من يؤمن بها وأكثر العجب من ذلك”.
  • يقول المستشرق هورتن عن سبب مقتل السهروردي: ” إنَّ مذهب السهروردي ينطوي على إحياء المذهب الإسماعيلي القائل بأنَّ أبناء علي هم صُوَر التَّجلي الإلهي، ولهذا اُعتُبِرَ ثائراً سياسياً يعمل على قلب النِّظام، وكان مصيره كمصير الحلَّاج من قبل”.

كتب السهروردي

يعتبر السهروردي من بين أفضل من قام بجمع عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفي، وذلك في منطقة الإشراقي القائم على الحكمة البحثية والحكمة الذَّوقية، فهو منطقي فيلسوف من جهة يعتمد على العقل والبرهان في نقده للمنطق الأرسطي دون النظَّر إلى دوافع هذا النقد، وهي دوافع إشراقية، ثم هو إشراقي من جهة أخرى إذ أنَّه يمنحنا تصوُّراً للعالم كدرجات من النُّور، فهو يمثل الفيلسوق المنطقي الإشراقي، أي الحكيم الباحث المتأله.

وتظهر أفكاره هذه في سلسلة مؤلفاته المتدرِّجة من حيث عمق طروحاته فيها، وأبرزها:

  1. التنقيحات، في أصول الفقه.
  2. التلويحات اللوحية والعرشية، في الحكمة.
  3. وحكمة الاشراق.
  4. الغربة الغريبة، في الحكمة.
  5. هياكل النور، في الحكمة.
  6. الألواح العمادية.
  7. المعارج.
  8. اللمحات في الحقائق.
  9. المطارحات، وفي هذا الصَّدد، يقول السهروردي: ” وهذا الكتاب، أي المطارحات، ينبغي أن يُقرأ قبل حكمة الإشراق، وبعد التحقيق المختصر المرسوم بالتلويحات، فإذا استحكم الباحث هذا النَّمط؛ فليشرع في الرياضيات المبرقة بحُكم القيم على الإشراق حتى يُعاين بعض مبادئ الإشراق، ثمَّ يتم له مباني الأمور.. وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدُّنيا، وأوسطه مشاهدة الأنوار الإلهية، وآخره لا نهاية له”.
  10. مقامات الصوفية ومعاني مصطلحاتهم.

قتل السهروردي:-

ظهر للعلماء منه زندقة وانحلال (حسب قناعاتهم)، فعملوا محضراً بكفره وسيَّروه إلى صلاح الدين، وخوَّفوه من أن يفسد عقيدة ولده، فبعث إلى ولده بأن يقتله بلا مراجعة، فخيَّره السلطان فاختار أن يموت جوعاً؛ لأنه كان له عادة بالرياضة، فمُنِعَ من الطعام حتى توفي في حلب سنة 587هـ.

وهنا يقول الشهرزوري: “ورانت النَّاس مختلفين في قتله، فزَعمَ بعضهم أنه سُجِن ومُنِعَ الطَّعام، وبعضهم يقول: منع نفسه حتَى مات وبعضهم يقول: خُنِقَ بوَتَر، وقيل: إنَّه حُطّ في القلعة وأُحرق”، أما ابن أبي أصيبعة، فيقول: “ولمَّا بلغ السهروردي ذلك، وأيقن أنه مقتول وليس جهة إلى الإفراج عنه؛ اختار أن يُترَك في مكان منفرد، ويُمنَع من الطَّعام والشَّراب، إلى أن يلقى، ففعل ذلك”.

حلب كما وصفها المهلبي

بدوره يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: ” لولا اتصال السهروردي بالملك الظَّاهر وما خشيه السُّلطان من تأثير هذه الصلة على المذهب السُّني الذي كان يُمثِّله صلاح الدين؛ لظَلَّ السهروردي طليقاُ حراً يفكر كما يشاء، ونفس ما حَدَث للسهروردي حَدَث للحلَّاج من قبل..، فلولا أنَّ الحَّلاج قد زجَّ نفسه في التيَّارات السياسية المضطربة في عصره ومصره بين الشِّيعة والحنابلة، واتصاله برجال السِّياسة؛ لمَا حدث له شيءٌ مِمَّا حدث من تعذيب أو صَلْب، أما أن تكون أسباب اتهامه هي أسباب ترجع إلى آرائه، فلم يكُن إلَّا تكاه استنَدَ إليها السُّلطان فحسب، وإن في وسعه أن يَجِد غيرها ليُنكِّل به كما فعل لو لم توجَد هذه الآراء”.

ويسرِد العماد الأصفهاني، قصَّة مقتل السهروردي، وهو الذي عاصر الأخير وشهد الحادثة، قائلاً: “في سنة 588 هـ، قُتِلَ شهاب الدين السهروردي وتلميذه شمس الدِّين بقلعة حَلَبَ، أُخِذَ بعد أيَّام، وكان فقهاء حلب قد تعصَّبوا عليه، ما عدا الفقيهين (ابني جهيل)، فإنَّهما قالا: هذا رجلٌ فقيه ومناظراته في القلعة، ينزل إلى الجامع ويجتمع لهم، ويعقد له مجلس في الخلاف معه، وقالوا: أنتَ قُلْتَ في تصانيفك: (إنَّ الله قادر على أن يخلق نبياً وهذا مستحيل، فقال لهم: ما حَدُّ قدرته، أليس القادر إذا أراد شيئاً لا يمتنع عليه؟ قالوا: بلى، قال: فالله قادر على كُلِّ شيء، قالوا: إلَّا على خلق نبي فإنَّه مستحيل، قال: فهل يستحيل مُطلَقاً أم لا؟، قالوا: كفَرْت)، وعملوا له أسباباً لأنَّه بالجُملة كان عنده نقص عقل لا عِلم، ومن جُملته أنه سمَّى نفسه المؤيد بالملكوت”.

المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى