أعلام

ابن جبير الأندلسي .. الأديب الرحالة

من شعره: تَأَنَّ فِي الأَمْرِ لاَ تَكُنْ عَجِلاً فَمَنْ تَأَنَّى أَصَابَ أَوْ كَادَا

ابن جبير الأندلسي :-

محمد بن أحمد بن جبير، أبو الحسين الكِنانيُّ البَلَنْسِيُّ الشَّاطِبِيُّ، وُلِد الرحالة الأديب ابن جبير الأندلسي في بَلَنْسِيَة الأندلسية يوم السبت، 10 ربيع الأول، سنة 540هـ.

ابن جبير الأندلسي ومكانته العلمية:-

سمع ابن جبير الأندلسي من أبيه بشاطبة، ومن علي بن أبي العَيْش المقرئ وأخذ عنه القراءات، وأجاز له أبو الوليد بن الدَّبَّاغ ومحمد بن عبد الله التميمي، وحج وحدَّث في طريقه.
نزل غرناطة مدة، ثم زهد وأُولِعَ بالترحال والتنقل، فزار المشرق ثلاث مرات إحداها سنة 5878-581هـ، وهي التي ألَّف فيها كتابه «رحلة ابن جبير» ومات بالإسكندرية في رحلته الثالثة.

برع ابن جبير في الأدب ونظَّم الشعر الرقيق، ومن شعره هذه الأبيات:

تَأَنَّ فِــي الأَمْــرِ لاَ تَـكُــنْ عَـــجِـــلاً .. فَمَــنْ تَأَنَّى أَصَـــــابَ أَوْ كَادَا

وَكُــنْ بِحَبْـــلِ الإِلَـــهِ مُعْتَصِـــمــاً .. تَأْمَـــنُ مِنْ بَغْيِ كَيْدِ مَنْ كَادَا

فَكَـــمْ رَجَـــاهُ فَنَـــــالَ بُغْيَتَــــــهُ .. عَبْـــدٌ مُسِيْءٌ لِنَفْسِـــــهِ كَادَا

وَمَنْ تَطُـلْ صُحْبَةُ الزَّمَــــانِ لَــــهُ .. يَلْـــقَ خُطُـــــــوْباً بِــهِ وَأَنْكَادَا

ومن شعره قوله، وقد دخل الرحالة ابن جبير الأندلسي إلى بغداد فاقتطع غصناً نضيراً من أحد بساتينها فذوى في يده:

لا تــغـتــــــربْ عَـــْن وطــــــنٍ .. واذكــــرْ تصـــــــاريفَ النَّـوى

أمـــــا تَــــــــرى الغُــصــــــنَ إذا .. مـــــــا فـــــــارقَ الأَصـلَ ذَوى

رحلة ابن جبير الأندلسي:-

كان الهدف من رحلة ابن جبير هو زيارة البقاع المقدسة، بالإضافة إلى الاطلاع وحب المعرفة، وقد تمت الرحلة على عدة مراحل.

  • الرحلة الأولى:- توجَّه ابن جبير الأندلسي من غرناطة إلى مكة المكرمة للحج سنة 578هـ، مرَّ خلالها بسَبْتَه، وسردينيا، ثم مصر، وعبر البحر الأحمر متوجهاً إلى مدينة جدة ومنها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم الكوفة وبغداد وسامرَّاء والموصل، ثم حلب ودمشق، وعاد من هذه الرحلة إلى غرناطة سنة 581هـ، وقد تعرف في هذه الرحلة على المشرق الذي كان قد ازدهر أيام صلاح الدين الأيوبي، وقد عبَّر ابن جبير عن ذلك في كتاباته.
  • الرحلة الثانية:- كانت هذه الرحلة سنة 585هـ، توجه فيها إلى بيت المقدس بعد أن بلغه خبر فتحه من قِبَلِ صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ، واستمرت هذه الرحلة عامين.
  • الرحلة الثالثة:- انطلقت هذه الرحلة سنة 601هـ من مدينة سَبْتَة بعد أن حزن على وفاة زوجته، تنقَّل فيها بين بيت المقدس، والإسكندرية، ومكة المكرمة، منشغلاً بالتدريس والأدب، إلى أن توفي ابن جبير بالإسكندرية.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال ابن الأبَّار: “عُنِيَ بالآداب فبلغ فيها الغاية، وتقدم في صناعة النظم والنثر ونال بذلك دنيا عريضة، ثم زهد ورحل مرتين إلى المشرق، وفي الثالثة توفي بالإسكندرية في شعبان”.
  • قال عنه لسان الدين الخطيب: “إنه من علماء الأندلس بالفقه والحديث والمشاركة في الآداب، وله الرحلة المشهورة”.

كتب الرحالة ابن جبير الأندلسي:-

  1. رحلة ابن جبير: قيل إنه لم يصنفه، وإنما قيَّد معاني ما تضمنته، فتولى ترتيبها بعض الآخذين عنه.
  2. نظم الجمان في التشكي من إخوان الزمان: وهو ديوان شعره، على قدر ديوان أبي تمام.
  3. نتيجة وَجْدِ الجوانح في تأبين القرن الصالح: كتاب فيه مجموع ما رثى به زوجته “أم المجد”.

ابن جبير الأندلسي .. أسلوبه ومصادره:-

  • يمتاز كتابه الجغرافي بسلاسة التعبير والمرونة، الأمر الذي أمكنه من احتلال مكانة مرموقة في أوساط المعنيين والمهتمين بالوصوفات الجغرافية خلال العصور الوسطى.
  • بفضل خلفيته التعليمية؛ تمكن من طرح تفاصيل رحلته بأسلوب رفيع المستوى، جمع فيه فنون الأدب والجغرافيا والتاريخ بشكل متوافق.
  • هو شخصية ذات عاطفة دينية جياشة، ومشاعره الإسلامية تبرز بشكل جلي في كتاباته، على غير  شاكلة الإدريسي الذي قد لا تجد ذلك في كتاباته، وقد يكون ذلك بسبب ارتباط الأخير بملك صقلية.
  • تعبيراته الإسلامية صريحة حيال عدائه للصليبيين، حيث تزامنت رحلته أو رحلاته في فترة اندلعت فيها الحروب بين المسلمين والغزاة الصليبيين.
  • قُوة عاطفته الدينية؛ جعلته يختم كل كلامٍ بالدُّعاء إلى الله تعالى والتَّوكُل عليه، وهي ذاتِ العاطفة التي جعلته يدعو للمُدن المسلمة التي زارها وقصدها، فهو يقول مثلاً عن مدينة ما: “يحرسها الله”، وعن غيرها “حَماها الله”، وعن ثالثة “عمرها الله”، في حين كان يقول لدى خروجه من حدود مدينة تخضع لسيطرة الصليبيين : “دمرها الله”.
  • كان شديد التعلُّق بالناصر صلاح الدين الأيوبي، ويُجلّه ويرفع من مكانته وقدره، فكان يكرر مآثر هذا السلطان الذي هزم الفرنجة في معركة حطين.
  • اعتمد في الأساس على المشاهدة الذاتية والملاحظة في تقصي الحقائق وتدوينها، إذ تمتع بقدرة فذَّة على ملاحظة كل ما كانت تقع عليه عينيه وإيراده، خصوصاً ما كان يجده أمراً جديداً أو غير مطروق من قبل.
واصفاً المسجد الأموي

وتعليم الصبيان في هذه البلاد الشَّرقيَّة كلَّها إنَّمَا هوَ تلقين، ويُعلِّمون الخَطَّ في الأشعار وغيرها؛ تنزيهاً لكتاب الله عزَّ وَجَل عن ابتذالِ الصِّبيان له بالإثبات والمَحْو، وقد يكونُ في أكثر البلاد الملقِّن على حِدَة، والمُكَتِّب على حِدَة، فينفصِلُ من التلقين التكتيب، لهُم في ذلك سيرة حسنة، ولذلك ما يتأتَّى لهم حُسْن الخَطّ؛ لأنَّ المُعلِّم له لا يشتغلُ بغيرهِ، فهو يستفرِغُ جهدَهُ في التعليم، والصَّبي في التَعلُّم كذلك، ويسهُل عليهِ لأنَّهُ بتصوير يحذو حذوه.

— ابن جبير يصِف طريقة تعليم الصِّبيان في دمشق.

  • كان يسأل معاصريه عن أمور لم يستطع أن يفهمها، كما كان يورِد بعض الإشارات إلى كتب قرأها لتساعده على وصف الموقع الذي يحل فيه.
  • لا ينقل عن سابقيه من الرَّحالة أو الجغرافيين، أو يقدم نصوصاً لهم، بل إنه حرص على طَرح رؤيته الشخصية الخاصة به.
  • ذكره لمظاهر النشاط الاقتصادية لعدد من المدن التي قَصَدَها في رحلاته، من قَبيل حديثه عن بعض الحِرف التي تشتهر بها دمشق مثل صِناعات الألبسة والنحاسيات، كما كان يفرِّق ما بين المُزدهر من المُدن والكاسد، فقد وَصَفَ أسواق حمص بكونها تعاني من الكساد في عهده، ورَبَطَ ذلك بقُربها من أحد المعاقل الصليبية، الأمر الذي جعلها عرضة للهجوم الصليبي.
  • تعرضه للخارطة المذهبية والعقائدية في البلاد التي قصدها.

ابن جبير ووصفه لبعض المواقع والمدن:-

  • مكة المكرمة: يقول ابن جبير: “شرَّفها الله، كلها مشهد كريم، كفاها شرفاً ما خصَّها الله به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل إبراهيم…فبرهان ذلك ظاهرٌ مُتصلٌ إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوي إليها من الأصقاع النائية والأقطار الشاحِطة، فالطريقُ إليها مُلتقى الصادر والوارِد ممن بلغتهُ الدعوةُ المباركة، والثَّمرات تُجبى إليها من كُل مكان، فهي أكثر البلاد نِعَماً وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.

“ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسِم؛ ففيه مجتمعُ أهل المَشرِق والمَغرب، فيباعُ فيها في يوم واحد، فضلاً عمَّا يتبعه، من الذَّخائر النفيسةِ كالجواهِر، والياقوت، وسَائر الأحجار، ومن أنواع الطيب: كالمِسك، والكافور، والعَنبر والعود، والعقاقير الهندية، إلى غير ذلكَ من جَلب الهِند والحَبشة، إلى الأمتعةِ العراقية واليمانية، إلى غير ذلك من السِّلع الخُراسانية، والبضَائع المغربية، إلى ما لا ينحصِرُ ولا ينضبط، ما لو فُرِّق على البلاد كلها لأقام لها الأسواقَ النافقة ولَعَمَّ جميعها بالمنفعة التجارية”.

  • الإسكندرية: .. عاينتُ فيها أيضاً من سواري الرخام وألواحه كثرة وعلواً واتساعاً وحُسناً ما لا يتخيل بالوهم.. وذكر لنا أنه كان فيها في القديم مبانٍ للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان، والله أعلم، ويشبه أن يكون ذلك للرصد.
  • القاهرة: وفي موضع مختلف قال ابن جبير  عن القاهرة أو مصر: “.. وبمقربة من هذه القنطرة المُحدثة الأهرام القديمة، المُعجزة البناء، الغريبة المنظر، المربَّعة الشكل، كأنَّها القباب المضروبة قد قامت في جوِّ السَّماء، ولا سيَّما الإثنين منها، فإنهما يَغَص الجوّ بهما سُمواً، في سِعةِ الواحِد منها من أحَدِ أركَانهِ إلى الرُّكنِ الثاني ثلاث مئة خُطوة، قد أُقيمت من الصُّخورِ العِظام المنحوتة، ورُكِّبَت تركيباً هائلاً بديع الالتصاق دون أن يتخللَّها ما يُعين على إلصاقها، محُدَّدة الأطرافِ في رأي العين، وربَّما أمكَنَ الصعودَ إليها على خطرٍ ومشقة فَتُلفى أطرَافها المحدّدة كأوسع ما يكون من الرِّحاب، لو رامَ أهلُ الأرضِ نقض بنائها؛ لأعجزهم ذلك”.

الموصِل: هذه المدينة عتيقة، حصينة فخمة، قد طالت صُحبتها للزمن، فأخذَت أُهبة الاستعداد لحوادث الفتن، قد كادت أبراجُها تلتقي انتظاماً لقُرب مسافةِ بعضها من بعض، وباطن الداخل منها بيوت، بعضها على بعض، مستديرة بجداره المُطيف بالبلد كله، كأنه قد تمكَّن فتحها فيه لغلظ بنيتهِ وسعة وضعه، وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية، وهي من المرافِق الحربية.

وفي أعلى البلد قلعةٌ عظيمة قد رُصَّ بناؤها رصًّاً، ينتظمها سورٌ عتيق البنية مُشيَّد البُروج، وتتّصل بها دُورُ السلطان، وقد فَصَلَ بينهما وبين البلد شارعٌ مُتسِع يمتد من أعلى البلد أسفله، ودِجلة شرقي البلد، وهي متصلة بالسور، وأبراجه في مائها.

وفاته:-

توفي الرحالة ابن جبير بالإسكندرية في شهر شعبان سنة 614هـ.

المصادر:

  • أدب الرحلات ودوره في التواصل بين الحضارات – رحلة ابن جبير نموذجاً (24 وما بعدها).
  • الأعلام (5/319).
  • رحلة ابن جبير، دار صادر، بيروت.
  • سير أعلام النبلاء (22/45/رقم 32).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/110).
  • الجغرافيون والرحالة المسلمون في بلاد الشَّام زمن الحروب الصليبية، محمد مؤنس عوض.
  • العبر في خبر من غبر (3/163).
  • ماذا قدَّم المسلمون للعالم، السرجاني.
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (2/381/رقم 178).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى