معلومات تاريخية

كيف كان نمط الزراعة في منطقة الهلال الخصيب ؟

يعود تاريخ ابتكار المحراث للمرة الأولى إلى سنة (3000) قبل الميلاد

توطئة:

دائماً ما نظر المؤرخون وعلماء الآثار إلى منطقة الهلال الخصيب والشرق الأدنى القديم باعتبارهما مهد الزراعات التي نعرفها اليوم.

في الواقع؛ في ذلك الزمن لم يكن المناخ في المناطق المذكورة كما نعرفه اليوم، بل كان معتدلا يزيِّن منطقة تمتلك تربة خصبة غنية ترويها مياه عذبة قادمة من نهري دجلة والفرات، هذا بالإضافة إلى وجود مجموعة من التلال والجبال التي تحيط بشمال الهلال الخصيب والتي تنعم بوفرة الأمطار.

الهلال الخصيب
سومر سجلت عملية انتقال البشرية من الصيد إلى مرحلة الزراعة والاستقرار

جغرافية منطقة الهلال الخصيب:

تنوعت المحاصيل الزراعية التي كانت تزرع في منطقة الهلال الخصيب ، حيث كانت تشتهر المنطقة بالزراعة الموسمية والمحاصيل الخاصة بها.

ففي السنوات الجيدة؛ كانت الإنتاجية الزراعية تصل لأكثر من مئة ضعف من المعدلات المتوسطة، بينما كان المزارعون يتعرضون إلى خسائر جسيمة في سنوات الجفاف والفيضانات وهي الظواهر التي كانت تأتي على محاصيل الحبوب الموسمية.

منطقة الهلال الخصيب
منطقة الهلال الخصيب المظللة باللون الأحمر

اعتمدت الحضارات القديمة في منطقة الهلال الخصيب على نمطين للحصول على المياه اللازمة للزراعة، أولهما عبر استجرار مياه الفرات ودجلة، إلى المناطق الجافة، وثانيهما من خلال توجه المزارعين نحو السهول الجبلية التي تنال نصيباً أكبر من الأمطار من سواها في كل عام.

وفي هذا الصدد؛ شهدت أساليب الري في مملكة أورارتو الآشورية نهضة كبيرة، إذ كان الأورارتيون أسياد بناء قنوات الري، حتى أن مجموعة من تقنياتهم مازالت مستخدمة إلى اليوم.

في تلك الحضارة؛ كانت الدولة هي من يقوم ببناء السدود والقنوات الرئيسة والتصدي لمهمة صيانتها المستمرة، فيما يقوم المزارعون ببناء القنوات الصغيرة التي تؤدي إلى أراضيهم.

تربة الهلال الخصيب

التربة في منطقة الهلال الخصيب:-

قبل أربعة آلاف عام؛ كانت أرض مناطق الفرات التركية تشبه حالها اليوم، إذ كانت تئن تحت وطأة وتهديد تعرضها للتملُّح.

فمع أن الحضارات البابلية والآشورية قامت على رقعة أرض خصبة؛ غير أن هذه الأراضي كانت عُرضةً للجفاف، التشقق، وفي بعض الأحيان التصلُّب.

وهذه الظواهر؛ كانت تدفع الممالك إلى شن الحروب على غيرها وذلك للحصول على رقعة أرض خصبة تؤمن لها ناتجاً في أوقات الجفاف.

عَرف السومريون (جنوب العراق) أهمية منح الأرض الزراعية فترة راحة، فحرصوا على ترْك الحقول والبساتين التي زُرِعَت ورُوِيَت حتى أربع مرَّات فترة ما دون الزِّراعة لتسعيد نشاطها وعافيتها.

كما كانت أعمال تنظيف مجاري الأنهار والقنوات، بمثابة الشُّغل الشَّاغِل للبابلين القُدامى (وسط العراق)، والتي منحوها أولوية قُصوى، فعكف المزارعون آنذاك على تقسيم الأراضي الزِّراعية إلى مساحات صغيرة، وذلك ليسهُل العمل فيها، واستثمارها على الوجه الاقتصادي الأفضل.

ويعود الفضل في استمرار جني الغِلال والمحاصيل الزِّراعية في جنوب وادي الرَّافدين بالدَّرجة الأولى إلى كفاح الإنسان المرير مع الطبيعة، فطالما دَفَعَ بها قُدُماً نحو الأمام متحديَّاً كل الشُّروط الصَّعبة، ولا سيما في ظل ارتفاع نسبة ملوحة المياه، لذا، فقد عمد المُزارع آنذاك إلى الاعتماد أكثر على زراعة الشَّعير الأكثر قدرة على الصُّمود.

الوضع كان مختلفاً في الشَّمال، أي في بلاد آشور، إذ كانت السَّماء تمطرُ بسخاء قديماً وحتى اليوم، وقد يتساقط الثَّلج بغزارة في بعض شهور الشِّتاء، لذا، فلم يكترث المزارعون كثيراً بوسائل السقاية والرَّي التقنية، ولم يعتمدوا على مياه الأنهار إلا في حالات نادرة جدَّاً، وبذلك لم تُعان الحقول والبساتين من مشكلة الملوحة في التربة لأن الأمطار الغزيرة كانت تقوم بعملية غَسْل وتنظيف كل الترسُّبات، وهو ما ساعد على انتشار زراعة القمح على العكس من المناطق الجنوبية التي اعتمدت على انتاج الشَّعير.

الهلال الخصيب
نقش يعود إلى العام 220 قبل الميلاد

نشأة المحراث:-

يعود تاريخ ابتكار المحراث للمرة الأولى إلى سنة (3000) قبل الميلاد، حيث صنعها السومريون وتباهى ملوك الآشوريين بعد ذلك بإحداث تطوير وتحسين مستمر لهذه الأداة التي ساهمت بنهضة القطاع الزراعي.

أشهر محاصيل منطقة الهلال الخصيب :

أبرز الحبوب التي تم زراعتها في بلاد ما بين النهرين وما حولها كان القمح والشعير بالإضافة إلى محصولي الدُّخن والقمح ثنائي الحبة “الإيمر”، بينما لم تجرِّ زراعة الشوفان في ذلك العصر.

في ممالك آشور وبابل وامتداد بلاد الحثيين؛ اعتمدت الشعوب على الشعير ليكون هو المحصول الرئيسي المأكول، حيث صُنع منه الخبز المسطح.

وفي بيع الشعير وشرائه؛ اُستُعمِلت وحدات الوزن؛ والتي كانت أصغرها تعادل من الغرام الذي نستعمله اليوم نسبة (1/22)، ولم يقتصر استعمال الشعير على الطعام فحسب؛ بل تم منه تصنيع مشروب البيره، في حين كان كتِّان خُبز الطبقة الغنية يُصنع من القمح.

السومريون عرفوا البيره – متحف الميتروبوليتان

ومن المحاصيل الأخرى التي زُرِعت في هذه المنطقة كان السمسم “الاسم الأكادي له سماسامو” والهدف الرئيس من زراعته كان الحصول على الزيت منه، ولكن لم يتفرد السمسم باستخراج الزيت، بل أنه في ممالك الجبال تم استخراج زيت الزيتون.

ومن المحاصيل الأخرى كان الكتان الذي اُستعمل وبكثرة في نسج القماش.

ومن أكثر المحاصيل المفضلة في بلاد ما بين النهرين كانت البازلاء، بينما كان العدس أكثر المحاصيل انتشاراً في ممالك حوض البحر المتوسط وخاصة في فلسطين.

قبل أربعة آلاف عام من الميلاد؛ وجِدت البساتين ولاقت محاصيل الأشجار رواجاً، فكانت بساتين التين، التفاح والفستق تنتشر وبكثرة في هذا الهلال.

وفي الخط الجنوبي من الهلال الخصيب؛ كانت تزرع أشجار النخيل، حيث خزَّن الناس ثمار التمر منها واُستعملت أخشابها في الصناعات اليدوية ولكن لم يجر استخدامها في البناء.

الحصاد قبل التاريخ وتخزين الثمار:

الحصاد منذ الأزل كان عملية صعبة تحتاج إلى جهد وعمالة كثيفة، فمع ضيق الوقت واتساع الأراضي؛ كان لا بد من أن تُنجز عملية حصاد كل المحاصيل قبل بدء موسم الشتاء، فالحصاد في الهلال الخصيب لا يقتصر على عملية قطع الحبوب عن سيقانها بالمنجل وتجميعها فحسب، بل يجري بعد ذلك أيضاً تجفيفها في الأكواخ، ثم ترك الحيوانات تدوس عليها بحوافرها لتنفصل الحبوب عن قشورها.

الحصاد في الهلال الخصيب
مجسم لكبش سومري – الميتروبوليتان

بعد ذلك؛ كان لا بد من تخزين الحبوب في مخازنها المحددة في مواضع معينة من البلاد، أو أن يتم نقلها وتصديرها لأغراض الاتجار بها.

ولحماية هذه المحاصيل؛ فقد استعمل الآشوريون والبابليون القطط وحيوان النمس لأغراض القضاء على الفئران في الحقول.

أصحاب أول تقويم زراعي:-

أولُّ تقويم زراعي يعودُّ لنحو 3600 عاماً من الآن، حيث عثرت بعثة تنقيب أميركية في خرائب المدينة السومرية القديمة “نفر” على لوحٍ أو منقوش مسماري صغير يكشف النقاب عن 108 سطور تتضمن نصائح وإرشادات زراعية يوجهها أبٌ سومري لابنه.

ويضع المزارع لابنه خارطة طريق ترشده إلى مسار الزراعة الناجحة والنجاعة والمثمرة تبعاً للفصول.

وتظهر النصائح تحديده فترة ريّ الحقول بالمياه بين شهريّ أيار مايو ويونيو حزيران.

وتقع أطلال مدينة نفر المذكورة في منطقة الفرات الأوسط التابعة لمحافظة القادسية العراقية، والتي يزرع فيها اليوم الحنطة والأرز والشعير والتمور.

العراق القديم شهد ولادة أقدم المواقع الزراعية

نصائح:-

ثم يكشف النص التاريخي عن تحديد الوالد فترة عملية تنقية وتذرية الحاصل المحصور في شهريّ نيسان أبريل ومايو أيار من العام التالي، وذلك بحسب ما أورده العالم الأثري الأميركي المعروف صمويل كريمر في كتابه “من ألواح سومر”.

ويُظهرُّ النص الأثري مجموعة من الارشادات الكفيلة بضمان تحقيق المحصول الوافر، فتبدأ النصائح بأعمال الريِّ وضرورة الحيلولة دون ارتفاع الماء بشكل مبالغٍ فيه فوق الحقل، والمحافظة على الأرض المسقية من دوّسِ البقرِّ بعد فيضان المياه.

ويتعرّضُ النص إلى نقاطٍ عدة من بينها ضرورة تهيئة الفلاح بشكلٍ مبكّر، جميع أفراد أسرته ومساعديه لتحضيرِّ الآلات والأدوات الضرورية والسلال والأوعية، ونصح كاتب النصِّ بضرورة توفّر ثورٍّ إضافي للمحراث، ثم قبلَ بدء عملية الحرث ينبغي على الفلاح أن يعزق الأرضَ بالفأس مرة وبالرفش مرّة ثانية.

تاريخ طويل:-

من الجدير ذكره أن مدينة نفر كانت تعتبر بمثابة المركز والعاصمة الدينية، لكل من السومريين ومن بعدهم البابليين، ذلك لأنها تضم مقر الإله أنليل وزوجته نينليل، وفقا لقناعات الشعبين المذكورين.

أطلال من مدينة نفر

هذا وقد شهدت المنطقة تعاقب البعثات الأثرية الغربية التي ترمي لكشف المزيد من المعلومات التي تعطينا صورة أشمل عن طبيعة هذه المدينة.

المادة 53 : إذا أهمل رجل دعْمَ السَّد في حقله، وحدث أن انهار السَّد نتيجة إهماله، وغرقت الأراضي المزروعة؛ فعلى عاتق هذا الرَّجُلِ يقع تعويض الحبوب التي تلفت بسببه.

المادة 54 : فإذا كان عاجزاً عن تعويض ما تلِفَ من الحبوب؛ يُباع هو وأملاكه لقاء فِضَّة، ويتقاسم المتضررون الفِضَّة فيما بينهم تعويضاً عن خسارتهم في الحبوب التي أتلفها الفيضان.

المادة 55: إذا فَتَحَ رجلٌ حاجز قناته وأغرقت مياه القناة حقل جاره لقلَّة انتباهه؛ فعلى هذا الرجل أن يعوَّضَ جاره كمية الحبوب التي تنتجها أرضه.

المادة 56 : إذا ترَكَ رجلٌ المياه تجري في حقله فسبَّب خراب أرض جاره؛ فعليه أن يدفع لجاره 10 كور من الحبوب لكل ستة هكتارات ونصف.

تشريعات حمورابي المنظمة للنشاط الزراعي

المصادر:-

من ألواح سومر، صمويل كريمر.

حمورابي البابلي وعصره، هورست كلينكل، تعريب محمد وحيد خياطه.

https://www.ancient.eu/article/9/agriculture-in-the-fertile-crescent/

https://www.quora.com/How-did-Sumerians-grow-their-crops

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP122510.jpg

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP-15621-022.jpg

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP222641.jpg

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى