أعلام

السمعاني المروزي .. الرحالة الفقيه العالم بالأنساب

دوَّن تفاصيلاً حول مواضع وأحداث شاهدها أثناء فترة إحدى الحملات الصليبيبة على الشَّام

اسمه ونسبه:-

هو الإمام الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني التميمي المروزي الشافعي .

السمعاني المروزي – مولده:-

ولد السمعاني المروزي في مدينة مرو من مدن خراسان، ليلة الاثنين الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمائة ونشا في أسرة كل أفرادها ما بين عالم، وحافظ، ومحدث، وفقيه، وأديب، وواعظ، وخطيب فغذي بالعلم من مناهله الثرة، وأدرج في مدارج الفقاهة بعد أن أشرب قلبه حب العلم، وقد اعتنى به والده عناية كبيرة مبكراً به السماع من أجلة مشايخ مرو ونيسابور حينما رحل به إلى نيسابور سنة 509 هـ، وكان يحضره مجالس المحدثين، ويكتب له ما أملوه، أو ما قرئ عليهم في تلك المجالس، وكان يحصل له الإجازات وبهذا فقد حصل لولده علو الإسناد من مشايخ عصره، وكانت هذه الإجازات والسماعات أساس مادته العلمية الأولى.

شيوخه:-

تلقى السمعاني المروزي علوم الحديث، وشتات المعرفة على عدد كبير من المشايخ، وكان من بين مشايخه المحدثون، والحفاظ، والفقهاء، والمناظرون، والمفسرون، والمقرؤون والوعاظ، والأدباء، والشعراء، والنحويون.

قال ابن النجار في كلامه على مشايخه: “سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد”.

السمعاني المروزي نهل من العلوم في نيسابور

وقيل : كان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ، روى عن كل منهم إما قليلاً أو كثيراً.

وقد ملأ أبو سعد صفحات كثيرة من مؤلفات ضخمة بتراجم شيوخه نذكر منها: كتاب “العوالي” في اثنين وثلاثين جزءاً خرجه لولده أبي المظفر عبد الرحيم، و”المعجم” في ثمانية عشر جزءاً لولده أبي المظفر عبد الرحيم أيضاً، وجمع لنفسه “معجماً” آخر لشيوخه.

يضاف إلى ذلك أن السمعاني المروزي ذكر عدداً كبيراً من مشايخه الآخرين في مؤلفات غيرها مثل: “الأنساب” و”الذيل على تاريخ بغداد” و”تاريخ مرو”.

وقد تطلب لقاؤه بهذا العدد الكبير من العلماء جهداً كبيراً، استطاع أن يذلل العقبات التي كانت تواجهه، في لقاء المشايخ ولم يكتف بلقاء مشايخ المدينة التي كان يرحل غليها بل كان يلقى مشايخ القرى والمحال، وينتقل من قرية إلى أخرى، ومن محلة إلى أخرى، وكذلك كان ينتقل من الدروب، والسكك، والأبواب، والدكاكين، وحتى في طريق الرحلة كان يسمع ويذاكر العلماء، ومن مظاهر حرصه على التعلم أنه كان يسمع من الشيخ الواحد عدة مرات حين يتجدد لقاؤه به، لذلك نراه يسال ويبحث عن المشايخ كان قد التقى بهم قبلاً، وهذا يوضح رغبته في الحصول على ما يتجدد لمشايخه من مسموعات، والاحاطة بما قد فاته من مسموعاتهم ليكون له الحق في روايته.

وقد فسر أبو سعد حبه للحديث، وكثرة مسموعاته في كلامه على معاجم شيوخه بقوله: “لأن الله تعالى جده، وتوالى جوده، قد كان حفياً بي، وولياً لي: حيث حبب إلى الحديث، وزينه في قلبي، ورزقني سماع كل سنة حسنة، ووفقني لشد الرحال إلى محال الترحال، حتى رأيت الأفاضل، والمقانع، وقل من تصير الديار منهم بلاقع، واجتمع عندي من مكتوم الفوائد، ومختوم الزوائد، وفقر المسموعات، وبقر المجموعات، ما اعلمه اجتمع لواحد من أبناء المشيخة، إلا من شاء الله من أهل الدهر”.

رحلته:-

كانت الرحلة عند علماء المسلمين من شرائط كمال المعرفة، لذلك أكثر أبو سعد من الرحلة في أرجاء العالم الإسلامي، فرحل إلى أكثر من مئة مدينة.

كان من جملة الأسباب التي دفعت السمعاني المروزي إلى القيام بهذه الرحلات الواسعة تحصيل علوم الحديث، وشتات المعرفة، ولقاء المشايخ، والحصول على علو الإسناد، وقد نص في كثير من التراجم، على أنه رحل من أجل سماع الكتب، والأحاديث، والأجزاء.

وقد سجل أبو سعد ما شاهده من أحوال البلدان، المدارس، والمشايخ، وما حصل عليه من سماعاتهم، وإجازاتهم، كما سجل حضوره مجالس الاملاء، والوعظ، والتذكير التي عقدت له في تلك البلدان، وقد دونها في مؤلفاته العديدة وبذلك تضمنت مؤلفاته معلومات على غاية من الأهمية عن تلك الأقاليم، والبلدان والقرى، والمحال المشهورة منها، والمغمورة، وما انتابها على يد الغز التركمان، أو نتيجة الكوارث الطبيعية، وذكر المشايخ الذين لقيهم في تلك الأقاليم، والبلدان في رحلاته المتعددة إليها، وكان أغلب المشايخ الذين ترجم لهم في كتاب “التحبير” ممن لقيهم في رحلاته خلا مشايخ مدينة مرو، حيث لقيهم حضراً.

أهمية رحلاته للشام في فترة الحروب الصليبية:-

أثناء رحلاته التي قادته إلى عدد من مدن الشَّام لينهل من علوم علمائها؛ فقد دوَّن السمعاني المروزي كذلك بعض المعلومات الجغرافية والتصويرية المهمة لمواضع وأحداث شاهدها أثناء فترة  إحدى الحملات الصليبيبة على الشَّام.

وفي كتابه الذي نقل لاحقوه بعض مضمونه، وهو “فرط الغرام إلى ساكني الشَّام”؛ فقد روى السمعاني بعض المشاهد التي رآها في المدن الشَّامية في وقت الاحتلال الصليبي لبعضها، لكن هذا الوصف جاء مقتضباً، وذلك نظراً لأن جاءها بغرض جمع معلومات عن الشخصيات والترجمة لها.

ومع ذلك؛ قد أورد أبو سعد معلومات حول الحواضر الشامية الكبرى الداخلية الخاضعة للسيادة الإسلامية، ومراكز الإمارات الصليبية، ثم العمائر الدينية، فضلا عن الخريطة المذهبية لبلاد الشَّام ونمط النشاط الاقتصادي السائد في مدنها وحواضرها، وتحدَّث أيضاً عن المزارات الدينية والعلاجية.

ابن جبير يصف حال المسلمين الأسرى في إحدى الحملات الصليبية

فهو مثلا يتحدَّث عن دخوله مدينة عكا وهي تحت سيطرة الصليبيين، وأشار إلى نزوله في جامعها، وتطرَّق إلى الوضع السيء لأبناء المدينة من المسلمين، كما ذهب إلى جامع عكَّا الذي كان بمثابة بؤرة لتلاقي المسلمين خصوصاً الغرباء  منهم  والذين يفدون لمدينة ليس فيها أهل لهم ، وهي فوق ذلك تخضع لاحتلال صليبي.

بالنسبة لمدينة بيروت؛ يشير أبو سعد إلى موقعها الساحلي، قائلاً: إنها في يد الإفرنج (في عهده) ، وفصَّل في حديثه عن طرسوس أكثر من سواها الواقعة على السَّاحل الشامي، فقد أوضح أنها كانت مزدهرة بمظاهر الحياة والاحتفالات والأعياد، كما تحدَّث عن صلاة التراويح فيها، واحتفالات المدينة بعيد الفطر المبارك، كما أشار إلى أن أهلها يخرجون بالأسلحة الكثيرة والخيل الحِسان لأنها أصلا ًمدينة ثغرية، وذلك ليصل الخبر إلى البيزنطيين فلا يهاجمونها، كما أشار إلى الكثافة السكانية الكبيرة فيها.

أما دمشق؛ فيصفها أبو سعد بأنها ” أحسن مدن الشام”، ويعبَّر عن الكثافة السُّكانية فيها بالقول: “أكثرها أهلا” ، وأشار أيضاً إلى أن تاريخ المدينة قام بجمعه صديقه ابن عساكر المتوفى سنة 571 هـ/ 1176 م.

مؤلفاته:-

صَّنف أبو سعد السمعاني المروزي تصانيف حسنة كثيرة الفائدة على الرغم من قصر الفترة التي انكب فيها على التصنيف والتي لا تتجاوز العشر سنين حيث عاد من رحلاته الثلاث إلى مرو سنة 552 وقد عالج في مؤلفاته موضوعات شتى، ومعارف متنوعة، فقد بحث مختلف علوم الحديث، والتاريخ، والرجال، والأنساب، والفقه، والأصول، والخلاف، والتفسير، وغيرها.

وسأذكر هنا بعض المؤلفات المهمة المطبوع منها والمخطوط ومن مؤلفاته المطبوعة:

  1. الأنساب، والذي وقع في ثمانية مجلدات، وهو الذي اتجه ابن الأثير الجزري – المتوفى سنة 630 هـ، 1232 م-  إلى اختصاره في صورة كتاب “اللباب في تهذيب الأنساب”، ليفوق الأخير الكتاب الأول من حيث شهرته، ثم أقدم الإمام جلال الدين السيوطي (المتوفى سنة 911 هجرية- 1505 ميلادية) على اختصار كتاب أبو سعد إلى “لب الألباب في تحرير الأنساب”.
  2. أدب الإملاء والاستملاء.
  3. التحبير في المعجم الكبير.

أما آثاره التي لا زالت مخطوطة فمنها:

  1. معجم الشيوخ.
  2. الأنساب: وذلك لأن القسم الأكبر منه ما زال مخطوط، وهو الذي اعتمد عليه بصورة أساسية في تدوين التراجم التي قام بجمعها خلال ترحاله، بحيث قام بجمعها على حروف المعجم، وقد أبدى اهتماماً كبيراً بنسبة كل واحد منها إلى بلد أو قبيلة أو صناعة أو حرفة، هذا إلى جانب الحوادث المهمة التي شهدتها المواقع التي ترجم لأصحابها في كتابه.
  3. أدب القاضي.

وفاته:-

وبعد هذه الحياة الحافلة بجلائل الآثار، ومفاخر الأعمال؛ توفي الإمام الحافظ أبو سعد السمعاني عن عمر يناهز السادسة والخمسين سنة ولم يعمر طويلا، ويجمع المؤرخون على أن وفاته، كانت في شهر ربيع الأول سنة 562هـ.

مصادر ترجمته:-

تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر.

معجم شيوخ ابن عساكر .

المنتظم لابن الجوزي.

 التقييد، واللباب لابن الأثير.

مرآة الجنان لابن خلكان.

وفيات الأعيان.

المستفاد من ذيل تاريخ بغداد.

 المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء.

 تذكرة الحفاظ ، والعبر للذهبي.

 الوافي بالوفيات للصفدي.

 طبقات الشافعية الكبرى للسبكي.

 طبقات الشافعية للأسنوي.

الجغرافيون والرحالة المسلمون في بلاد الشَّام ومن الحروب الصليبية، محمد مؤنس عوض.

الوسوم

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق