أعلام

أعلام من التاريخ الإسلامي اشتهرت بالزهد

فيَا عَجَبَا كيفَ يَعصِي الإلهَ ... أمْ كيفَ يجحدهُ الجاحِدُ

الزهد عند الأعلام المسلمين:

الزهد هو انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فالزاهد عرف أن الدنيا زائلة، ووراءها دار أعظم قدراً منها، وهي دار البقاء؛ لذا صرف نفسه عن التعلُّق بالملذَّات الدنيوية الفانية بغية العمل من أجل النعيم المقيم الدائم، وهنالك الكثير من الشخصيات العلمية والأدبية التي اشتُهِرت في الزهد حتى أصبح سمةً بارزةً من سماتها، ومن هذه الشخصيات:

الشخصية الأولى: الزهد عند أبي العتاهية :-

أبو العتاهية هو إسماعيل بن القاسم، الشاعر المشهور، وُلِدِ سنة 130هـ، وتوفي سنة 211هـ، عُرِف بزهده، وكان أبو نُوَاس يُعظِّمه، ويتأدَّب معه؛ لدينه، ويقول: “ما رأيته إلا توهمت أنه سماوي، وأني أرضي”، وجزء كبير من شعره كان في الزهد؛ منه هذه الأبيات:

لَعَمــرُكَ ما الدُنيــا بِــدارِ بَقــاءِ .. كَفــاكَ بِدارِ المَوتِ دارَ فَناءِ

فَلا تَعشَقِ الدُنيـــا أُخَــيَّ فَــإِنَّمــا .. تَــرى عاشِقَ الدُنيا بِجُهدِ بَلاءِ

حَــلاوَتُهــا مَمــزوجَــةٌ بِمَــرارَةٍ .. وَراحَتُهــا مَمزوجَةٌ بِعَناءِ

فَلا تَمـشِ يَومــاً في ثِيابِ مَخيلَــةٍ .. فَإِنَّـكَ مِن طينٍ خُلِقتَ وَماءِ

أبو العتاهية.. أحد أكبر الأعلام في تاريخ الشعر والأدب العربي

ومن ذلك قوله:

إِنَّ الشَّبَـابَ وَالفَـرَاغَ وَالجِـدَةَ … مَفْسَــدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيُّ مَفْسَدَه

حَسْبُــكَ مِمَّــا تَبْتَـغِيـــهِ القُـــوْتُ … مَـــا أَكْثَرَ القُوْتَ لِمَنْ يَمُوْتُ

هِــيَ المَقَــــادِيــرُ فَـلُمْـنِــي أَوْ فَـذَرْ … إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَمَا أَخْطَا القَدَرْ

قال خليل بن أسد النوشجاني: أتى أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أني زنديق، والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا: فقل شيئاً نتحدث به عنك، فقال:

ألا إنَّنَا كُلُّنَا بائدُ.. وأيّ بَني آدَمٍ خالِدُ؟

وبدؤهُمُ كانَ مِنْ ربِّهِمْ.. وكُلٌّ إلى رَبّهِ عائِدُ

فيَا عَجَبَا كيفَ يَعصِي الإلهَ.. أمْ كيفَ يجحدهُ الجاحِدُ

وللهِ فِي كلِّ تحرِيكَةٍ.. وفي كلّ تَسكينَةٍ شاهِدُ

وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ.. تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ

الشخصية الثانية: الخليل بن أحمد الفراهيدي

الخليل بن أحمد الفراهيدي إمام من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وُلِد سنة 100هـ، وتوفي سنة 174هـ، نشأ فقيراً صابراً، مُتمزِّقَ الثياب، مُتقطِّعَ القدمين، مغموراً في الناس لا يُحب الشُّهرة، وكان يُعرَف بالزهد، وكان من الزُّهد في طبقةٍ لا تُدرَك، حتى قيل: إن بعض الملوك طلبه ليُؤدِّب له أولاده، فأتاه الرسول وبين يديه كسرة يابسة يأكلها، فقال له: قل لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه لا حاجة به إليك، ولم يأت الملك، وكان يقول: “إِنِّي لأُغْلِقُ عليَّ بابي، فما يُجاوِزُهُ همِّي”.

الفراهيدي الزاهد
الخليل بن أحمد الفراهيدي.. واضع علم العروض

قال النَّضْر: “أقام الخليل في خُصٍّ -بيت من شجر- له بالبصرة، لا يَقْدِر على فَلْسَين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال”، وقال عنه الذهبي: “كان إماماً كبير القَدْر في لسان العرب، خَيِّراً متواضعاً، فيه زهد وتعفُّف”، وقال أيوب بن المتوكِّل: “كان الخليل إذا أفاد إنساناً شيئاً، لم يُرِهِ بأنَّه أفادَهُ، وإِنِ استفاد من أحدٍ شيئاً، أراهُ بأنَّهُ استفاد منه”.

الشخصية الثالثة: أبو جعفر الترمذي

وهو محمد بن أحمد بن نصر، الفقيه الشافعي ، وُلِدَ سنة 201هـ، وتوفي سنة 295هـ، لم يكن للفقهاء الشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع ولا أكثر تَقلُّلاً، وكان من أهل الزهد في الدنيا، قانعاً باليسير، متعففاً، شديد الورع، صبوراً.

اشتهر الأديب ابن الكيزاني بورعه وصلاحه وزهده
اشتهر الترمذي بفقهه وزهده

كان لا يسأل أحداً شيئاً، وكان من التقلُّل في المطعم على حالةٍ عظيمةٍ فقراً وورعاً وصبراً على الفقر، فقد رُوِيَ أنه أخبر محمد بن موسى بن حمَّاد أنه تقوَّت في سبعة عشر يوماً خمس حبات، أو قال ثلاث حبات، قال: كيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لِفْتاً، فكنت آكل كل يوم واحدة.

الشخصية الرابعة: حاتم الأصم :-

وهو حاتم بن عنوان بن يوسف الأصم، الزاهد الواعظ، توفي سنة 237هـ، عُرِف بالزهد والتقلل، واشتُهِر بالورع والتقشف، وله كلام يدون في الزهد والحكم، قال عنه الذهبي : “له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحِكَم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة”.

قال له رجل: على أي شيء بنيت أمرك؟ قال: على أربع خصال: على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي، وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو، وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين، وقال: لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزْتَ منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز منه.

الأصم.. الزاهد الورع

وقال رجل لحاتم الأصم : بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد، فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد، وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال: وما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكاً لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله وعياله، والأسباب والأرزاق بيد الله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل أرض لله؛ فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة.

وجاء إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال حاتم: رأس الزهد الثقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الخلاص.

المصادر:

  • الأعلام (1/321)، و(2/152)، و(2/314).
  • البداية والنهاية (14/748).
  • سير أعلام النبلاء (7/429/رقم 161)، و(10/195/رقم 43)، و(11/484/رقم 128)، و(13/545/رقم 276).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/321)، و(3/403).
  • نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (6/2218).
  • وفيات الأعيان (1/219/رقم 94)، و(2/26/رقم 148)، و(4/195/رقم 572).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى