أعلامعلماء وفلاسفة

موسى بن ميمون .. الطبيب الفيلسوف المُختلف بشأن ديانته

كان الملك الناصر صلاح الدين يرى له ويستطبه

موسى بن ميمون:-

موسى بن ميمون بن يوسف بن إسحاق، أبو عمران القرطبي، طبيب وفيلسوف، يُعرَف بالرئيس موسى؛ لأنه كان رئيساً على اليهود بمصر، أصله يهودي، وُلِدَ في قرطبة سنة 529هـ، وتعلم فيها، وتنقَّل مع أبيه في مدن الأندلس.

موسى بن ميمون – الديانة:-

قيل: إن الرئيس موسى كان قد أسلم في المغرب، وحفظ القرآن، واشتغل بالفقه، ثم أنه لما توجه إلى الديار المصرية وأقام بفسطاط مصر ارتد، وقيل: تظاهر بالإسلام، وقيل: أكره عليه، فحفظ القرآن وتفقه بالمالكية، ودخل مصر، فعاد إلى يهوديته.

موسى بن ميمون – المكانة:-

إن ابن ميمون يهودي عالم بسنن اليهود، ويعد من أحبارهم وفضلائهم، وكان رئيساً عليهم في الديار المصرية، وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يرى له ويستطبه، وكذلك ولده الملك الأفضل علي، وهو أوحد زمانه في صناعة الطب، وفي أعمالها متفنن في العلوم، وله معرفة جيدة بالفلسفة.

وأقام في القاهرة 37 عاماً، كان فيها من سنة 567هـ رئيساً روحياً لليهود، كما كان في بعض تلك المدة طبيباً في البلاط الأيوبي.

مقام موسى بن ميمون في مصر
مقام موسى بن ميمون في مصر

موسى بن ميمون الطبيب الموسوعي:-

لطالما اعتبر الغرب أن موسى ابن ميمون أحد رجال النهضة الغربية الأوروبية، وهو الذي ولِد بعد ابن رشد بنحو 12 سنة وهو سليل عائلة أنتجت ثمانية أجيال من العلماء المؤثرين.

وبالفعل كان ابن ميمون شخصية استثنائية حيث كان عالماً يهودياً يعيش في بيئة مسلمة ساعدت على صقل إنجازاته الفلسفية والطبية.

بدأ خلال صغره بدأ يظهر اهتمامه في العلوم والفلسفة، فقام إلى جانب الاهتمام بأعمال العلماء المسلمين العظيمة حينها طالع الأعمال الفلسفية العربية واليونانية التي وصل إليها من خلال الترجمات إلى العربية.

وكانت أعظم أعمال الرئيس موسى في القانون اليهودي مكتوبة باللغة العبرية، كما كان طبيباً في الوقت ذاته، ليكون هو المفكر الوحيد في ذلك العصر الذي جمع بين أربع ثقافات أصيلة وهي: اليونانية، العربية، الرومانية واليهودية.

ومع تغير الأحوال السياسية في الأندلس؛ قرر ابن ميمون وعائلته الخروج من قرطبة حفاظاً على أرواحهم، ليستقروا في منطقة قريبة من مدينة القاهرة ، ليقوم فيما بعد بممارسة الطب كمهنة له.

تمثال موسى بن ميمون في مسقط رأسه بقرطبة - إسبانيا.
تمثال موسى بن ميمون في مسقط رأسه بقرطبة – إسبانيا.

أعمال طبية:-

كتب ابن ميمون قرابة الـ (10) أعمال طبية باللغة العربية والتي وصف فيها حالات الربو، مرض السكري وما ينتج عنه، كتب أيضاً عن التهاب الكبد والإلتهاب الرئوي.

ونصح بالاعتدال في الأكل واتباع أسلوب الحياة الصحي.

التجريب:-

خلال فترة عمله الطبية؛ انتقد ابن ميمون الغطرسة التقليدية للإغريقي جالينوس، حيث وجد أن الممارسة الطبية أفضل من التقاليد النظرية، وأن الطب يقوم على التجربة لا على التخيل.

ولذلك دفعه الشغف في وجود نظام تعليمي تجريبي إلى اختزال الأدبيات الطبية الرومانية الضخمة في كتاب واحد يتضمن المقتطفات الرئيسية التي تساعد الطبيب على اكتساب ما يحتاجه من المعرفة وأن يتمكن من حمله معه أينما توجه.

فصل الدين عن الطب:-

الملفت للنظر أنه وعلى الرغم من أن ابن ميمون كان حاخاماً كهنوتياً، غير أنه حينما كان يتعامل مع المرض؛ فقد كان يتجرد للعلم بشكل كامل، وكان ممن نادوا إلى فصل العلم عن الدين بشكل تام، وذلك في الفترة التي سادت فيها الخرافة والتنجيم مع بعض الممارسات السحرية في الطب، وكان دائماً يجادل إلى أن الأمر السليم هو الذي يعمل.

توجه ابن ميمون إلى تعليم الافراد كيفية العناية بصحتهم بشكل جيد فطلب في البداية أن يتم الاعتناء بدفء الجسد الطبيعي قبل أي شيء آخر، وأكثر ما يمكنه تأمين هذا الدفء هو التمارين البدنية التي المناسبة لكل من الجسد والروح.

 كما أنه قد وصف للمسنين المشي يومياً بالإضافة إلى حديثه عن ضرورة التدليك الدائم كوسيلة لتحفيز حرارة الجسد.

التفكير الإيجابي كوسيلة للعلاج:-

وقد أخبر أيضاً عن الفوائد الكثيرة التي تصاحب التفكير الإيجابي، وممكن القول بأن هذا أول أشكال الطب النفسي الجسدي.

وما يظهر بشكل واضح من مؤلفاته أنه يقوم بالطلب من المعالج والطبيب أن يهتم بمعالجة المريض ككل ولا يقتصر فقط على أعراض المرض التي تظهر، فعليه أن يسعى لتعافي المريض روحياً وجسدياً.

موسى بن ميمون ونوادره:-

لما قدم من الغرب صلى بمن في المركب التراويح في شهر رمضان، وجاء إلى الديار المصرية.

وجاء إلى دمشق، فاتفق للقاضي محي الدين ابن الزكي مرض خطر، فعالجه الرئيس موسى وبالغ في نصحه؛ فرأى له القاضي ذلك وأراد مكافأته على ذلك، فحلف أيماناً مغلظة أنه ما يأخذ شيئاً أبداً.

ثم بعد مدة اشترى داراً وسأل من القاضي تقديم التاريخ إلى خمس سنين متأخرة، فما بخل القاضي عليه بمثل ذلك، ولم يعلم أن في ذلك مفسدة. ثم إنه أثبت ذلك؛ وبعد مدة توجه إلى الديار المصرية، وخدم القاضي الفاضل، فجاء من كان في المركب وقالوا: جاء معنا من الغرب وصلى بنا التراويح في السنة الفلانية، فأنكر ذلك وأخرج المكتوب، وقال: أنا كنت في دمشق قبل هذه السنة بمدة واشتريت داراً، وهذا خط القاضي بذلك؛ فلما رأى الفاضل خط محيي الدين ابن الزكي بالثبوت ما شك فيه واندفعت القضية بكيده وخداعه.

المشناه وهي جزء من التلمود الذي يقال: إن موسى هو من قام بترتيبه وتنظيمه
المشناه وهي جزء من التلمود الذي يقال: إن موسى هو من قام بترتيبه وتنظيمه

ما قيل فيه:-

قال القاضي السعيد بن سناء الملك يمدح الرئيس موسى:

أرى طب جالينوس للجسم وحده .. وطب أبي عمران للعقل والجسم

فلــو أنــــه طــب الزمــــان بعلمـــــه .. لا براه من داء الجهالـــــة بالعلم

ولو كــان بــــدر التم من يستطبـــه.. لتـمَّ لــــه ما يدعيــــه من الــــــتم

وداواه يــــوم الــتم من كلــــف به.. وأبرأه يـــوم الســـــرار من السقم

ابن ميمون .. رواية ابن العبري حوله:-

تحدَّث المؤرخ ابن العبري عن موسى بن ميمون، وذلك في كتابه “تاريخ مختصر الدول”.

وقال ابن العبري – المتوفى عام 1286 م- “موسى بن ميمون اليهودي الأندلسي كان قد قرأ علم الأوائل بالأندلس، وأحَكَم الرياضيات، وقرأ الطب هُناك، فأجادهُ علماً، ولم يكُن لهُ جسارةٌ بالعمل، وأُكرِه على الإسلام فأظهره وأسرَّ اليهودية”.

وأضاف ابن العبري “.. ولمَّا التزم بجزيات الإسلام من القراءة والصلاة؛ فعل ذلك إلى أن أمكنته الفرصة في الرحلة بعد ضمِّ أطرافه، فخرج عن الأندلس إلى مصر ومعهُ أهله، ونَزَلَ مدينة الفُسطاط بين يهودها، فأظهرَ دينه وارتزق بالتجارة في الجوهر، وما يجري مجراه”.

القاهرة كان محجاً للعلماء

وزاد ابن العبري” ولمَّا ملكَ العزيز مصر (عماد الدين ابن صلاح الدين الأيوبي)؛ وانقضت الدولة العلوية؛ اشتمل عليه القاضي عبد الرحيم بن علي البيساني، ونظرَ إليه وقرَّر إليه رزقاً، وكان يشارك الأطباء ولا ينفرد برأيه لقلة مشاركته، ولم يكن وقفاً في المعالجة والتدريس”.

وأنهى ابن العبري خاتماً حديثه عن ابن ميمون قائلاً: ” .. وكان عالماً بشريعة اليهود، وصنَّف كتاباً في مذهب اليهود، سمَّاه بالدلالة، وبعضهم يستجيده، وبعضهم يذمه ويسميه بالضلالة. وغلب عليه النِحلة الفلسفية، وصنَّف رسالة في المَعاد الجسماني، وأنكر عليه مقدمو اليهود، فأخفاها إلَّا عمن يرى رأيه”.

كتاب دلالة الحائرين أشهر مؤلفاته:-

له تصانيف كثيرة بالعربية والعبرية؛ منها:

  1. دلالة الحائرين: بالعربية والحروف العبرية، وهو كتاب يحوي على فلسفة موسى بن ميمون وآرائه في الشريعة اليهودية بعيداً عن اللاهوت اليهودي الخالص. قال ابن العبري: “سماه بالدلالة، وبعضهم يستجيده وبعضهم يذمه ويسميه الضلالة”، ترجم إلى اللاتينية وطُبِع بها أيضاً، ونشر قسم منه بالحروف العربية بعنوان «المقدمات الخمس والعشرون».
  2. الفصول: في الطب، ويعرف بفصول القرطبي أو فصول موسى، ترجم إلى اللاتينية وطبع بها.
  3. شرح أسماء العقّار، في العقاقير.
  4. تهذيب الاستكمال، لابن هود، في علم الرياضة، أصلحه وقرئ عليه.
  5. المقالة في تدبير الصحة الأفضلية، كتبها للملك الأفضل صاحب دمشق.
  6. تلخيص كتاب حيلة البرء.
  7. البواسير.
  8. مقالة في بيان الأعراض.
  9. مقالة في الربو.
  10. رسالة في الجماع.
  11. مقالة تشتمل على فصول من كتاب الحيوان لأرسطو.
  12. كتاب تثنية التوراة اليد القوية.

وفاته:-

توفي الطبيب موسى بن ميمون في القاهرة سنة 601هـ، ودفن في طبرية بفلسطين، ولا يوجد هناك حسم بشأن الديانة التي توفي عليها.


المصادر:

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى