نوادر العرب

السليك بن السلكة.. الشاعر الجاهلي الصعلوك

كان يُلقَّب بالرِّئبال أو بالذِّئب الجريء؛ لأنه اتصف بالجرأة والفتك

اسمه ونشأته:-

السُّلَيْك بن عمير بن يثربي بن سنان، أبو حَرْب السعدي التميمي، من بني الحارث من تميم، والسُّلَكَة أمه، وهو شاعر جاهلي صعلوك، نشأ السليك بن السلكة في حضن أمه، التي أكسبته العبودية؛ مما جلب له الذل والعار، رغم أن أباه كان حراً.

السليك بن السلكة أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه سوداء، وخُفَاف بن نُدْبَة السُّلَمي وأبوه عمير وأمه سوداء وإليها نُسِبَ، والسُّلَيْك بن السُّلَكَة السعدي.

ألقاب السليك بن السلكة:- لقد تعددت ألقابه، ونذكر منها ما يلي:-

  • الرِّئبال؛ تشبيهاً بالأسد،فحينما سُئلَ عمرو بن معد يكرب،- الفارس اليمني الذي أدرَكَ الإِسلام- عن عامِر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث وعنترة العبسي والسليك بن السلكة؛ قال: “فأمَّا عامر ؛ فسَريعُ الطَّعن على الصَّعب، وأما عتيبة؛ فأول الخيل إذا غارت وآخرها إذا أتت، وأمَّا عنترة؛ فقليلُ النَّبوة شديد الكَلَب، وأمَّا السّليك؛ فبعيد الغارة كاللَّيث الضاري“.
  • الذِّئب الجريء؛ لأنه اتصف بالجرأة والفتك.
  • سُلَيْك الـمَقَانب؛ لأنه كان يطمح إلى أن يصبح ذا خيل كثيرة، إذ كان يغزو على رجليه، وغالباً ما يسبق الخيل.
الأسد أو الرئبال أحد أهم ألقاب السليك بن السلكة
الأسد أو الرئبال أحد أهم ألقاب السليك بن السلكة

السليك بن السلكة من أشهر الصعاليك:-

اتصف بشدة البطش والفتك ضد من عاداه، واعتبر أحد شياطين الجاهلية، وكان ذا خبرة واسعة بالطرق والممرات والمسالك، وأصبح مضرب المثل في السرعة والعدو، فقيل: “أَعْدى من السُّلَيْك”.

رأى السليك أن الصعلكة تحقق طموحه وغايته، وقال في ذلك:

وَما نِلتُها حَتّى تَصَعلَكتُ حِقبَةً .. وَكِدتُ لأَسبابِ المَنيَّةِ أُعرَفُ

وَحَتّى رَأَيتُ الجُوعَ بِالصَيفِ ضَرَّني .. إِذا قُمتُ تَغشاني ظِلالٌ فَأُسدِفُ

له وقائع وأخبار كثيرة. وكان لا يغير على مضر، وإنما يغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة.

السُّليك بن السُّلكة .. مواصفات استثنائية:-

  • قيل له: “سليك المقانب”، والمقانب هي جماعات الخيل التي يُغزى بها.
  • تحدَّى في أواخر حياته أربعين شاباً، بعدما طُلِبَ منه إظهار قدرته على العدو، فارتدى درعاً حديدية وسابقهم، فسبقهم.
  • هو أقرب في صعلكته إلى نموذج الصعلوك الفاتك، مقتنص اللذائذ والمغانم، وهو بعيدٌ عن النموذج الثائر الذي مثَّله عروة بن الورد، والذي يقوم على أساس الفكرة والمبدأ.
  • كان “أدلَ الناس بالأرض” و” أدلَ من القطاة”، لقدراته العالية على معرفة الطُرق والشِّعاب، بل وسماع صوت ورود الأشخاص والبعير و القوافل عن بعد.
  • كان يأتي بيض النعام ويستودعه الماء في الشتاء ثم يخفيه، فإذا جاء الصيف، واحتاج إلى الماء؛ جاء حتى يقف على البيضة، فيستخرجها، ويشرب ماءها.
  • يكتنز نزعة إنسانية وعاطفة رقيقة رغم غلظه، فقد ذُكِر بأنه استيقظ من نومه وإذ برجل رابض على صدره يطلب منه أن يستأسر؛ لكن السليك سرعان ما تفوَّق عليه وغلبه، فسأله عن حاله، فأجاب بأنه مجرد صعلوك فقير، فصحبه السليك في غزوة ومنحه أعطية.

شِعر السليك بن السلكة:-

شعره عبارة عن وصف لحياته ومبادئه ومفاهيمه، واعتبر أن جمال الإنسان يقاس بقوته وشجاعته، وأغلب شعره كان في الصعلكة، أضف أنه رسم في شعره صورة لمعاناة خالاته الإماء السود من التضييق والذل والهوان، مع عجزه عن مد يد العون لهن، فشاب رأسه بسبب هذه الحال، وقد عبَّر ذلك فقال:

أَشابَ الرَأسَ أَنّي كُلَّ يَومٍ .. أَرى لي خَالَةً وَسطَ الرِجالِ

يَشُقُّ عَلَيَّ أَن يَلقَينَ ضَيماً .. وَيَعجِزُ عَن تَخَلُّصِهِنَّ مالي

أغلب شعره مُقَطَّعات، وفي معظمه يشير فيه إلى غاراته، وشعره وجداني ارتبط بالواقع، كان يقول الشعر بدون أي مقدمات فنية باستثناء بيت واحد يذكر فيه طيف امرأة سميت نُشيبة، وقيل: أمية، ولعل هذا البيت مطلع قصيد ضاعت أبياتها، وهو:

ألمَّ خيال من نُشيبة بالرَّكْب .. وهُنَّ عِجالٌ، عن نيال وعن نَقْبِ

المرأة أيضاً كان لها مكاناً ضمن لائحة اهتمامات السليك

مدح المرأة في بعض قصائده، فكان قد أغار على بني عُوارة، فكادوا أن يمسكوه، فاستجار بامرأة تسمّى (فُكيْهة) فأجارته وحمته، فمدحها:

لَعْمــرُ أبيكَ والأنباءُ تنــــمي .. لنِعم الجـار أختُ بنـي عُوَارا

مــن الخَفِرات لـم تفضح أخاها .. ولـم تـرفع لإخـوتها شَـنارا

أيضاً هجا من النساء المرأة التي تركض وراء ملذاتها، وله هجاء في خَثْعم، أما في الرثاء فقد عُدَّ أول من رثى الحيوان في الشعر الجاهلي.

يتميز شعره بأنه دقيق الوصف، قوي التراكيب، خلا من التعقيد والتكلّف يعبر فيه عما يجول في نفسه بصور واقعية غالباً، ومجازية في بعض الأحيان.

السُّليك بن السُّلكة ينقذ صديقه:-

خرَج السليك مع جماعة للغزو، فتركه بعضهم وبقي بصحبته فتيان من بني مقاعس، ولما اقتربوا من بلاد خثعم؛ تاهت ناقة لرجل يدعى صُرد، ما أن شرع في البحث عنها حتى وقع في الأسر، فبادر السليك بمهاجمة آسري صُرد، وتمكن من قهرهم وانقاذ صاحبه من براثن الأسر، كما نكَّل بالقوم، وساق إبلهم، فصوَّر تلك الحادثة في هذه الأبيات:

بَكَى صُردٌ لَمَّا رَأَى الحيَّ أعرَضَت.. مَهَامِهُ رَملٍ دُونَهُم وَسُهُوبُ

وَخَوَّفَـهُ رَيــــبِ الزَّمَانِ وَفَقرُهُ .. بِلاَدَ عَدُوٍ حَاضِرٍ وَجَذُوبُ

ونـأيٌ بعيدٌ عَن بِِلادِ مُقــاعِسٍ .. وَإنَّ مَخَاريقَ الأُمُورِ تُرِيبُ

فَقُلتُ له لا تَبكِ عَينَكَ إنَّهَا .. قَضِيةُ مَا يُقضَى لَهَا فَتَنُوبُ

سَيَكفيكَ فَقدَ الحَيِّ لَحمُ مَغَرَّضٌ .. وَمَاء قُدُورٍ في الجفَانِ مَشوبُ

ألََم تَرَ أَنَّ الدَّهرَ لَونَـــان لَونُهُ .. وَطَــورَانِ بِشرٌ مَرَّةً وكَذُوبُ

فَمَا خَيرُ مَن لاَ يَرتَجِي خَيرَ أوبَةٍ .. وَيَخشَى عَلَيه مِريَةٌ وحُرُوبُ

رَدَدتُ عَلَيـــهِ نَفسَــهُ فَكَأنَّمَا .. تَلاقَى عَلَيهِ مِنسَرٌ وَسُرُوبُ

فَمَا ذَرََّ قَرنُ الشَّمسِ حَتَّى رأيتُهُ .. مُضَادَ المَنَايَـا وَالغُبَارُ يَثُوبُ

وَضَارَبتُ عَنهُ القَــومَ حَتَّى .. كَأنَّمَا يُصَعَّد فِي آثارِهِم وَيَصُوبُ

وقُلتُ لَهُ خُذ هَجمَةً جَبــــرِيَّةً .. وَأهلاَ وَلاَ يَبعُد عَلَيكَ شَرُوبُ

وَلَيلَةَ جَابَانٍ كَرَرتُ عَلَيهِمُ .. عَلَى سَاحَةٍ فِيهَا الإِيَابُ حَبِيبُ

عَشيََّةَ كَدَّت بالحَرَامِيِّ ناقَةٌ .. بحَيِّهلا يَدعُو بٍِهَا فَتُجِيبُ

فَضَارَبتُ أُولَى الخَيلِ حَتَّى كَأنَّمَا .. أُمِيلَ عَليهَا أَيدَعٌ وَصَبِيبُ

السُّليك بن السُّلكة والإبل :-

قَصَد السليك مع إثنين من رفقائه يبغون الرزق بعيداً عن موئلهم، فأتوا جوف مراد باليمن، وإذ هو زاخرٌ بالإبل.

هنا قرر السليك أن ينطلق ليجمع أخبار الحي، وذلك بعد اتفاقه مع رفيقيه على عزمه العودة إن كان هناك فرسان في الجوار، إما إن لم يكن هناك أي منهم؛ فإنهُ سيبعث لهما بإشارةٍ تفيد بذلك.

فجاء السليك الرعاء فلم يزل بهم يتسقَّطهم حتى أخبروه خبر الحيّ، فإذا هو بعيد. فقال السليك: ألا أُغنيكم؟ قالوا: بلى، فَرَفَع عقيرته يتغنِّى:

يَا صَاحِــــبَيَّ أَلَا لاَ حَــيَّ بِالوَادِي .. إِلَّا عَبِيــدٌ وَأمٌ بَيـنَ أَذوَادِ

أَتَنظـــرانِ قَليـــلاً رَيثَ غَفلَتِهِم .. أَم تَعــدُوَانِ فإنَّ الرِّيــحَ لِلعَادِي

فلمَّا سمعا ذلك؛ أطردا الإبل فذهبا بها!

مع بني شيبان:-

قيل: إن السليك خرج يريد أن يُغير في ناسٍ من أصحابه، فمرَّ ببني شيبان، والناس مُخصبون في عشية ربيع فيها ضبابٍ ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد عن البيوت عظيم، وقد أمسى.

فقال لمرافقيه: كونوا في الموقع الفلاني ريثما آتي هذا البيت، فلعلي أصيبُ خيراً، أو آتيكم بطعام، فامتثلوا لرأيه.

فانطلق إليه بعد أن جنَّ الليل، فإذا البيت ليزيد الشيباني، وكان الشيخ وزوجه بفناء المنزل، فاحتال السليك ودخل البيت من الخلف، فلم يلبث أن أراح ابن الشيخ بإبله في الليل، فلمَّا شاهده أباه غضب منه، وقال: “هلَّا كُنتَ عشيتها ساعة من الليل!، فقال نجله: إنها أبتِ العشاء! فقال يزيد: إن العاشية تهيجُ الآبية ( يعني إذا رأت التي تأبى الرعي التي تتعشى هاجتها للرعي)، فَرَعَت معها”.

ثم نفَضَ الشيخُ ثوبهُ في وجهها (الإبل)، فرجعت إلى مراتعها، وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة؛ فرتعت فيها، وقَعَدَ الشيخ عندها يتعشى، وقد خَنَس (قبض) وجهُه في ثوبه من البرد.

السليك الذي لم يكن يردعه شيء عن السرقة والقتل

وتتبعه السليك حين رآه انطلق؛ فلما رآه مُعتنزاً (متنحيَّا) ضَرَبَه من ورائه بالسيف، فأطار رأسَه، وأطرَدَ إبله.

وظلَّ أصحاب السليك، -وقد ساء ظنُّهم، وخافوا عليه-، فإذا به يُطرِد الإبل، فأطردوها معه!.

وفاته:-

لقي رجلاً من خَثْعم فأخذه ومعه امرأته (النَّوار) ففدى الرجل نفسه بامرأته وتركها رهينة عند السُّلَيْك، وحاولت النَّوار أن تخيف السليك بن السلكة بقومها فهزىْ منهم؛ وبلغهم ذلك فذهبوا إليه وقتلوه، وقد قتله أنس بن مدرك الخَثْعمي نحو سنة 17ق.هـ-605م.

وقال أنس بعد قتله السليك:

إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكـاً ثمَّ أعْقِلَـهُ .. كالثَّورِ يُضرَب لمَّـا عافَتِ البَقَرُ

أنِفْتُ لِلْمَرءِ إذْ نِيكتْ حَلِيلتُه .. وأن يُشَدَّ على وجعائهـا الثَّفَرُ



المصادر:

  • الأعلام (3/115).
  • الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي (236).
  • الموسوعة العربية (11/113).
  • ديوان الشنفرى، ويليه السليك بن السلكة وعمرو بن براق، إعداد طلال حرب.
  • الحيوان، للجاحظ.
Image by RENE RAUSCHENBERGER from Pixabay 
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق