أعلام

خير الدين الزركلي .. الشاعر وصاحب كتاب “الأعلام”

عانى من الإضطهاد بسبب مواقفه العروبية المقاومة للاستعمار الغربي

خير الدين الزركلي – اسمه ونشأته:-

خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، أبو الغيث الزركلي الدمشقي، وُلِدَ 9 ذي الحجة، سنة 1310هـ (1893 م)، وكانت ولادته في بيروت؛ حيث كان لوالده تجارة فيها، وأمه وأبوه دمشقيان، ونشأ في دمشق.

مسيرته العلمية والسياسية:-

تعلم خير الدين الزركلي في مدارس دمشق، وأخذ عن علمائها، وأُولِع بكتب الأدب، وقال بعضاً من أبيات الشعر في صباه، وأصدر مجلة «الأصمعي» الأسبوعية، ولكن صادرتها الحكومة العثمانية؛ بسبب وجود صورة الخليفة المأمون عليها، وذهب إلى بيروت، وأصبح تلميذاً في الكلية العلمانية (لاييك) في دراساتها الفرنسية، ثم أستاذاً للتاريخ والأدب العربي فيها.

مقهى في بيروت التي ولد فيها الزركلي – الصورة تعود لبداية القرن العشرين- المكتبة الرقمية العالمية

ورجع في أوائل الحرب العالمية الأولى إلى دمشق، وأصدر بها مع أحد أصدقائه سنة 1918م جريدة «لسان العرب» اليومية، وأُقْفِلَت فيما بعد، فشارك في إصدار جريدة «المفيد» اليومية، وعلى أثر وقعة ميسلون في صباح اليوم الذي كان الفرنسيون يدخلون به دمشق سنة 1920م غادرها إلى فلسطين، فمصر، فالحجاز، وصدر حكم الفرنسيين غيابياً بإعدامه، وحجز أملاكه؛ بسبب فضحه للمستعمر الفرنسي وأذنابه، ثم تم إلغاء هذا الحكم فرجع إلى سورية.

الزركلي له مساهمات وطنية وقومية ودينية وفكرية بارزة

رحلته خير الدين الزركلي باتجاه الديار المصرية:-

قصد خير الدين الزركلي مصر، فأنشأ فيها «المطبعة العربية» في القاهرة أواخر سنة 1923م، وطبعت فيها بعض الكتب؛ منها كتبه، وبعد أن ثارت سورية على الاحتلال الفرنسي سنة 1925م، أذاع الفرنسيون حكماً ثانياً غيابياً بإعدامه، وساءت صحته فباع المطبعة سنة 1927م، وذهب إلى القدس سنة 1930م فأصدر مع زميلين له جريدة «الحياة» اليومية، فعطَّلتها الحكومة الإنجليزية، فاتفق مع شخصين على إصدار جريدة يومية أخرى في يافا، وأعدَّ له مطبعة، وأصدر العدد الأول منها.

بعد ذلك أبلغه الأمير فيصل آل سعود، تعيينه مستشاراً للوكالة، ثم المفوضية العربية السعودية بمصر، فترك الجريدة وتحول إلى القاهرة، وكان أحد المندوبين السعوديين، فيما سبق إنشاء جامعة الدول العربية من مداولات، ثم في التوقيع على ميثاقها، وفي سنة 1951م سُمِّي وزيراً مفوضاً ومندوباً دائماً لدى الجامعة، واستقر بمصر.

انضم إلى أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1930م، وكذلك مجمع اللغة العربية بمصر سنة 1946م، والمجمع العلمي العراقي في بغداد سنة 1960م.

دمشق بنهاية القرن 19 ميلادي – مكتبة الكونغرس

مختارات من أشعاره:-

غلب على شعر خير الدين الزركلي البعدين الوطني والقومي، وذلك في ظل تعرض سوريا والعالم العربي للاستعمار، حيث سعى إلى استنهاض الهمم في مواجهة ورفع الظلم الواقع على الأوطان وإشاعة المستعمر للدمار والفساد فيها، مؤكداً على اعتزاز الوطن بأبنائه شامخاً بهم، ومن ذلك قوله:

يا موطنـــــاً عبثَ الزَّمَـــــــان بــه .. مـــن ذا الذي أغرى بكَ الزَّمنا

قد كــــان لي بكَ عن ســـواك غنـــى .. لا كان لي بسواك عنكَ غنى

ما كُنْـــتَ إلَّا روضــــة أُنفـــــاً .. كَــــــرُمَتْ وطابَتْ مغرساً وجنى

عطفوا عليـــكَ فأوسعـــوكَ أذى .. وهـــم يُسّمُّونَ الأذى مننا

وحنوا عليك فجرَّدوا قُضَباً .. مسنونة، وتقدموا بِقَنَا

حبُّ الشاعر لوطنه كبير، وأهله هم الأصل الذي ينشده الشَّاعر، وهم حياته بكل ألوانها، فأنشد قائلاً:

يا طـــــائراً غنَّــى على غُصْـــــنٍ .. والنِّيـــــل يسقي ذلك الغُصنا

زدنــي وهجْ مـــا شئــتَ من شجنــي .. إنْ كُنْتَ مثلي تعرِفُ الشَّجَنا

أذكرتنـــي ما لســــتُ ناسيــــــه .. ولــــرُبَّ ذكرى جدَّدَت حَزَنَا

وأحبَّـــةً أســـررت مــن كلفـــي .. وهــــــوايَ فيهم لا عجاً كَمَنـا

كـم ذا أُغــــالبــــه، ويغلبنـــي .. دَمْــــــعٌ إذا كفكفتهُ هَتنـا

لــي ذكريـــــاتٌ فــي ربوعهــــم .. هُــــــنَّ الحياةُ تَألُّقَاً وَسَنـا

كبرياء الشَّاعر من كبرياء الوطن، وكذلك حبه ومجده وإباؤه، ويقول في هذا الصَّدَد:

أيا وطنـــــاً همْتُ في حُبِّــــــــهِ .. هُيــــــام “بني عذرةٍ” في العَرَبْ

نعيمــي وأُنســي فـي قُرْبِـــــهِ .. وعليـــــــاؤهُ لي نعمَ الحَسَبْ

وهـــــل أنا إلَّا ابن أمجـــــــادهِ .. أَتيــــــــهُ وأفخر فيما احتوى

ويفتخر الشاعر بأبناء وطنه يوم قيام الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، رافضين الذل والخضوع، حيث يقول:

انظُر إلى القـــومِ لا حَــوْلَ ولا عَضُــدٌ .. ثـــاروا على البغي ما هابوا ولا

أُباة ضيمٍ، مقــــاديم إذا استعــرت .. لظــى نضالٍ، مناجيد، مساريع

سيموا الأذاة، فلم يحنوا رِقابهم .. ذُلَّاً ، ولا استسلموا والأنف

أقوال الأعلام في خير الدين الزركلي :-

حظي خير الدين الزركلي بثناء وتقدير معاصريه والأجيال اللاحقة التي استفادت ونهلت من تراثه الأدبي والشعري، وأُعجبت بتضحياته الوطنية والقومية، وفيما يلي شهادات بعض الشخصيات بحقه.

  • قال عنه محمد الخضر الحسيني: “.. ومن أدباء دمشق، الشاعر المُجيد السيد خير الدين الزركلي، رأيته ينحو في شعره نحو فلسفة المعري”.
  • وقال عنه الشاعر شوقي بغدادي: “.. أحد الشعراء القلائل الذي خالطت أشعاره حياتنا منذ عهد الطُّفولة، فكانت كالنَّقش على الحجر..”.
  • ووصفه الشاعر أحمد الجندي بالقول: “..قمَّةٌ باذخة من الأدب والفن، يقفُ إلى جوارِ حافظ إبراهيم وبشارة الخوري، وإيليا أبي ماضي وبدوي الجبل..”.
  • وقال عنه الدكتور أكرم جميل قنبس: “إنه عُنِيَ بقضايا وطنه، وجَدَّدَ في مضمون شعره وموسيقاه، يتجلَّى خياله في مضامين الوطن، الحنين، الذِّكرى، الأمل، الوفاء، الألم، غدرات الزمان، الاستعمار، جرائم المستعمر، التنديد بالمُتخاذلين، تحريض الهِمَم للثورة، الحُرية، الاستقلال، التضامن..”.
  • وقال عنه الدكتور عدنان الخطيب: ” وهو أعظمُ من أنبغتهم دمشق، كما أنه عالم ترَكَ للعربِ ثروةً لا تقدَّر بمال، هي الأعلام، وهو شاعرٌ عظيم، وإن كان ترَكَ، فعوَّض عن الشِّعر بالأعلام (كتابه الشهير)”.
  • كما ذكره الشاعر مدحة عكاش في مجلة الثقافة السورية عام 1977 م قائلاً: “إنه نذر نفسه لوطنه، لآماله، لآلامه، عرف قُدسية الكلمة فعاش في حرابها، وألهَبَ بها الغاصبين والمستعمرين بشواطٍ من نار، بقدر ما ألهبَ المشاعر وأثار العواطِف، وأثَّر في العقول، أحبَّ وطنه بمشاعره وأحاسيسه كلَّها، فكانَ بشعره الشُّعلة المضيئة في درب الحياة”.

كتبه:-

  1. ما رأيت وما سمعت، تحدث فيه عن رحلته الأولى من دمشق إلى فلسطين، فمصر، فالحجاز.
  2. ماجدولين والشاعر، وهي قصة شعرية صغيرة.
  3. الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ.
  4. شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز.
  5. صفحة مجهولة من تاريخ سورية في العهد الفيصلي.
  6. الأعلام، هو خير كتاب أُلِّفَ في بابه، بل هو خير ما كَتَبَ كاتب في تراجم الرجال والنساء في هذا العصر.

هذا الكتاب (الأعلام) قد قَطَعَ رحلةً كبيرةً ومديدةَ، زادت على الخمسين عاماً، وقد أتاحت تلك المُدَّة الزَّمنية الكبيرة لمؤلِّفِهِ الإضافة والتوثيق، والتصحيح والتنقيح، كما أتاحت له الاطلاعَ على خزائن الكُتُبِ والمخطوطات المنتشرة في أرجاء المعمورة، فهوَ مشروعُ كبيرٌ وعظيمٌ، لا يتمكَّنُ من معرفة عظمته ومشقَّته إلَّا من كابَدَ عَنَاءَ تأليف مثل تلك الموسوعات.

— إبراهيم سعد الحقيل، قراءة نقدية في كتاب الأعلام للزركلي، 2012 م.

وفاته:-

توفي خير الدين الزركلي في مدينة القاهرة، 3 ذي الحجة، سنة 1396هـ، الموافق 1976م.

اقرأ أكثر حول نظرية الربيعي لجغرافيا الحدث التوراتي

المصادر:

  • الأعلام (8/267)، وقد ترجم المؤلف لنفسه في كتابه هذا.
  • قراءة نقدية في كتاب الأعلام، الحقيل.
  • خير الدين الزركلي، شاعر الوطن، الهيئة العامة السورية للكتاب.
  • https://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=1220&articlecategoryid=15&languageid=2

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى