أعلام

الرصافي البلنسي .. الرئيس في الأدب وأحد فحول الشعر

غلب على شعره الحنين إلى الماضي؛ لأنه كان قد خرج صغيراً من بَلَنْسِيَة موطنه الذي وُلِد فيه

اسمه ونشأته:-

الرصافي البلنسي هو محمد بن غالب، أبو عبد الله الرَّفَّاءُ الأندلسيُّ الرُّصافيُّ البَلَنْسِيُّ، نسبةً إلى رُصافة بَلَنْسِيَةَ في الأندلس والتي وُلِد فيها، ولم تذكر الكتب التي اطلعت عليها سنةً لميلاده، وكأن المترجمين لم يجدوا تاريخاً لولادة هذا الشاعر.

ورصافة بلنسية هي عبارة عن بساتين وحدائق زاهية كان يتوسطها قصر وتتخللها المياه الجارية، وقد عُدَّت من أبدع المواضع في بلنسية، وقد أنشأها عبد الرحمن الداخل سنة 208 هجرية.

ولذلك، فقد كان لهذه البيئة الساحرة، دوراً بارزاً في تغذية روح وإحساس الشاعر المرهف، والذي تشبَّع نظره من مواطن الطبيعة الساحرة، ليجيد ويجود قلمه في إبرازها في شعره.

مكانة الرصافي الشعرية:-

كان الرصافي فحلاً من فحول الشعراء، ورئيساً في الأدب، ذا سمتٍ وعقلٍ، وكان شاعر زمانه، شعره مدوَّنٌ ينافس فيه، وشعره لا نهاية فوقه، وفيه حلاوة وطلاوة، وتمكُّن ألفاظ، وتأصُّل معنى، وقد خرج صغيراً من وطنه فكان يكثر الحنين إليه ويُقْصِر أكثر منظومه عليه.

لم يتزوَّج الرصافي وهو متعفِّفٌ، سكن غرناطة مدةً ثم مالقة التي بدأ يتلقى فيها شيئاً من فنون العلم والأدب، وقد تفتَّحت مواهبه الشعرية باكراً، وانصرف إلى التكسُّب بالرَّفو بدلاً من التكسُّب من الشعر.

مكانة البلنسي الشعرية:-

ومما يدل على علم الرصافي وثقافته أن سلطان الموحدين عبد المؤمن بن علي جاء إلى الأندلس سنة 555 هـ، ثم استدعى الشعراء فوفدوا عليه، وألقى بين يديه الرصافي قصيدة مؤلفة من ثلاثة وستين بيتاً نالت استحسان الجميع؛ حيث كثرت فيها الإشارات التاريخية، وكانت صحيحة البناء، تفيض بالروح الديني، وقد أغفلت المصادر والمراجع الحديث عن نشأته العلمية وعن ثقافته، ولا نجد في هذا السياق إلا مثل هذه الإشارات اليسيرة.

كان الرُّصافي شاعراً كبيراً مشهوراً في عصره، وكان يُطيل أحياناً ويجيد في المقطَّعات وفي القصائد، وكان من الذين يُنقِّحون شعرهم ويُجوِّدونه ويتكلَّفون فيه أحياناً، فقد كان في شعره رِقَّةٌ وعذوبةٌ، وكان يُشبَّة بابن الرومي في الغوص عن المعاني وفي توليد بعضها من بعضٍ.

مدينة بلنسية في العام 1860 م – مكتبة الكونغرس

موضوعات شعر الرصافي :-

الوصف: كثُرَ الوصف في شعره، وخاصة وصف الطبيعة ووصف الحياة الدنيا، فقد وصف التفاحة، والجبل، وصبياً يتباكى، والقلم، والمحارب، والنائم، ومن هذا وصفه لجماعة مسافرين قد أنهكهم السفر، فأخذوا يترنحون على الجمال من النعاس كأنهم سكارى:

وَمُجِدِّينَ للسُّــــــرَى قـــد تَعاطَــوْا … غفواتِ الكــرَى بغيرِ كؤوسِ

جَنَحُوا وانثَنَــوْا على العِيْــسِ حتَّى … خلتهمْ يلثمـــونَ أيديْ العيسِ

نَبَذُوا الغُمْـــضَ وَهْوَ حُــلْوٌ إلى أنْ … وَجَدُوْهُ سُــلافَةً في الرُّؤوسِ

المدح: ومن أشهر مدح الرصافي ما قاله في الخليفة عبد المؤمن بن عليٍّ عندما نزل بجبل الفتح عند إجازته إلى الأندلس، وقد كان عمر الشاعر يومها عشرين سنة:

لو جئتَ نارَ الهُدى من جانبِ الطُّــوْرِ … قبستَ ما شئتَ منْ علمٍ ومـن نورِ

نــورٌ طوَى اللهُ زَنْدَ الكــونِ منه علــى … سقطٍ إِلى زمــنِ المهديِّ مذخـور

يـــــا دارُ دارَ أميرِ المؤمنينَ بسفْـ … ـحِ الطودِ، طودِ الهدَى، بورِكتِ في الدورِ

الرثاء:

رثا غريقاً، ورثا شخصاً اسمه يوسف وآخر اسمه عبد الله، ومن أجمل مرثياته ما قاله في رثاء أبي محمد عبد الله بن أبي العباس المالقي:

أبني البلاغـــــةِ فيمَ حفــلُ النــــادي … هَبْهَا عُكـــاظَ فأينَ قسُّ إِيادِ؟

حســــبُ الزمانِ عليكَ ثكلاَّ أنْ يــــرى … مِنْ طولِ ليلٍ في قميصِ حِدادِ

بأبي وقد ســــاروا بنعشكَ صــارمٌ … كَثُرَتْ حَمائِلُهُ علـى الأكْتَــــاد

أَمَّـــا الدموعُ فهُنَّ أَضْعَـــفُ ناصــرٍ … لكنهــــنَّ كثيـــرةُ الأعــــداد

الغزل: نوَّع في ديوان بين الغزل المذكر والغزل المؤَّنث، وقد كان شاعرنا صادقاً في التعبير وفي الأحاسيس، فكله رِقَّةٌ وعذوبةٌ، ونجده يتغنى بالحبيب ويصف لحظاتٍ لا تُنسى بقربه، فيقول:

في ليلــــة سَدِكَتْ بالأَرْضِ فَحْمَتُها … والجوُّ أزرقُ وقَّادُ المصابيحِ

ودَّعْتُــــهُ وكــــــلانا واضــــعٌ يــــدَهُ … على حَشَاً بِسَمومِ الشوقِ ملفوحِ

ماطِبْتُ بالعيــشِ نفساً بَعْــدَ فُرْقَتها … والعيشُ مابين مَذْمُومٍ وَمَمْدُوحِ

الهجاء: قلَّ الهجاء في ديوان الرصافي البَلَنْسي، فقد هجا السُّهيلي صاحب كتاب «الروض الأُنُف»، فقال:

عفـــا اللـــــه عنِّي فإنِّـــــي امــــرؤٌ … أتيْتُ السَّلامةَ من بابها

علـــى أنَّ عنـــدي لمـــن هاجنـــــــي … كنائنَ غصَّتْ بنُشَّابها

ولو كــنتُ أرمــي بها مسلمـــــــــاً … لكان السُّهيليُّ أَوْلَى بها

الحنين: يغلب على شعر الرُّصافي الحنين إلى الوطن وإلى الماضي؛ لأنه كان قد خرج صغيراً من بَلَنْسِيَة موطنه الذي وُلِد فيه، فكان يُكثِر الحنين إليه، ومن ذلك ما قاله وهو يتشوَّق إلى بَلَنْسِيَةَ ويحنُّ إليها، وكان قد خرج منها صغيراً:

تغير معالم بلنسية بعد خروج المسلمين منها ( الصورة تعود للعام 1860 م) – الرصافي

خَليلَيَّ ما لِلبيدِ قَـد عَبَقَت نَشـــــرا؟ … وَما لِرُؤوسِ الرَّكبِ قَد رُنِّحَت سُكرا؟

هَلِ المِسكُ مَفتوقاً بِمَدرَجَةِ الصَّــبــا … أَمِ القَومُ أَجرَوا مِن بَلَنْسِيَةٍ ذِكرا؟

خَليلَـــيَّ عُوجـــا بي عَلَيهـــا فَإِنَّــهُ … حَديثٌ كَبَردِ الماءِ في الكَبِدِ الحَرَّى

بِلادي الَّتـي ريشَــت قُوَيديمتي بِها … فُرَيخاً وَآوَتني قَرارَتُها وَكْرا

أَكُلُّ مَكـــانٍ كانَ في الأَرضِ مَسقَطاً … لِرَأسِ الفَتى يَهواهُ ما عاشَ مُضطَرَّا؟

ما قيل في البلنسي:-

  • قال عنّه ابن الآبار: “خَرَجَ من وطنه صغيراً، فكانَ كثير الحنين إليه، ويُقصر أكثر منظومه عليه”.
  • وزاد ابن الآبار في وصفه ” هو شاعر وقته المعترف له بالإجادة، وكان من الرِّقة سلاسة الطبع وتنقيح القريض وتجويده على طريقة متحدة”.
  • قال عنه محمد بن محمد المالقي صاحب كتاب “أدباء مالقة” : “فحل الشعراء ورئيس الأدباء”.
  • وصفه المؤرخ عبد الواحد المراكشي (المتوفى سنة 647 هجرية) قائلاً: ” وهو من مجيدي شعراء عصره، لاسيما في المقاطع كالخمسة أبيات فما دونها”.
  • بدوره؛ قال المؤرخ محمد بن عبد الملك المراكشي عن البلنسي: ” كان شاعراً مجيداً، رقيق الغزل، سلس الطبع، بارع التشبيهات، بديع الاستعارات، نبيل المقاصد والأغراض”.
  • أمَّا المؤرخ والأديب ابن الخطيب؛ فقال عنه: “وشعره لا نهاية فوقه، رونقاً ومائية، حلاوة وطلاوة، ورقة وديباجة، وتمكُن ألفاظ، وتأصل معنى”.
  • أطلق عليه الأديب والمؤرخ أحمد المقري المتوفى سنة 986 هجرية: ” ابن رومي الأندلس”.
  • أما المؤرخ والناقد المعروف المرحوم إحسان عبَّاس؛ فيقول عنه: “إن الرصافي يقف في مصاف البارعين من شعراء الأندلس”.

                  

الظروف المحيطة بالشَّاعر:-

  • تأثر البلنسي بالأوضاع السياسية المتقلبة في نهاية عصر المرابطين، خصوصاً بفعل الخلافات الحادة التي السلطة بين أمراء المرابطين ومن ذلك خروج ابن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين على عمه علي بن يوسف بن تاشفين.
  • دخول البلاد في دوامة مرحلة ثانية من حكام الطوائف.
  • في مرحلة لاحقة؛ سيطر الموحدون على البلاد ومنها بلنسية ومرسيه وشاطبه وسواها، وهو الأمر الذي رحب به الشَّاعر وانعكس جلياً على أشعاره، حيث رأى في الحكَّام الجُدُد الملاذ لإنقاذ الأمة من الضياع والتفرَّق الذي ساد الأندلس.
  • كان لفقدان ديوانه الشعري، أثر كبير في إهمال دراسته، وقد ساهم الدكتور إحسان عباس في جمع شعره من المضان المتوفرة له، وقد طبعه مرتين في عامي 1960 و 1983 م حيث زاد عدد القصائد والمقطوعات في الطبعة الثانية عن الأولى.
الأديب إحسان عباس من أبرز نقاد الأدب العربي في القرن العشرين، كان غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة، حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة والأدب...

وفاة الرصافي البلنسي:-

توفي الرُّصافي بمالقة في شهر رمضان سنة 572هـ.

اقرأ أيضاً: بيمارستان أرغون .. العظيم الذي لا نظير له

المصادر:

الإحاطة في أخبار غرناطة (3/507).

تاريخ الأدب العربي (5/430-431).

ديوان الرصافي البلنسي،

شعر الرصافي الرفاء البلنسي، دراسة موضوعية فنية، خالد الفراجي، بغداد.

الوافي بالوفيات (4/218/رقم 1854).

https://cdn.loc.gov/service/pnp/cph/3c00000/3c08000/3c08700/3c08717v.jpg

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق