معلومات تاريخية

الزرادشتية .. الديانة التوحيدية الأقدم

الزرادشتية – توطئة:-

الزرادشتية هي ديانة فارسية قديمة نشأت قبل 4000 عام، ويمكن القول: إنها أول ديانة توحيدية على المستوى العالمي، وهي واحدة من أقدم الديانات التي مازالت باقية حتى اليوم.

 كانت الزرادشتية هي الديانة الرسمية للدولة الفارسية  حتى الفتح الإسلامي لبلاد فارس في القرن السابع الميلادي، وبعدها هرب اللاجئون الزرادشتيون – يُطلق عليهم البارسيون – إلى الهند.

 واليوم ، يُقَدر أتباع الزرادشتية بين مئة ومئتي ألف تابع حول العالم، وتمارس اليوم كديانة للأقلية في أنحاء من إيران والهند.

زرادشت:-

يُعتبر زرادشت مؤسس الزرادشتية أول ديانة توحيدية في العالم. تأتي المعلومات التي نعرفها عن زرادشت من الأفيستا – وهي مجموعة من التعاليم الزرادشتية – ، ولا يُعرف على وجه التحديد المكان الذي عاش فيه زرادشت.

 ويعتقد بعض العلماء أنه كان معاصراً لكورش الكبير ملك الإمبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد، وبالرغم من ذلك، فإن معظم الأدلة اللغوية والأثرية تشير إلى تاريخ سابق – في وقت ما بين 1500 و 1200 قبل الميلاد.

ويُعتَقَد أن زرادشت وُلِد في شمال جنوب إيران الحالية أو في جنوب غرب أفغانستان. وربما يكون قد نشأ في قبيلة تتبع دبانة قديمة تؤمن بتعدد الآلهة، وهي على الأرجح شبيهة بالديانة الهندوسية.

وفقاً للتقاليد الزرادشتية؛ فإن زرادشت بدأ بتلقي الوحي الإلهي عندما كان في الثلاثين من عمره، وبعدها بدأ بتعليم الناس عبادة إله واحد اسمه ” أهورامازدا”.

في تسعينيات القرن الماضي، اكتشف علماء الآثار الروس في موقع أثري في تركمستان بقايا لما اعتقدوا أنه معبد زرادشتي يعود تاريخه إلى الألفية الثانية قبل الميلاد ، مما يجعله أقدم موقع معروف مرتبط بالزرادشتية.

الديانة الزرادشتية والإمبراطورية الفارسية:-

تجسَّدت الديانة الزرادشتية في واحدة من أكبر إمبراطوريات العالم القديم وهي الإمبراطورية الفارسية العظيمة، وكانت هي الديانة الرسمية للدولة لثلاث سلالات فارسية كبيرة.

كان كورش الكبير – مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية – زرادشتياً متديناً، وكان حاكماً متسامحاً – حسب معظم الروايات – سمح لرعاياه غير الإيرانيين بممارسة شعائرهم الدينية المختلفة، كما كان يحكم بمبدأ “الحق والعدل” من الزرادشتية لكنه لم يفرضها على شعبه.

انتشرت تعاليم الزرادشتية في آسيا عبر “طريق الحرير” وهو شبكة من الطرق التجارية تمتد من الصين إلى الشرق الأوسط وأوروبا.

ويعتقد بعض العلماء أن الزرادشتية ساهمت في تشكيل الديانات الإبراهيمية الأساسية – بما في ذلك اليهودية والمسيحية والإسلام- من خلال تأثير الإمبراطورية الفارسية.

يضم المعتقد الزرادشتي أفكاراً مثل: الإله الواحد، والجنة والنار، ويوم الدينونة، وهي الأفكار التي قُدِمت للمجتمع اليهودي لأول مرة في بابل ، عندما كان الناس من مملكة يهوذا يعيشون هناك في الأسر والسبي لعقود طويلة.

وعندما وقعت بابل في قبضة كورش الكبير عام 539 ق.م، قام بإطلاق سراح اليهود الذين عاد كثير منهم إلى القدس.

وعلى مدى آلاف السنين التالية، هيمنت الزرادشتية على اثنتين من السلالات الفارسية الكبيرة  – الإمبراطورية الفرثية والإمبراطورية الساسانية – حتى الفتح الإسلامي لبلاد فارس في القرن السابع الميلادي.

الفتح الإسلامي:-

أدى الفتح الإسلامي لبلاد فارس بين عامي (633 – 651 م) إلى سقوط الإمبراطورية الفارسية الساسانية وتراجع الديانة الزرادشتية في إيران، حيث فُرِضت الجزية والقوانين الجديدة ، ومع الوقت تحول معظم الزرادشتيين الإيرانيين إلى اعتناق الدين الإسلامي.

الدين البارسي:-

البارسيون هم أتباع الديانة الزرادشتية في الهند، وهم الزرادشتيون الإيرانيون الذين هاجروا من بلاد فارس بعد الفتح الإسلامي. ويتكهن الخبراء بأنهم أبحروا عبر بحر العرب ليستقروا في ولاية كجرات شمال غرب الهند في الفترة بين عامي 785 – 936 م.

يشكِّل اليوم البارسيون أقلية عرقية في الهند وباكستان وهم حوالي 60.000 شخص في الهند، و 1400 شخص في باكستان.

الرموز الزرادشتية:-

فاراڤاهار هو رمز قديم للديانة الزرادشتية ، وهو عبارة عن رجل على شكل طائر ويمد يد واحدة إلى الأمام، وهو يقف فوق زوج من الأجنحة تمتد من دائرة تمثل الخلود.

النار رمز مهم آخر من رموز الزرادشتية، حيث تمثل النور والدفء ، كما ينظر بعض الزرادشتيين إلى شجرة السرو دائمة الخضرة كرمز للحياة الأبدية.

معتقدات الزرادشتية:-

تُمثل النار – وكذلك الماء – في العقيدة الزرادشتية رموزاً للنقاء، ويطلق على أماكن العبادة أحياناً “معابد النار”، ويحتوي كل معبد على مذبح له شعلة تحترق باستمرار ولا تنطفئ أبداً.

تقول الأسطورة : إن هناك ثلاثة معابد نار قديمة أنشأها الإله الزرادشتي أهورامازدا في أول الزمان. بحث علماء الآثار عن هذه المعابد، ولم يجدوا دليلاً على وجودها في الحقيقة.

كان الزرادشتيون يدفنون موتاهم “دفناً سماوياً” ، وكانوا يبنون أبراجاً دائرية مسطحة القمة تُعرف بالدخمات أو أبراج الصمت، وهناك كانت الجثث تتعرض للعوامل الجوية والنسور الجارحة حتى لا يتبقى منها إلا العظام النظيفة التي تُجمع بعد ذلك وتوضع في هوة مرصوفة ببلاطات حجرية.

حُظِر بناء الدخمات في إيران منذ سبعينيات القرن العشرين، واليوم يدفن الزرادشتيون موتاهم تحت ألواح خرسانية ، ومع ذلك فإن بعض البارسيون في الهند مازالوا يمارسون الدفن السماوي، ومازالت الدخمات موجودة بالقرب من مومباي بالهند على سبيل المثال.

هكذا تكلم زرادشت:-

عرف العديد من الأوروبيين الزرادشتية ومؤسسها زرادشت من الرواية المكتوبة في القرن التاسع ” هكذا تكلم زرادشت” للفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشة”.

في الكتاب يتتبع نيتشه رحلات زرادشت، وهو ما دفع البعض لوصف الكتاب بأنه “كتاب ساخر” ، حيث كان معروفاً عن نيتشه أنه ملحد.

الزرادشتية في الثقافة الغربية:-

كان الموسيقي البريطاني فريدي ميركوري المغني الرئيسي في فرقة الروك “كوين” من أصول بارسية وكان يعتنق الزرادشتية. مات ميركوري بمضاعفات مرض الإيدز في عام 1991 م، وقام كاهن زرادشتي بتشييع جنازته في لندن.

سُميت شركة السيارات اليابانية “مازدا” بهذا الاسم تيمناً بالإله الزرادشتي “أهورا مازدا” ، حيث أملت الشركة أن الارتباط مع “إله النور” سيؤدي إلى “إضاءة” صورة سياراتها الأولى.

قام الروائي الأمريكي جورج ر. ر. مارتن – كاتب سلسلة روايات أغنية من ثلج ونار، والتي قامت قناة HBO باقتباسها في مسلسلها صراع العروش – بتطوير أسطورة أزور أهاي اقتباساً من الزرادشتية.

في الأسطورة؛ يقوم أزور أهاي – وهو محارب ونصف إله- بالانتصار على الظلام بمساعدة الإله راهلور – إله النار – الذي قدمه الكاتب اقتباساً من الإله أهورا مازدا.

تعرف على تيامات .. أم كل الآلهة في بلاد ما بين النهرين

المصادر:-

https://www.history.com/topics/religion/zoroastrianism

https://www.ancient.eu/image/11613/faravahar-yazd/

https://images.metmuseum.org/CRDImages/an/original/DP-452-001.jpg

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى