معلومات تاريخية

الذهب الأبيض .. ثروة السعديين الكبرى

نظرا لثمنه المرتفع؛ بقي استعمال السكر مقتصرا على الفئات الميسورة

 اهتم السعديين والدولة السعدية التي حكمت المغرب في الفترة الممتدة ما بين سنتي 1517 م و1660 م، اهتماما كبيرا بتجارة السكر” الذهب الأبيض “، نظرا للعائدات المالية الكبيرة التي تذرها عليها هذه المادة.

 ينتمي السعديون إلى البيت النبوي الشريف ويصل نسبهم إلى محمد النفس الزكية ( 718 م – 762 م ) ، قدموا إلى المغرب في أوائل القرن 8 هـ / 14 م بطلب من سكان درعة أثناء سفرهم إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج.

أحد أحياء المغرب في العام 1900 م
أحد أحياء المغرب في العام 1900 م – مكتبة الكونغرس

وقد لقبهم العامة بالسعديين تيمنا لأنهم سعدوا بدولتهم التي تأسست سنة 1517 م على يد محمد القائم بأمر الله (1517م – 1524م)، وذلك بعد مبايعته في منطقة تيدسي قرب مدينة تارودانت، من أجل تزعم الجهاد ضد البرتغاليين الذين كانوا يحتلون مجموعة من المدن الساحلية المغربية، واتسعت دولتهم في عهد أبي العباس أحمد المنصور (1578 – 1603 م) لتصل إلى حدود السودان الغربي.

اهتمام السعديين الخاص بالتجارة :-

 واهتم السعديون منذ نشأة دولتهم بالتجارة وذلك بفضل المداخيل الكبيرة التي تدرها ، و يُعد السكر من  أكثر المواد التي لقيت اهتماما كبيرا من طرف الدولة السعدية، نظرا للطلب المتزايد على هذه المادة ولثمنها المرتفع في السوق، الأمر الذي مكن الدولة من جني أموال طائلة من تجارة السكر ساهمت في تقوية الدولة.

 ازدهرت صناعة السكر منذ عهد السلطان محمد الشيخ ( 1544 – 1557 م)،  وتوسعت أكثر في عهد السلطان  أحمد المنصور الذي أولى اهتماما كبيرا بها، حيث حرص على توسيع زراعة قصب السكر ، فانتشرت بذلك  العديد من المزارع في مجموعة من المدن  كالصويرة وسهل سوس وفي غربي تارودانت، ثم في وادي ماسة وضواحي كلميم، وفي مدينة طنجة وسبتة وسلا، كما أظهرت ذلك الحفريات الحديثة.

وصف مدينة سبتة

بناء مصانع للسكر :-

 وإلى جانب ذلك؛ قام السلاطين السعديون ببناء مجموعة من مصانع السكر، حيث تذكر المصادر التاريخية أن السلطان محمد الشيخ أمر ببناء أربع مصانع بعد فتحه لمدينة فاس، أما السلطان أحمد المنصور؛ فقام بإنشاء أربع مصانع شمالي الأطلس الكبير عند مدينتي شيشاوة والصويرة، وعشر مصانع أخرى في سوس وتارودانت.

وقد تميزت تجارة هذه المادة باحتكارها من طرف الدولة التي كانت تشرف على جميع العمليات بدءا من غرس قصب السكر ثم تصنيعه ووصولا إلى عملية بيعه والاتجار به، وكانت الدولة تتعاقد أحيانا مع بعض اليهود لاستغلال تجارة السكر مقابل قدر من المال لمدة معلومة.

مشهد حديث لمدينة فاس التي أقيم فيها 4 مصانع للسكر
مشهد حديث لمدينة فاس التي أقيم فيها 4 مصانع للسكر

تحديد الموازين والأسعار :-

 وإلى جانب هذا؛ فرضت الدولة إجراءات صارمة على السعديين فيما يخص تجارة السكر، حيث خصصوا له موازين معتمدة ووضعوا الأسعار المتفق عليها، كما حددوا الأنواع الخاصة بالتصدير.

وكان السكر خلال هذه الفترة يلقى طلبا كبيرا من طرف الدول الأوربية خاصة الإنجليز الذين كانوا يستوردون كميات كبيرة  من السكر الناعم والغليظ تقدر بألفي صندوق سنويا، الأمر الذي ساهم في ازدهار التجارة مع أوربا، وفي تقاطر أعداد كبيرة من التجار والصناع والسماسرة والمغامرين الباحثين عن الكسب السريع على المغرب خلال هذا العصر.

جلب السعديين للمهندسين والتقنيين :-

 وقد أدى الطلب الكبير على السكر إلى اهتمام الدولة بالاستثمار فيه وتطويره، حيث تم جلب مهندسين وتقنيين أجانب للاشراف على عملية انجاز المشاريع بأحدث الوسائل المتوفرة آنذاك، وقد تطلب انجاز هذه المشاريع أموال طائلة من الدولة، كانت تخصص لبناء المصانع وجلب الحطب لأفران معامل السكر وللخشب المستعمل في صناعة الأجفان والنواعير وغيرها من الآليات المستعملة في المعامل، إضافة إلى وسائل النقل البرية ( الدواب).

 ولعبت هذه المادة الحيوية دورا هاما في ازدهار مجموعة من الموانئ التي كانت تشرف على عملية التصدير نحو أوربا كميناء أغادير وآسفي وسبتة .

تجارة صحراوية
اهتمام كبير بعوائد التجارة

السكر ليس للجميع :-

ونظرا لثمنه المرتفع بقي استعمال السكر مقتصرا على الفئات الميسورة من المجتمع، كما كان يستعمل لتعزيز وتقوية العلاقات الدبلوماسية بين البلدان، عن طريق ارساله كهدية إلى ملوك وأمراء الدول الأخرى وإلى كبار رجال الدولة، وتذكر المصادر التاريخية أن السكر كان من ضمن الهدايا التي أرسلها السلطان السعدي أحمد المنصور إلى ملكة انجلترا  إليزابيت الأولى ( 1533 م – 1603 م ).

 وبفضل هذه الثروة الطبيعية الهامة التي كانت تساهم بثلث المداخيل، استطاع السعديين تقوية أركان دولتهم وتعزيز قدراتهم العسكرية من أجل القضاء على القوى السياسية الداخلية والخارجية المناوئة لحكمهم، كما استطاعوا بفضلها توسيع حدود دولتهم جنوبا لتشمل السودان الغربي ( جزء من مالي وموريتانيا والسينغال ومملكة غانا حاليا )، غير أن قلة استفادة الشعب من مداخيل هذه المادة جعلته يشمئز منها، ويسعى إلى القضاء عليها نظرا لاستنزاف مزروعات قصب السكر للمياه ولإضرارها بالتربة.

هبوط اقتصاد السعديين بعد صعود :-

وقد بدأت صناعة وتجارة السكر تعرف تراجعا كبيرا بعد تنامي الصراعات السياسية داخل السعديين ، حيث تم احراق مجموعة من المعامل وأصاب البعض الآخر الخراب بعد تفشي داء الطاعون الذي اجتاح المغرب، كما أن اكتشاف القارة الأمريكية وفر للأوربيين مصادر هامة من هذا المورد أغنتهم عن التعامل مع المغرب.

تعرف هنا على التجارة الصحراوية مع السودان الغربي شكلت مصدر ثروة للمغرب الأقصى

صورة غروب الشمس
السكر فقد قيمته الاستراتيجية

المصادر :

  • ابراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء 2
  • د. عبد الكريم كريم، المغرب في عهد الدولة السعدية، منشورات جمعية المؤرخين المغربية.
  • اليفراني ( الملقب بالصغير) ، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، ص 14
  • أحمد المقري، النفح الطيب
  • Photo by Ben Ostrower on Unsplash
  • Photo by Xavier Coiffic on Unsplash
  • Photo by Andrea Cappiello on Unsplash

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى