نوادر العرب

الراعي النميري .. بين فكيّ الرَّحى في صراع جرير والفرزدق

اعتبره ابن سلام الجمحي فحلًا من فحول الشعراء الإسلاميين

من هو الراعي النميري؟

الراعي النميري هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل، شاعر إسلامي من فحول بني نمير من مضر، كان راعي إبل من بادية البصرة، عاصر جرير والفرزدق، كُنيته أبو جندل، ولُقّب بالراعي لكثرة ذكره حياة الرعي والإبل في أشعاره، حتى قِيل عنه:”كان كأنه يعتسف الفلاة بغير دليل، فقد كان لا يقتفي أثر شاعر ولا يعارضه”، وقد عاش شطرًا من حياته متنقلًا بين الكوفة والبصرة.

خصائص شعر الراعي النميري :-

كان الراعي النميري أكثر من مجرد شاعر، فقد كان راوية، وموسوعة للكثير من الشعر الجاهلي، كان مبدعًا في وصفه، دقيقًا في تصويره، اتخذ من النهج القديم مسلكًا في أشعاره؛ لتأثره بما يحفظ من فيوض الشعر الجاهلي، وتنوعت فنونه الشعرية بين الفخر، والمدح، والحماسة، والهجاء، والوصف وبخاصة وصف الإبل، وله قليل غزل.

اعتبره ابن سلام الجمحي فحلًا من فحول الشعراء الإسلاميين، وصنفه في الصدارة في الطبقة الأولى من كتابه طبقات فحول الشعراء، لكثرة شعره ومُطوّلاته، وبراعته الفنية، وجودته.

أكَـلْنَـا الشَّوَى حَتَّى إِذا لَمْ نَجِدْ شَوَىً..

أشَرْنَا إلى خَيرَاتِهَــا بالأصَابِعِ

الراعي النميري

قصة الراعي النميري وجرير :-

يندرج الهجاء تحت العنف الشعري، ويُتعمّد به إيقاع أقصى أنواع الأذى النفسي والاجتماعي بالخصم، ولا مانع من انتهاك هويته وتشويه سيرته، فيترك أثرًا يفضي إلى القتل الرمزي، ويُورث كمَدًا، ويُلحق عارًا قد لا يُمحى أثره عبر التاريخ، كل ذلك تفعله قوة الكلمة في قصيدة هجاء، وهذا تمامًا ما حدث مع الراعي النميري عندما هجاه جرير بقصيدة أسماها الدامغة، دمغه بها كَمَدًا وقهرًا، فلم يستطع الراعي أن يتخلص من وَصْمتها ما بَقي، وقيل: إنه مات قهرًا بسببها.

الفرزدق هو همام بن غالب التميمي ، شاعر عظيم الأثر في اللغة ، وكان يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس.
الراعي النميري كان طرفاً في النزاع الشهير بين جرير والفرزدق

كان ذلك جرّاء انخراطه في حرب المناظرات الشعرية والهجاء التي دامت لسنوات بين الفرزدق وجرير متحيزًا للفرزدق فقال:

يا صــاحبي دنا الـرواح فسيرا..

غلب الفرزدق في الهجــاء جريرا

وهكذا، جنّ جنون جرير، وقرر الانتقام من الراعي بوابلٍ من أبيات الهجاء بقصيدة بلغت سبعًا وتسعين بيتًا، أدرك فيها منتهى الغاية من الهجاء، وأنشدها على الملأ في سوق المربد في مجلس الراعي والفرزدق، ومن أقسى أبياتها :

فغض الطَّرْفَ إنَّـك من نميـر..

فلا كعبـاً بلغت ولا كِــلابا

وفيه صوّر جرير الانتساب لقبيلة نمير كأنه عار مُشين، فيأمر الراعي بأن يُنكس جبينه خجلًا لانتسابه لتلك القبيلة، التي لم تستطع أن تضاهي منزلة قبيلة كعب – قبيلة والدته – ولا كلاب – قبيلته، فاشتدّ وقع تلك القصيدة، وخاصة هذا البيت على قبيلة نمير بأكملها، حتى صاروا يتحرجون من الانتساب لها، أو يغيرون قبيلتهم.

أقوال عن حادثة هجاء جرير للراعي :-

● يقول الراعي عن تلك القصيدة وعارها :” خرجنا من البصرة، فما وردنا ماء إلا وسبقنا خبر القصيدة والبيت إليه، حتى بلغنا بني نمير فاستقبلنا أهلها يقولون: أخزاكم الله، ما أشد ما ألحقتم بنا من العار! وباتت القبيلة بأكملها في كَمَد وغم”

● ويقول ابن رشيق القيرواني في العُمدة: “وممن وضعه الشعر حتى انكسر نسبه، وسقط عن رتبته بنو نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب”.

● ويقول شوقي ضيف مَعلّقًا :”وكان كثير من الشعراء ينزلق في تلك المناظرات العنيفة بين جرير والفرزدق، لكن جرير كان يشوي وجوه من يتحيز منهم للفرزدق بنيران هجائه، فينسحبون منهزمين على شاكلة الراعي”.

القصيدة الدامغة :-

هذه بعض من أبيات تلك القصيدة الشهيرة التي عقدت لسان الراعي النميري من قوة هجائها، بعدما كان من أفحل شعراء العصر الأموي، يقول جرير :

فَـــلا صلَّـــى الإلـــهُ عـلـى نمـيـــــرٍ … وَلا سُقيت قبورهم السَّحابا

ولَـــو وُزنت حُــلـــوم بنــي نميـــــر .. عـلـى الميزان ما بلغت ذُبابا

ستهدم حـــائطي قـــرمــاء مِنِّي .. قـــواف لا أريد بها عِتابا

أعد لهــم مواســـم حــاميــات .. فيَشـــفي حرّ شُعلتها الجِرابا

فغُــضَّ الطَّــرف إنَّـــك من نميـــــرٍ .. فَـــلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا

أتعـــدل دمنـــــة قلــــت وخبــثت .. إلــى فرعين قد كَثُرا وطابا

إذا غضِبَتْ عليــكَ بنــو تميــمٍ .. حَسِــــبتَ الناس كُلهم غِضابا

لنا البطحـــاء تفعمهــا السَّـــواقي .. ولم يكُنْ سيل أوديتي شِعابا

ستعلم من أعزّ حمي بنجــد .. وأعظمنـــا بغائرها هضابا

شيـــاطيــن البــلاد يخــفن زَأري .. وحيـــة أريحاء لي استجابا

مختارات من شعر الراعي :-

عَجِبتُ مِن السَّـــارينَ والريــحُ قَــرَّةٌ.. إِلى ضَوءِ نارٍ بَينَ فَردَةَ والرَحى

إِلى ضوءِ نــارٍ يَشتَوي القِدَّ أَهلُهـــا .. وَقَـد يُكرَمُ الأَضيافُ وَالقِدُّ يُشتَوى

فَلَمَّـــا أَتَونا فَاشتَــكينــا إِليهـــمُ .. بَكَـــوا وكِلا الحَيَّينِ مِمّا به بَكى

بَكى مُعــوِزٌ من أَن يُــلامَ وطـــارِقٌ .. يَشُــدُّ من الجُوعِ الإِزارَ عَلى الحَشا

فألطَفتُ عَيني هَل أَرى من سَمينَةٍ.. ووَطَّنتُ نَفسي لِلغَرامَةِ والقِرى

ومن بديع ما نظم الراعي النميري قوله:

إِنّي أَتــاني كَـــلامٌ مَـــا غَضِبتُ لَــهُ .. وقَــد أَرادَ بهِ مَن قالَ إِغضابي

جُنـــادِفٌ لاحِقٌ بِالــرَأسِ مَنـكِبُـهُ .. كأَنَّــهُ كَودَنٌ يوشى بِكُــلّابِ

مِن مَعشَــرٍ كُحِلَت بِاللُؤمِ أَعيُنُهُــم .. قُفــد الأَكُفِّ لِئام غَيرِ صُيّابِ

قَـولُ اِمرِئٍ غَرَّ قَوماً مِن نُفوسِــهِمُ .. كخَــرز مُكرَهَةٍ في غَيرِ إِطنابِ

هَلّا سَأَلتَ هَــداكَ اللــهُ مــا حَسَبـي .. إِذا رُعائِيَ راحَت قَبلَ حُطّابي

إِنّــي أُقَسِّـــمُ قِــدري وَهِــــيَ بـــارِزَةٌ .. إِذ كُلُّ قِدرٍ عَروسٌ ذات جِلبـابِ

وأنشدَ قائلاً :

وحديثهـــا كالقطـــرِ يســمعـــهُ … رَاعِــــي سِنِينَ تَتَابَعَتْ جَدْبَا

فَأصَـــاخَ يَرْجُو أنْ يَكُــونَ حَيَّـــــاً … ويقُـــــولُ منْ فرحٍ هيَّا ربَّا

الهجاء كان أحد أكبر المخاوف التي كانت العرب تتقيها

الراعي النميري وعبد الملك بن مروان :-

أُصيبَ قومُ الراعي النميري مظلمة حين استبدَّ سُعاة الخليفة عبد الملك بن مروان في جباية الصَّدَقات، وجانبوا أُسُسَ العَدْلَ التي أمَرَهُم رأسُ الدَّولة الأموية بلزومها، فخاطبه الراعي قائلاً:

أخَليفــةُ الرَّحمَــن إنــَّـا معشـــرٌ .. حُــنفــاءٌ نسجُد بُكرةً وأصيلا

عَــــربٌ نرَى اللــــهَ في أمـــوَالنا .. حَــــقُ الــزَّكاة مُنزلاً تنـزيلا

أخليفــةُ الرَّحمــنِ إنَّ عَشِيرَتِـــي .. أمْـــسى سَوامهم عَزين فــلولا

فارفَــعْ مَظَالم عِــيلَت أبنـــــاءنــــا .. عَنَّـــــا وأنقِذ شــلونا المأكولا

إنَّ السُّعَـــاةَ عَــصوْكَ حين بعثتَهُــمْ .. وأتَــوا دَواهي لو عملت وُغولا

ولئِــنْ بقيَـــتَ لأدعُـــوَنَّ بِطَعنــــةٍ .. تَــــــدَعُ الفرائضَ بالشَّـريفِ وغولا

والبيتُ الأخيرُ يحمل في طياته تهديداً لم يُرُق للخليفة الذي تجاهل طلبَ الشَّاعر الذي عادَ مجدداً لعبد الملك مُقدماً شكواه وتظلّمه بأسلوب رقيق فأجابه الخليفة، حيث قال الراعي:

أمَّـــا الفقيرُ الذي كانت حلـــوبته .. وفق العيال فلم يتُرَك لَــهُ سبدُ

واختل ذو المالِ والمثرون قد بقيَت .. على التلاتـــلِ من أموالِكم عُقَدُ

فإن رَفِقْتَ بِهِمْ رأسَــــاً تَعْشَـــقُهــم .. وإن لَقَــوا مثلهــا منْ قابلٍ فَسدوا

وفاته:-

توفي الراعي النميري سنة 90 ھ، واختلفت الروايات حول وفاته، فقيل: إن بني الهجيم قتلوه، وقيل: إنه مات قهرًا وكمَدًا بسبب هجاء جرير له بقصيدته الدامغة.

تعرف أكثر على عمرو بن كلثوم .. الشاعِر الفحل والفارس الشجاع

المصادر:-

  • تاريخ الأدب والنقد والحكمة العربية.
  • أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني.
  • فاطمة عبد الله الوهيبي، القتل بالشعر دراسة في سيميوطيقا الثقافة: الدامغة لجرير بوصفها علامة.
  • عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي.
  • شوقي ضيف، العصر الإسلامي.
  • ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى